البيان الملمّع للكياهي سهل محغوظ

البيان الملمع عن ألفاظ اللمع

للشيخ

أبى إسحاق الشيرازى

 

تأليف

أحمد سهل بن أبى هاشم محمد

محفوظ سلام الحاجينى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم)

     الحمد لله كما هو أهله، وصلواته على محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين، سألنى بعض اخوانى ان أصنف مختصرا  فى المذهب فى أصول الفقه ليكون ذلك مضافا إلى ما عملت من  التبصرة، فى الخلاف فأجبته إلى ذلك إيجابا لمسألته وقضاء لحقه، وأشرت فيه إلى ذكر الخلاف وما لابد منه من الدليل، فربما وقع ذلك الى من ليس عنده  ماعملت من الخلاف. والى الله تعالى أرغب ان  يوفقنى للصواب ويجزل لى الأجر  والثواب، إنه كريم وهاب.

     ولما كان الغرض بهذا الكتاب أصول الفقه وجب بيان العلم والظن وما يتصل بهما لأن بهما يدرك جميع مايتعلق بالفقه، ثم نذكر النظر والدليل وما يتصل بهما لأن بذلك يحصل العلم والظن،ثم نبين الفقه وأصول الفقه إن شاء الله.

—————-

بسم  الله  الرحمن الرحيم

     الحمد لله الذى نور القلب بالعلم وألمعه،ووضع فيه التفقه فى دينه وأودعه،والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذى جاء بالحق ونشره وأسمعه، وعلى آله وصحبه الذين أخذوا من الدين أحسنه وأبدعه.وبعد فقد حملنى بعض الإخوان الطلبة بالمعهد  الاسلامى بساراغ على قراءة كتاب اللمع فى أصول الفقه للشيخ أبى إسحاق الشيرازى،وكان منهم من  يلح على ذلك لشدة حرصهم على هذا الكتاب، فجعلت أطالع تعاليق شيخى العلامة محمد ياسين بن عيسى الفادانى المكى وغيرها من الشروح والحواشى فى أصول الفقه،فاقتطفت واقتبست منها لمعا مفيدة جعلتها تعليقات يسيرة ربما تعين الإخوان على حل بعض ألفاظ اللمع. وقد تم التعليق كما تتم  قرائتى عليهم ليلة الثلاثاء من جمادى الأولى سنة 1381 الهجرية. ثم أمليت هذه التعليقات مع بعض الزيادات على أصحابى بمعهدى مسلك الهدى الحاجينى فى أشهر عديدة من  خلال أشغالى اليومية. وقد تم الإملاء والحمد لله يوم  الأحد 29 ربيع الاول سنة 1418 الهجرية الموافق لليوم الثالث من أغسطس عام 1997 وسميتها “البيان الملمع عن ألفاظ اللمع” راجيا من المولى جل وعلا ان تكون نافعة لهم وخالصة لوجهه تعالى إنه قريب مجيب، وأقول مستعينا بالله ومتوكلا عليه:

     (قوله كما) الكاف للتعليل وذلك كما فى قوله تعالى “واذكروه كما هداكم” الآية (قوله وصلواته) أى رحماته المقرونة بالتعظيم (قوله سيد المرسلين) أى أشرفهم وسيدهم (قوله إخوانى) جمع أخ بمعنى صاحب وقد يجمع على إخوة كما فى قوله تعالى “إنما المؤمنون إخوة” (قوله ان أصنف) التصنيف هو ضم. صنف من الكلام إلى صنف آخر وإن لم يكن على وجه الألفة بخلاف التأليف فإنه ضم شيء  إلى شيء آخر على وجه الألفة  (قوله فى الخلاف) أى الخلاف الحاصل بين رجال المذهب فى أصول الفقه وليس المراد به علم الخلاف (قوله لأن الخ) أن مثقلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وهو جائز كما فى الحديث “إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون” وذلك كما قلت فى الفوائد النجيبة:

ضمير شـأن ان بالتثقيل * يجـوز حذفـه على القلـيل

يشهده حديث ان من أشد * د الناس فاقرأ تمه واحفظ تفد

 

((باب بيان العلم والظن  وما يتصل بهما))

     نقدم على ذلك بيان الحد،لأن به يعرف حقيقة كل ما نريد ذكره. والحد هو عبارة عن المقصود بمايحصره ويحيط به إحاطة تمنع أن يدخل فيه ماليس منه أو يخرج  منه ما هو منه. ومن  حكم الحد أن  يطرد وينعكس، فيوجد  المحدود <3> بوجوده وينعدم بعدمه

———————

(قوله وما يتصل بهما) أى من تقسيم العلم الى ضرورى ومكتسب وحدهما وحد الشك والجهل (قوله العلم والظن) أى بالمطلوب (قوله ثم نبين الفقه) أى لأنه لايعرف اصول الفقه ما لم يعرف الفقه (قوله بمايحصره) أى افراد المقصود المحدود (قوله تمنع الى قوله منه) أى من افراد المحدود فيكون مانعا (قوله أو يخرج منه ما هو منه) أى فيكون جامعا (قوله ان يطرد وينعكس) أى فالإطراد هو التلازم فى الثبوت بمعنى انه كلما وجد الحد وجد المحدود والانعكاس هو التلازم فى الانتفاء بمعنى أنه كلما انتفى الحد انتفى المحدود  اهـ

       (فصل) فأما العلم فهو معرفة المعلوم على ماهو عليه. وقالت المعتزلة هو إعتقاد الشئ على ما هو به مع سكون النفس إليه. وهذا غير صحيح، لأن هذا باطل  باعتقاد العاصى فيما يعتقده، فإن هذا المعنى موجود  فيه وليس ذلك بعلم.

