توضيح المقصود لليمني

هذه رسالة توضيح المقصود

بأن استعمال مكبّرات الصوت فيمايطلب فيه الجهر

من العبادات “أمر محمود

 

بقلم الفقير إلى عفو الله تعالى

إسماعيل عثمان زين اليمني المكي الشافعي

عفى الله تعالى عنه آمين


بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله الذي شرع لنا الأحكام، وبيّن الحلال من الحرام. والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنام القائل: {مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْراً يُفَقّهْهُ في الدّين}. وعلى آله وصحبه والتابعين لهم على النهج القويم والطريق المستقيم.

     أما بعد: فيقول الفقير إلى عفو الله تعالى إسماعيل عثمان زين اليمني المكي الشافعي، لطف الله به: سألني بعض المحبين عن حكم مكبّرات الصوت أثناء الأذان وصلاة الجماعة والجمعة وخطبتيها وغير ذلك مما يطلب فيه الجهر وإسماع الغير، لأن بعض من يدعي العلم يرى أن ذلك لا يجوز، لأنه بدعة.

     فأقول وبالله التوفيق: إعلم أنه ما من موضوع كائن أو يكون إلى يوم الدين إلا وله حكم في شرعنا المبين، سواء كان نصا أو استنباطا يستنبطه الفقهاء العارفون المشهود لهم بالخيرية الكاملة، ويعرفه العلماء الأذكياء، ذوو الألباب الفاضلة الذين قال الله تعالى فيهم:{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ}. وقال فيهم: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}. ثم إن من القواعد المقررة المشهورة بين أهل العلم، خصوصا في مذهب إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى وأصحابه رضوان الله عليهم أن للوسائل حكم المقاصد.

     وهذه القاعدة تدخلها الأحكام الخمسة بحسب المقاصد، فمتى كان المقصد واجبا فالوسيلة إليه واجبة، ومتى كان مندوبا فالوسيلة إليه مندوبة، ومتى كان حراما فالوسيلة إليه محرمة، ومتى كان مكروها فالوسيلة إليه مكروهة، ومتى كان مباحا فالوسيلة إليه مباحة.

     فمن أمثلة ذلك أنه يجب على الخطيب إسماع أربعين من أهل الجمعة أركان الخطبة، فإذا لم يتأتّ ذلك إلا باستعمال المكبر كان استعماله واجبا، لأن ما ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإن تأتى بدون ذلك فاستعماله حينئذٍ مندوب لمزيد الفائدة وتمام الغَرَض. وإذا كان الشارع الحكيم قد طلب في الأذان رفع الصوت وإبلاغه إلى مدى بعيد ونَدَب الوقوفَ على مكان عالٍ كالمنارة مثلا وندب وضع السبابتين في الأذنين لأنه أندى وأبعد للصوت، فيكون استعمال المكبر فيه مندوبا، لأنه مما يستعان به على إبلاغ صوت المؤذن إلى مدى بعيد.

     وقد بينت السنة النبوية الشريفة قوائد ذلك، وإن منها أنه لا يبلغ مدى صوت المؤذن شيئا، جِنًّا أو إنسا، حيوانا أو جمادا إلا شهد له يوم القيامة كما سيأتى. ومن الفوائد أيضا أن الشيطان يشرد ويهرب عند سماع الأذان فكلما كان المدى بعيدا كانت الفائدة أكثر. ولا ينبغى الإغترار بما يقوم به الآن بعض من يدعى العلم من الإنكار على بعض الأمور التي لها دَخَلٌ في أحكام الدين، ولها به إتصالٌ قويٌّ متين مدّعيا أن ذلك بدعة، لأنه ليس من فعل السلف. وهؤلاء الكثير منهم يلهجون بلفظ السلف ولا يعرفون من هم المستحقون لهذا الوصف، ويلهجون بالدليل وهم لا يعرفون كيفية الإستدلال به، ولا يحسنون الإستفادة من معناه، ولا يعلمون أن الأخذ بالدليل يحتاج إلى أهل لذلك، بحيث يعرفون الصالح للإستدلال وغير الصالح، يعرفون هل هو صحيح أو حسن، ثم يعرفون هل هو محكم أم منسوخ، ثم يعرفون عام أو خاص. وإذا كان عاما ينظرون هل له مخصص أم لا، ويعرفون هو مطلق أم مقيّد، ويعرفون هل هو مما أطبق أهل العلم على العمل بمقتضاه، وإلا فهو شاذ متروك ولو كان في أعلى درجة الصحة.