———————

(قوله معرفة المعلوم) أى إدراك ما من شأنه ان يكون معلوما (قوله على ما الخ) أى على وجه  هو أى المعلوم كائن فى الواقع أى فى نفس الأمر على هذا الوجه. واحترز به عن إدراكه لا على ماهو عليه مطلقا أو على ماهو عليه فى الإعتقاد دون الواقع فإنه جهل (قوله اعتقاد الشىء) المراد بالشىء الموضوع او النسبة الحكمية (قوله وهذا) أى قول المعتزلة أو تعريفهم (قوله باعتقاد العاصى) أى باعتقاد المقلد فى أصول الدين العاصى فيما يعتقده تقليدا  بناء على ما عليه الكثيرون من أنه لايجوزالتقليد بل يجب عليه النظر فمتى أمكنه النظر وقلد كان عاصيا (قوله فإن هذا المعنى) أى وهو إعتقاد  الشيء على ماهو عليه (قوله ليس ذلك بعلم) أى فوجد  الحد ولم يوجد  المحدود

      (فصل) والعلم ضربان: قديم ومحدث.فالقديم علم الله عز وجل، وهو متعلق بجميع  المعلومات، ولايوصف بأنه ضرورى ولا مكتسب. <4> والمحدث علم الخلق، وقد يكون ضروريا وقد  يكون مكتسبا فالضرورى: كل علم لزم  المخلوق على وجه لايمكنه دفعه عن نفسه بشك ولاشبهة. وذلك كالعلم الحاصل عن الحواس  الخمس التى هى: السمع والبصر والشم والذوق واللمس، والعلم بما تواترت به الأخبار من ذكرالأمم السالفة والبلاد النائية، وما يحصل فى النفس من العلم بحال نفسه من الصحة والسقم والغم والفرح، وما يعلمه من غيره من النشاط والفرح والغم والترح وخجل الخجل ووجل الوجل وما أشبهه مما يضطرإلى معرفته. والمكتسب: كل علم يقع عن نظر واستدلال كالعلم بحدوث العالم وإثبات الصانع وصدق الرسل ووجوب الصلاة وأعدادها ووجوب الزكاة ونصبها وغير ذلك مما  يعلم بالنظر والاستدلال.

——————–

(قوله والعلم ضربان) أى من حيث هو (قوله قديم ومحدث) أى فالقديم ما لا ابتداء لوجوده ولاانتهاء والمحدث هو الذى لوجوده  إبتداء وانتهاء (قوله متعلق بجميع المعلومات) أى تعلقا تنجيزيا قديما على وجه الإحاطة (قوله لايوصف الخ) أى لايجوز عقلا وشرعا وصف علم الله تعالى بأنه ضرورى أو مكتسب (قوله بأنه ضرورى) أى لأن  الضرورى وإن كان يطلق على ما لايتوقف على نظر واستدلال وهوصحيح فى حقه تعالى لكنه يطلق أيضا على ما قارنه ضرر وحاجة كعلم الإنسان بجوعه وعطشه فلا يكون علمه تعالى ضروريا خوفا من توهم هذا المعنى (قوله ولامكتسب) أى لأن الكسبى هو العلم الحاصل عن النظر والإستدلال فلا يكون علمه تعالى كسبيا لأنه يلزم منه سبق الخفاء والجهل  (قوله لزم المخلوق الخ) أى بواسطة إحساس أو تواتر (قوله بشك) أى بتشكيك (ولابشبهة) يعنى ما يشبه دليلا وليس به (قوله الأمم السالفة) أى كقوم لوط ونوح وعاد (قوله والبلاد النائية) أى البعيدة كبغداد ومصر (قوله وما يحصل فى النفس) أى يقع فى النفس المدركة (قوله صدق الرسل)  أى فى دعواهم الرسالة وفيما يبلغونه للخلق

 تعريف الجهل والظن

      (فصل) وحد الجهل: تصور المعلوم على خلاف ماهو به. والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، كاعتقاد الإنسات فيما  يخبر به الثقة أنه على ما أخبر <5> به وان جاز ان يكون بخلافه، وظن الإنسان فى الغيم  المشف الثخين  أنه يجئ منه المطر وان جوز ان يتقشع عن غير مطر، واعتقاد المجتهدين فيما يفتون به فى مسائل الخلاف وان جوزوا أن يكون الأمر بخلاف ذلك  وغير ذلك مما لايقطع به

——————

(قوله تصور المعلوم) أى إدراك ما من شأنه ان يكون معلوما (قوله على خلاف الخ) أى على وجه مخالف للوجه الذى يكون المعلوم ملتبسا به فى الواقع كإدراك الفلاسفة ان العالم قديم (قوله تجويز أمرين الخ) المراد بالتجويز هنا التردد وبالأمرين طرفا الممكن كالوجود والعدم وكالثبوت والنفى (قوله أظهر) أى عند المجوز لابحسب نفس الأمر (قوله جاز) أى فى عقله (قوله ان يكون) أى الأمر(قوله المشف) بضم الميم وسكون الشين المثلثة أى المقترن بريح وبرد (قوله ان يتقشع) أى ينكشف(قوله فى مسائل الخلاف) أى وكذا مسائل الوفاق الاجتهادية لأن الاجتهاد فيها يؤدى الى الظن لا الى القطع كما قال بعد وان جوزوا الخ

      (فصل) والشك  تحويز أمرين لامزية لأحدهما على الآخر، كشك الإنسان فى الغيم المشف  انه يكون منه مطر أم لا، وشك المجتهد  فيما لم يقطع به من الأقوال، وغير ذلك من الأمورالتى لايغلب فيها أحد التجويزين على الآخر.

——————

(قوله أمرين) أى طرفى الأمرين كالوجود والعدم وكالثبوت والنفى (قوله لا مزية الخ) أى لاترجيح عند المجوٌز وان كان أحدهما فى الواقع بخلافه (قوله لايغلب) أى لايترجح

 

(باب النظر والدليل)

     والنظر هو الفكر فى حال المنظور فيه. وهو طريق الى معرفة الأحكام اذا وجد بشروطه ومن الناس من أنكر النظر،وهذا خطأ لأن العلم يحصل بالحكم عند  وجوده، فدل على أنه طريق له.

——————-

(قوله حال المنظور فيه) المراد به خصوص ما يناسب المطلوب من بين أحواله كالحدوث الذى هو من أحوال العالم (قوله الأحكام) أى سواء كانت شرعية أو عقلية (قوله من أنكر النظر) أى أنكر أنه طريق الى معرفة الأحكام فقال: العلوم كلها ضرورية يمتنع توقفها على نظر العبد (قوله يحصل) أى يتعلق (قوله فدل) أى هذا التعليل

      (فصل)  وأما شروطه  فأشياء: أحدها ان يكون الناظر كامل الآلة على<6>  ما نذكره  فى باب المفتى ان شاء الله تعالى. والثانى ان يكون نظره فى دليل لا فى شبهة.والثالث ان يستوفى الدليل  ويرتبه على حقه،فيقدم ما يجب تقديمه  ويؤخر ما يجب تأخيره

——————

(واما شروطه) أى لأجل استنباط الأحكام (قوله الناظر)  أى المجتهد (قوله كامل الآلة) أى كامل آلة الإجتهاد (قوله المفتى) أى وهو المجتهد عندهم (قوله فى دليل) أى من الجهة التى من شأنها إنتقال الذهن بها الى المطلوب وهى المسماة بوجه الدلالة كالحدوث والإمكان للعالم (قوله لا فى شبهة) أى وهى ما يشبه الدليل وليس به كما اذا  نظر فى العالم باعتبار صغره أو كبره أو طوله أو قصره  (قوله ان يستوفى الخ)  أى فيأتى بجميع مقدماته مستوفية لشروطها (قوله مايجب تقديمه) أى كتقديم الخاص  على العام

      (فصل)  وأما الدليل  فهو المرشد الى المطلوب، ولافرق فى ذلك بين ما  يقع  به من  الأحكام وبين مالايقع به. قال أكثر المتكلمين لايستعمل الدليل الا فيما يؤدى الى العلم، فأما ما يؤدى  الى الظن  فلا يقال له دليل وإنما يقال له أمارة. وهذا خطأ لأن العرب لا تفرق فى تسمية بين ما يؤدى الى العلم أوالظن، فلم يكن  لهذا الفرق وجه. وأما الدال: فهو الناصب للدليل،وهو الله عز وجل. وقيل هو والدليل واحد، كالعالم والعليم، وان كان أحدهما أبلغ. <7> والمستدل: هو  الطالب للدليل، ويقع ذلك على السائل لأنه يطلب الدليل من المسئول، وعلى المسئول لأنه يطلب الدليل من الأصول. والمستدل عليه: هو الحكم الذى هو التحريم  والتحليل. والمستدل له: يقع على الحكم لأن الدليل يطلب له، ويقع على السائل لأن الدليل  يطلب له. والاستدلال:هو طلب الدليل، وقد  يكون ذلك  من السائل للمسئول، وقد يكون من المسئول فى الأصول.

———————

(قوله المرشد الى المطلوب) أى العلامة المؤدية الى العلم أو الظن بالمطلوب الخبرى (قوله ذلك) أى فى تسميته دليلا (قوله بين ما يقع الخ) أى الحكم الذى يكون ثبوته بسببه لكونه علة (قوله بين ما لا يقع به) أى الحكم الذى لا يكون ثبوته بسببه ككونه لازم العلة أو أثرها أو حكمها كما فى قياس دلالة (قوله فيما يؤدى الى الظن) أى كالغيم المشف فإنه أمارة على وجود المطر لادليل عليه (قوله هذا) أى التفرقة بيت  الدليل و الأمارة (قوله وجه) أى صحيح  (قوله الناصب للدليل) أى الجاعل للشيء دليلا وعلامة على مدلوله (قوله هو والدليل واحد)  أى قيل  إن الدال والدليل معناهما واحد الا أن الدليل أبلغ من  الدال كما ان العالم والعليم معناهما واحد وهو الاتصاف بالعلم الا ان العليم  أبلغ من العالم وذلك  لأن وزن فعيل صيغة مبالغة تدل على كثرة الصفة فى الموصوف (قوله ذلك) أى اسم المستدل (قوله هوالتحريم والتحليل) أى مثلا (قوله يقع على الحكم الى قوله له)  أى لاثبات العلم به (قوله ويقع على السائل الى قوله له) أى لأجل علمه بالحكم

 

(باب  بيان الفقه  وأصوله)

     والفقه معرفة الأحكام الشرعية التى طريقها الاجتهاد. والأحكام الشرعية هى:الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل. فالواجب ماتعلق العقاب بتركه، كالصلوات الخمس والزكوات وردالودائع والمغصوب وغيرذلك والمندوب مايتعلق الثواب بفعله ولايتعلق العقاب بتركه، كصلوات النفل وصدقات  التطوع وغير ذلك من القرب المستحبة.والمباح ما لاثواب بفعله ولاعقاب بتركه،كأكل الطيب ولبس الناعم والنوم والمشى وغير ذلك  من المباحات <8> والمحظور ماتعلق العقاب بفعله، كالزنا واللواط والغصب والسرقة وغير ذلك من المعاصى. والمكروه ماتركه أفضل من فعله، كالصلاة مع الإلتفات والصلاة  فى أعطان الإبل واشتمال الصماء وغير ذلك مما نهى عنه على وجه التنزيه. والصحيح ماتعلق به النفوذ وحصل به المقصود، كالصلوات الجائزة والبيوع الماضية. والباطل مالايتعلق به النفوذ ولايحصل به المقصود، كالصلاة بغير طهارة وبيع ما لايملك وغير ذلك مما لايعتد به من الأمور الفاسدة. 