     وهاك نصَّ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو من فضلاء السلف وخيارهم. قال رحمه الله تعالى: كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف، لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لما هو أفضل منه، أو لعله لم يبلغ جميعهم علمٌ به انتهى. فهكذا يكون جواب أهل العلم والإتصاف. ولا عبرة بأهل الجهل والجراءة والإعتساف وإن كثروا، فقد جاء في الأحاديث الصحيحة ـأنه في آخر الزمان يقل العلم ويكثر الجهل، وقد أصبح الكثير الآن يدعى العلم وليس له من عُدّةٍ سوى الجراءة والتمسك بالشواذ والإستدلال بما لا يعرف المقصود منه أو بالنفي للدليل ولا يدرى هذا المسكين أن عدم دليل الفعل ليس دليلا للمنع. فأمثال هؤلاء يعتبر الواحد منهم شخصيةً مؤذيةً وفتنةً تمشى على رجلين آخذٌ بالشاذّ من القول أو بالقول المهجور فَقَاهَتُهُ بالتشهّى ودعواه بلا برهان. والله المستعان.

     ولنذكر هنا نبذة يسيرة من كلام الفقهاء الشافعية في متونهم وشروحهم الدال على طلب زيادة مدى الصوت لزيادة الإبلاغ، ففي مغنى المحتاج الجزء الأول صفحة 128: “ويسن للأذان مؤذن حر لأنه أكمل من غيره صيِّتٌ أي عالى الصوت لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر عبد الله بن زيد {أَلْقِهِ عَلَى بِلاَلٍ فَإِنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا} أي أبعد ولزيادة الإبلاغ” انتهى. وفي صغحة 127: “ويسن أن يؤذن على موضع عال كمنارة وسطح لخبر الصحيحين: {كَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مُؤَذّنَانِ: بِلاَلٌ وَابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَىَ هَذَا}، ولزيادة الإعلام” انتهى. وفي فتح الجواد الجزء الأول صفحة 104: “ويبالغ في الجهر مالم يُجْهِدْ نفسَهُ، لأمره صلى الله عليه وسلم برفع الصوت، وعلله بأنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جنٌّ ولا إنسٌ إلا شهد له يوم القيامة” انتهى. وعبارة شرح المهذب المسمى بالمجموع للإمام النووي رحمه الله تعالى: “الثانية يستحب أن يؤذن على موضع عال، من منارة  أو غيرها. وهذا لا خلاف فيه، واحتج له الأصحاب بما ذكر المصنف، وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: {كَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مُؤَذّنَانِ: بِلاَلٌ وَابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوْا وَاشْرَبُوْا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُوْمٍ، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَىَ هَذَا} رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر وعائشة، وهذا لفظ مسلم. وعن عروة بن الزبير عن إمرأة من بني النجار قالت: {كانَ بَيْتِيْ أَطْوَلَ بَيْتٍ حَوْلَ المَسْجِدِ، فَكَانَ بِلاَلٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الفَجْرَ} رواه أبو داود.

     وقد صارت آلة مكبرات الصوت مُغْنِيَةً عن الصعود على موضع عالٍ كالمنارة وأشباهها، وذلك ظاهر بلا خفاء ومستحب بلا مراء. والحاصل من جميع ما ذكرناه ونقلناه في هذه الوريقات أن استعمال مكبّرات الصوت في الأذان وغيره مما يطلب فيه الجهر أمرٌ محمودٌ شرعًا، وهذا هو الحق والصواب. والله الهادى إلى سواء السبيل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. والحمد لله رب العالمين. وحرر في الخامس من الثاني من الثالث من الرابع عشر من الخامس عشر هجرية.

 

 

 

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.