——————–

(قوله والفقه معرفة الخ) أى اصطلاحا و أما لغة فهو الفهم مطلقا (قوله التى الخ) نعت للمعرفة (قوله طريقها) أى طريق حصولها (قوله المحظور) أى الممنوع والمراد   به هنا الحرام (قوله فالواجب) أى من حيث وصفه بالوجوب (قوله مايعلق به الثواب) أى تفضلا (قوله بفعله) أى وتركه (قوله وتركه) أى وفعله (قوله ما تعلق العقاب بفعله) أى بغير عذر والثواب بتركه إمتثالا (قوله ماتركه) أى امتثالا (قوله أفضل من فعله) أى لكونه مثابا على هذا الترك و أما فعله فلاثواب ولاعقاب (قوله الإلتفات) أى بوجهه لابصدره (قوله فى أعطان الإبل) أى وهى فى الغالب موضع أبوالها وأرواثها (قوله اشتمال الصماء) أى وهو أن يلف الرجل ثوبه على ذراعيه بحيث لايستطيع تحريكهما وهو مكروه و الصماء الشيء الأصم الجامد الذى لامنفذ فيه (قوله ماتعلق به النفوذ) معناه القبول أى على وجه الاتصاف به (قوله حصل به المقصود) أى كحل الإنتفاع بالمبيع فى البيع (قوله الجائزة) أى الصحيحة (قوله الماضية)  أى النافذة (قوله ما لايتعلق الخ) أى بأن لم يستجمع مايعتبر فيه شرعا (قوله كبيع ما لايملك) أى كبيع الفضولى

      (فصل) وأما أصول الفقه فهى أدلة الفقه، فهى الأدلة التى يبنى عليها الفقه وما يتوصل بها  الى الأدلة على سبيل  الاجمال. والأدلة ههنا خطاب الله  عز وجل وخطاب رسول الله صلى الله  عليه  وسلم وأفعاله وإقراره وإجماع الأمة والقياس <9> والبقاء  على حكم الأصل عند عدم  هذه الأدلة وفتيا العالم  فى حق العامة، وما يتوصل  به الى الأدلة فهو الكلام على  تفصيل  هذه الأدلة  ووجهها  وترتيب بعضها على بعض. وأول مايبدأ به الكلام على خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه  وسلم،لأنهما أصل لما سواهما من  الأدلة، ويدخل  فى ذلك أقسام  الكلام والحقيقة والمجاز والأمر والنهى والعموم والخصوص والمجمل والمبين والمفهوم والمؤول والناسخ   والمنسوخ، ثم الكلام  فى أفعال  رسول الله صلى عليه وسلم واقراره لأنهما يجريان مجرى أقواله فى البيان،ثم الكلام فى الأخبار لأنها طريق الى معرفة ماذكرناه من الأقوال والأفعال،ثم الكلام  فى  الإجماع لأنه ثبت كونه دليلا بخطاب الله عز وجل وخطاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم  وعنهما ينعقد، ثم  الكلام فى القياس  لأنه ثبت كونه دليلا بما ذكر  من الأدلة و إليها يستند <10> ثم  نذكر حكم الأشياء فى الأصل لأن المجتهد إنما يفزع إليه عند عدم هذه الأدلة، ثم  نذكر  فتيا العالم وصفة المفتى والمستفتى لأنه إنما يصير طريقا للحكم بعد العلم بما ذكرناه، ثم نذكر الإجتهاد وما يتعلق به إن شاء الله.

———————-

(قوله الأدلة) أى الاجمالية (قوله ما يتوصل الخ) أى  عند  تعارضها وهى المرجحات  (قوله الاجمال) أى عدم التعيين فى متعلقها وهو الحكم (قوله خطاب الله) المراد به كلامه تعالى اللفظى المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم لا النفسى لأنه لابحث للأصولى إلا الكلام اللفظى من جهة الاستدلال به على الأحكام (قوله أفعاله) أى مما كان  على وجه القربة والطاعة (قوله والبقاء  الخ) أى هو المعبر عنه بالإستصحاب (قوله  العالم) أى المجتهد اجتهادا مطلقا (قوله العامة)  أى من ليس له أهلية الإجتهاد  (قوله ووجهها)  أى وجه دلالتها من حيث كون الدليل نصا أو ظاهرا أو غيرهما (قوله وترتيب الخ)  أى عند اجتماعها وتنافى مدلولاتها (قوله إقراره) معنى اقراره صلى الله عليه وسلم أن يفعل الفعل أمامه فيوافقه عليه ولا يمنعه (قوله لأنهما الخ) قال تعالى ” وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس مانزل اليهم ” والتبيين اعم من ان يكون بالقول أو الفعل أو الإقرار (قوله لأنها طريق الخ) أى وطريق الشيء أدنى منه رتبة فيؤخر عنه وضعا (قوله فى الإجماع) وذلك لقوله تعالى ” ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل  المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ” فقدأوعد الله تعالى على اتباع  غير سبيل المؤمنين وأوجب على موافقتهم ولقوله صلى الله  عليه وسلم ” لاتجتمع  أمتى على خطأ “وفى رواية ” لاتجتمع أمتى على الضلال ” (قوله من الأدلة) أى الثلاثة (قوله حكم الأشياء  فى الأصل) معناه حكم  الأشياء قبل ان تعتريها الأحكام الخمسة (قوله بما ذكرناه) أى من الأدلة

 

(باب اقسام الكلام)

     جميع ما يتلفظ به من  الكلام ضربان: مهمل ومستعمل. فالمهمل مالم يوضع للإفادة.والمستعمل ما وضع للافادة،وذلك ضربان: احدهما  مايفيد معنى  فيما  وضع  له،وهى الألقاب كزيد وعمرو وما  أشبهه.والثانى  ما يفيد معنى فيما وضع له ولغيره وذلك ثلاثة  أشياء: إسم  وفعل  وحرف على ما يسميه  أهل النحو. فالاسم  كل  كلمة دلت  على معنى  فى نفسها  مجرد  عن  زمان مخصوص  كالرجل والفرس  والحمار وغير ذلك.والفعل  كل كلمة دلت  على معنى  فى نفسها  مقترن بزمان كقولك  ضرب ويقوم  وما  أشبهه.والحرف ما  لايدل على معنى  فى نفسه ودل على معنى  فى غيره كمن وإلى وعلى و أمثاله.و أقل كلام  مفيد ما بنى  من اسمين كقولك زيد  قائم وعمرو أخوك، أو ما بنى  من اسم  وفعل كقولك خرج زيد ويقوم عمرو. و أما ما بنى من فعلين أو من حرفين <11> أو من  حرف واسم أو حرف وفعل فلا يفيد إلا ان  يقدر  فيه شيء  مما ذكرناه كقولك  يا زيد فإن معناه أدعو زيدا.

———————–

(قوله فالمهمل الخ) أى كديز مقلوب زيد (قوله فيما وضع له) أى فى الاسم الذى وضع ليدل عليه والمراد بالألقاب مطلق الأسماء والأعلام سواء كانت أسماء أو كنى أو ألقابا (قوله الاسم وفعل وحرف) أى يدل كل منها على معناه سواء كان تاما كمعنى الإسم والفعل أو غير تام كمعنى الحرف ويدل على معنى فى الجملة التى فيها ككون  الإسم فاعلا وككون الفعل  وقع من الفاعل وككون الحرف دالا على الإبتداء (قوله من  فعلين) أى كقام يقوم (قوله من حرفين) أى كيا ليت. (قوله من حرف واسم) أى كيا زيد  (قوله أو حر ف وفعل) كلم يسجد (قوله مما ذكرناه) أى من الإسم والفعل

 

(باب فى الحقيقة  والمجاز)

     والكلام المفيد  ينقسم الى حقيقة ومجاز. وقد وردت اللغة بالجميع  ونزل به القرآن. و من الناس من  أنكر المجاز فى اللغة، وقال ابن داود ليس  فى القرآن  مجاز. وهذا خطأ لقوله تعالى ” جدارا يريد ان ينقض  ” ونحن نعلم ضرورة أنه  لا إرادة للجدار، وقال تعالى ” واسئل  القرية ” ونحن نعلم ضرورة أن القرية  لاتخاطب، فدل على أنه مجاز.فأما الحقيقة فهى الأصل.وحدها كل لفظ يستعمل فيما وضع له من غير نقل. وقيل ما استعمل فيما أصطلح على التخاطب به. وقد  يكون للحقيقة مجاز كالبحر حقيقة للماء المجتمع الكثير ومجاز فى الفرس الجواد والرجل العالم. <12> فإذا ورد اللفظ حمل على الحقيقة بإطلاقه ولايحمل على  المجاز  إلا بدليل. وقد  لايكون  له  مجاز وهو أكثر  اللغات، فيحمل  على ما وضع  له. وأما  المجاز فحده ما نقل عما وضع  له وقل التخاطب به. وقد يكون ذلك بزيادة ونقصان وتقديم وتأخير واستعارة، فالزيادة  كقوله عز وجل ” ليس  كمثله شيء ” والمعنى ليس مثله شيء والكاف زائدة، والنقصان  كقوله تعالى ” واسئل القرية ” والمراد أهل القرية فحذف المضاف وأقيم  المضاف  إليه  مقامه، والتقديم  والتأخير كقوله عز وجل  ” والذى أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ” والمراد ” أخرج المرعى أحوى   فجعله غثاء ” فقدم  وأخر،والاستعارة  كقوله  تعلى “جدارا يريد ان ينقض  ” فاستعار فيه لفظ  الإرادة.وما من مجاز الا وله حقيقة لأنا قد بينا ان المجاز ما نقل عما وضع له، وما وضع  له هو الحقيقة.

——————–

(قوله اللغة) أى العربية (قوله من أنكر  المجاز) أى فقد أنكر أبو إسحاق الإسفراينى وأبو على الفارسى المجاز فى اللغة مطلقا وقالا: مايظن مجازا فهو حقيقة (قوله ابن داود)  أى وهو أبو بكر محمد بن داود الظاهرى رأس طائفة الظاهرية (قوله ليس فى القرآن مجاز)  أى لأنه كذب فهو محال  على الله  تعالى. وأجيب بأنه لا كذب مع القرينة (قوله لقوله تعالى جدارا الخ) تمام الآية ” حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا ان يضيفوهما  فوجدا فيها جدارا  يريد ان  ينقض فأقامه ” (قوله لا إرادة للجدار) أى لأنها أى الإرادة عبارة عن الميل الى الشيء مع الشعور (قوله فدل) أى كون الجدار لا إرادة لها وكون القرية لاتخاطب (قوله الأصل) أى الراجح فى الكلام والمجاز خلاف الأصل (قوله من غير نقل) أى عن موضوعه الأول (قوله للماء المجتمع الكثير)  أى سواء كان ملحا أو عذبا (قزله الجواد) أى سريع الجرى (قوله والرجل العالم) أى والكريم أيضا. (قوله حمل) الحمل فهم المعنى من اللفظ والاستعمال إطلاق اللفظ وإرادة معناه والوضع تعيين اللفظ بإزاء المعنى (قوله وهو) أى الحقيقى الذى لامجاز له (قوله فيحمل الخ) أى الحقيقى المذكور كما يحمل عليه اللفظ الذى له مجاز عند عدم الدليل (قوله عما وضع له) أى لغة أو شرعا أو عرفا (قوله والكاف زائدة) أى و إلا فهى بمعنى مثل فيلزم ثبوت المثل له تعالى وهو محال (قوله مقامه) أى فانتصب إنتصابه (قوله فاستعار الخ) أى حيث شبه الميل بالإرادة بجامع القرب من السقوط ثم استعيرت الإرادة للميل على سبيل الاستعارة التصريحية (قوله لأنا قد بينا الخ) أى فالنقل عما وضع له يستلزم ما وضع له

      (فصل) ويعرف  المجاز  من الحقيقة بوجوه: منها ان يصرحوا  بأنه  مجاز، وقد بين  أهل  اللغة  ذلك. وصنف  أو عبيدة  كتاب المجاز  فى القرآن  وبين جميع ما  فيه من المجاز <13> ومنها ان يستعمل اللفظ فيما  لايسبق  الى الفهم عند سماعه كقولهم فى  البليد  حمار والأبله  تيس.ومنها ان  يوصف الشيء ويسمى بما  يستحيل وجوده كقوله ” و اسئل القرية”.ومنها أن لايجرى ولايطرد كقولهم فى الرجل الثقيل جبل ثم لايقال ذلك فى غيره، وفى الطويل نخلة ثم لايقال ذلك فى  غيرالآدمى. ومنها ان لا يتصرف فيما أستعمل فيه كتصرفه  فيما وضع له حقيقة كالأمر فى معنى الفعل لاتقول فيه أمر يأمر أمرا كما تقول فى الأمر بمعنى القول.

——————–

(قوله بأنه مجاز) أى هذا اللفظ فى هذا المعنى مجاز وفى ذاك حقيقة (قوله ذلك) أى المجاز والحقيقة (قوله أبو عبيدة) أى هو أبو عبيدة  القاسم بن  سلام  وهو عالم لغوى أديب (قوله ان يستعمل الخ) أى الا بقرينة فإن سبق الى الفهم  بدونها فحقيقة (قوله تيس) أى وهو ذكر المعز (قوله أن لايجرى ولايطرد) عدم الإطراد أن يستعمل اللفظ المجازى فى محل لوجود علاقة ثم لايجوز استعماله فى محل آخر مع وجود تلك العلاقة فيدل على أنه مجاز وذلك لأن الحقيقة اذا وضعت وجب إطرادها (قوله فى الرجل الثقيل) أى الرجل الكسلان (قوله فى غيره) أى مما يشاركه فى الثقل (قوله فى غير الآدمى) أى مما إتصف بالطول (قوله كالأمر فى معنى الفعل) أى كقوله تعالى ” وما أمر فرعون برشيد “(قوله ان يتصرف) أى اللفظ (قوله فيما أستعمل فيه) أى من المعنى المجازى بتثنية وجمع واشتقاق (قوله كالأمر فى معنى الفعل) أى والشأن كقوله تعالى ” وما أمر فرعون برشيد “.

 

(باب بيان  الوجوه التى تؤخذ منها الأسماء واللغات)

     اعلم أن الاسماء واللغات تؤخذ من أربع جهات: من  اللغة والعرف والشرع  والقياس.فأما اللغة فما تخاطب به العرب من  اللغات، وهى على ضربين. فمنها مايفيد  معنى واحدا فيحمل على ما وضع له  اللفظ كالرجل والفرس والتمر والبر وغير ذلك. <14> ومنها ما يفيد معانى، وهى على ضربين: احدهما مايفيد معانى متفقة كاللون يتناول البياض والسواد وسائر الألوان والمشرك يتناول اليهودى  والنصرانى، فيحمل على جميع مايتناوله إما على سبيل  الجمع إن  كان  اللفظ يقتضى  الجمع أو على كل  واحد واحد منه على سبيل البدل إن لم يقتض  اللفظ  الجمع الا ان يدل الدليل على أن المراد شيء بعينه فيحمل على ما دل عليه الدليل. والثانى مايفيد معانى مختلفة كالبيضة تقع على الخوذة وبيض الدجاجة والنعامة والقرء يقع على  الحيض  والطهر، فإن دل الدليل  على ان المراد به واحد منهما بعينه حمل  عليه وإن دل الدليل  على ان  المراد به أحدهما ولم يعين لم  يحمل على واحد  منهما إلا بدليل إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر. وإن لم يدل  الدليل  على واحد  منهما حمل عليهما <15> وقال أصحاب أبى حنيفة وبعض المعتزلة لايجوز حمل اللفط الواحد على معنيين مختلفين. والدليل  على جواز  ذلك أنه  لاتنافى بين المعنيين  واللفظ يحتملهما  فوجب الحمل عليهما كما قلنا فى القسم الذى قبله.

——————–

(قوله أن الأسماء واللغات) أى الألفاظ سواء  كانت أسماء أو أفعالا أو حروفا (قوله من اللغة) أى من جهة استعمال اللغة (قوله والعرف) أى من جهة أهل العرف عاما كان أو خاصا (قوله من اللغات) أى الألفاظ اللغوية (قوله وغير ذلك) أى من النكرات و أسماء الأجناس (قوله معانى) أى متعددة (قوله معانى) أى ماصدقات (قوله متفقة) أى بالحقيقة متغايرة بالعدد وهذا يسمى إشتراكا معنويا  لاشتراك أفراده فى معناه (قوله يقتضى الجمع) أى والشمول كأن كان اللفظ من صيغ العموم كالمفرد المعرف كالانسان (قوله منه) أى مما يتناوله من المطلق (قوله ان لم يقتض الخ) أى بأن لم يوجد فيه ما يقتضى العموم (قوله المراد) أى باللفظ المتعدد معناه (قوله معانى مختلفة)  أى فى الحقيقة متفقة فى العدد  وهو المشترك (قوله منهما) أى المعنيين (قوله حمل عليه) أى كما فى القرء فإنه يحمل عند الشافعية على الطهر لدليل وهو قوله تعالى ” والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ” (قوله لم يحمل الخ) أى لأنه مجمل فلا بد من بيان (قوله على واحد) أى بعينه (قوله الا بدليل) أى الذى يدل عليه بعينه (قوله اذ ليس الخ) أى فلو حمل على احدهما بلا دليل  لزم الترجيح بلا مرجح وذلك باطل (قوله وإن لم يدل الدليل) أى لا مبهما ولا مبينا و أمكن الجمع بينهما (قوله حمل عليهما) أى عملا بالظاهر والا فإن لم يحمل على شيء منهما لزم إهمال اللفظ وإن حمل على احدهما لزم الترجيح بلا مرجح. (قوله على جواز ذلك)  أى حمل اللفظ على معنييه معا (قوله لاتناف بين المعنيين) أى لأن  إرادة الجمع  بينهما ممكنة (قوله واللفظ يحتملهما)  أى لوضعه لكل منهما ولادليل على واحد بعينه  (قوله فى القسم الذى قبله) أى وهو المشترك المعنوى 

      (فصل) وأما العرف فهو ما غلب الإستعمال فيه على ما وضع له فى اللغة بحيث اذا أطلق  سبق الفهم الى ما غلب عليه دون ماوضع له كالدابة وضع فى الأصل لكل ما دب ثم غلب عليه  الاستعمال فى الفرس، والغائط وضع فى الأصل  للموضع  المطمئن من الأرض ثم غلب عليه الاستعمال  فيما يخرج من الإنسان فيصير حقيقة فيما غلب عليه،فاذا أطلق حمل على ما يثبت له من العرف.

——————

(قوله وأما العرف) أى المسمى العرفى (قوله الإستعمال)  أى إستعمال اللفظ (قوله على ماوضع له) متعلق بقوله غلب (قوله فى الأصل)  أى اللغوى (قوله عليه) أى على مادب (قوله فى الفرس)  أى وغيره مما له حافر(قوله فى الاصل) أى اللغوى (قوله حمل الخ) أى لأن العرف طارئ على اللغة والحكم للطارئ

      (فصل) واما الشرع  فهو ما غلب الشرع  فيه على ما وضع له اللفظ فى اللغة بحيث اذا أطلق لم يفهم  منه إلا ما غلب عليه  الشرع  كالصلاة اسم للدعاء فى اللغة ثم  جعل فى الشرع  إسما لهذه  المعروفة  والحج إسم  للقصد ثم نقل فى  الشرع  إلى هذه  الأفعال فصار حقيقة فيما  غلب عليه  الشرع، فاذا أطلق حمل  على مايثبت له  من عرف الشرع. <16> ومن  أصحابنا  من قال ليس فى  الأسماء  شيء منقول الى  الشرع بل  كلها مبقاة  على موضوعها  فى اللغة  فالصلاة  اسم للدعاء وانما الركوع  والسجود زيادات أضيفت الى الصلاة وليست من  الصلاة كما أضيفت  إليها الطهارة وليست منها، وكذلك الحج  اسم للقصد  والطواف والسعى زيادات اضيفت الى الحج   وليست  من  الحج، فاذا أطلق  اسم الصلاة حمل  على الدعاء  واذا  أطلق  اسم الحج حمل على القصد. وهو قول الاشعرية والأول أصح. والدليل عليه  أن هذه  الأسماء اذا أطلقت فى الشرع لم  يعقل  منها المعانى التى وضعت لها فى اللغة فدل على أنها منقولة.

——————-

(قوله وأما الشرع) أى المسمى الشرعى (قوله الشرع) أى استعمال الشرع اللفظ (قوله لهذه المعروفة) أى العبادة المعروفة (قوله والحج اسم للقصد) أى وكذا الزكاة للنماء فى الأصل (قوله هذه الأفعال) أى من المناسك (قوله ومن اصحابنا من قال الخ) أى ومنهم الإمام ابو حامد المروزى (قوله ليست من  الصلاة) أى  بل هى شروط لصحة  الاعتداد بها (قوله الاول)  أى وهو القول بالنقل الى المعانى الشرعية (قوله لم يعقل الخ) اىبل الذى يعقل منها المعانى الشرعية (قوله منقولة) أى شرعية

      (فصل) إذا ورد لفظ قد وضع فى اللغة لمعنى وفى العرف لمعنى حمل على ما  ثبت له فى العرف لأن العرف طارئ على اللغة، فكان  الحكم له. وان  كان  قد  وضع  فى اللغة لمعنى وفى الشرع لمعنى حمل على عرف الشرع، لانه  طارئ على اللغة، ولأن القصد بيان حكم  الشرع، فالحمل عليه أولى

——————-

(قوله حمل الخ) أى كما لو قال اعطاه دابة اعطى فرسا او بغلا او حمارا لا الإبل والبقر إذ لايطلق عليها عرفا وان كان يطلق عليها لغة (قوله وفى الشرع لمعنى) أى كالمنقولات الشرعية المتقدم بعضها (قوله أولى)   أى من حمله على معناه اللغوى

      (فصل) وأما القياس فهو مثل تسمية اللواط زنا قياسا على وطء النساء وتسمية  النبيذ خمرا قياسا  على عصير العنب. <17> وقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال يجوز إثبات اللغات والأسماء بالقياس، وهو قول أبى العباس و أبى على بن أبى هريرة.ومنهم من  قال لايجوز ذلك.والأول أصح لأن العرب سمت  ما كان  فى زمانها من الأعيان بأسماء ثم انقرضوا وانقرضت تلك  الأعيان وأجمع الناس على تسمية أمثالها بتلك الأسماء، فدل على أنهم قاسوها  على الأعيان التى سموها.

——————–

(قوله  اللواط) أى الوطء فى الدبر (قوله قياسا على وطء النساء) أى بجامع  الإيلاج فى الفرج المحرم (قوله قياسا  على عصير العنب) أى بجامع المخامرة للعقل بسبب الشدة المطربة (قوله يجوز اثبات الخ) أى بدليل دوران الإسم مع الوصف وجودا وعدما(قوله  ابى العباس) أى هو أحمد بن سريج (قوله لايجوز) أى اذ ما من شيء الا وله اسم لغة فلا يسمى النبيذ خمرا قياسا

 

((الكلام  فى الأمر والنهى))

(باب القول فى بيان الامر وصيغته)

     إعلم ان الأمر قول استدعى به الفعل ممن  هو دونه. ومن أصحابنا من  زاد فيه على سبيل الوجوب. فأما الأفعال التى ليست بقول فإنها تسمى أمرا  على سبيل  المجاز. ومن أصحابنا من  قال ليس بمجاز. قال الشيخ  الإمام أيده  الله وقد  نصرت ذلك فى التبصرة.والاول أصح، لأنه لو كان حقيقة  فى الفعل كما هو حقيقة فى القول لتصرف فى الفعل كما تصرف فى القول، فيقال أمر يأمر  كما يقال ذلك  اذا  أريد به القول. <17>

————–

(قوله ان الامر الخ) أى اللفظى وأما الأمر النفسى فإنه إقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف ونحوه (قوله الفعل)  خرج  به النهى فإنه استدعاء الترك (قوله ممن هو دونه) خرج به استدعاءه من مساويه فإنه التماس أو ممن فوقه فهو دعاء (قوله فيه) أى فى تعريف الأمر (قوله على سبيل الوجوب)  أى وعليه فليس المندوب مأمورا به (قوله تسمى أمرا) أى نحو قوله تعالى  ”  وشاورهم  فى الأمر ” و ” أ تعجبين من أمر الله ” (قوله ليس بمجاز) أى بل هو حقيقة (قوله ذلك)  أى القول بأنه ليس بمجاز (قوله لأنه) أى لفظ الأمر 

      (فصل) وكذلك ماليس فيه استدعاء كالتهديد، مثل قوله عز وجل ” اعملوا ما شئتم  “، والتعجيز كقوله تعالى ” قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات “، والإباحة مثل قوله  عز وجل “واذا حللتم  فاصطادوا ” فذلك كله ليس بأمر. وقال البلخى من المعتزلة  الإباحة أمر. وهذا خطأ لأن  الإباحة هى الإذن، وذلك لايسمى أمرا  ألا ترى  أن العبد اذا استأذن مولاه فى الاستراحة وترك الخدمة فأذن له فى ذلك لايقال إنه أمره بذلك

—————-

(قوله كذلك) أى كما يسمى أمرا مجازا (قوله فاصطادوا) أى فالإصطياد أحد وجوه التكسب وهو مباح (قوله ليس بأمر) أى حقيقة بل مجازا (قوله البلخى)  أى هو عبد الله بن احمد البلخى (قوله الإباحة أمر) أى واجب إذ ما من مباح الا  ويتحقق به ترك حرام وترك الحرام واجب فما تحقق به واجب (قوله الإذن) أى فى الفعل والترك (قوله أمرا) أى حقيقة لأن الأمر حقيقة الإذن فى الفعل والمنع من الترك (قوله لايقال الخ)  أى لا لغة ولاشرعا ولاعقلا

      (فصل) وكذلك ما كان من النظير للنظير، ومن الأدنى للأعلى، فليس بأمر وان كان صيغته صيغة أمر، وذلك كقول العبد لربه “اغفر لى وارحمنى” فإن ذلك مسألة ورغبة

—————-

(قوله وكذلك) أى كما يسمى أمرا مجازا (قوله فليس بأمر)  أى حقيقة

      (فصل) واما الإستدعاء على وجه الندب  فليس بأمر حقيقة ومن أصحابنا من قال هو أمر حقيقة. والدليل على أنه ليس بأمر  قوله صلى الله عليه وسلم ” لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند  كل صلاة “، ومعلوم أن السواك عند كل صلاة مندوب اليه، وقد  أخبر أنه لم يأمر به ، <19> فدل على أن المندوب اليه غير مأمور به

——————-

(قوله فليس بأمر حقيقة) أى بل مجازا لأن الأمر موضوع للطلب على سبيل الوجوب (قوله هو أمر حقيقة) أى وهو قول المحققين (قوله أنه ليس بأمر) أى حقيقة (قوله مندوب اليه)  أى اجماعا (قوله وقد أخبر أنه الخ) أى لأن لو تفيد انتفاء الشيء لوجود غيره فهنا تفيد انتفاء الأمر لوجود خوف المشقة

      (فصل) للأمر صيغة موضوعة فى اللغة تقتضى الفعل، وهو  قوله ” أفعل “، وقالت  الأشعرية ليست للأمر صيغة. والدليل على أن له صيغة: ان أهل اللسان  قسموا الكلام، فقالوا  فى جملتها أمر  ونهى. فالأمر  قولك ” افعل” والنهى قولك ” لاتفعل”، فجعلوا قوله ” افعل ” بمجرده أمرا، فدل على أن له  صيغة

——————-

(قوله للأمر) أى النفسى (قوله صيغة) أى خاصة به (قوله  موضوعة فى اللغة الخ) أى فلا يفهم منها غير الأمر عند عدم  القرينة  (قوله فى جملتها) أى تلك القسمة (قوله صيغة) أى خاصة به

 

(باب ما يقتضى الأمر من  الإيجاب)

     إذا تجردت صيغة الأمر اقتضت الوجوب فى قول أكثر اصحابنا. ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من قال يقتضى الوجوب بوضع اللغة، ومنهم من قال يقتضى الوجوب  بالشرع.ومن  أصحابنا من  قال يقتضى الندب. وقال بعض الأشعرية لايقتضى الوجوب  ولاغيره الا بدليل. وقال المعتزلة الأمر يقتضى إرادة  الفعل ؛ فان كان ذلك من حكيم  إقتضت الندب، وان كان من غيره لم  يقتض أكثر من الإرادة. <20> والدليل على أنها تقتضى الوجوب قوله صلى الله عليه  وسلم ” لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة “، فدل على أنه لو أمر لوجب ولو شق، ولأن  السيد من العرب اذا قال لعبده ” إسقنى ماء ” فلم يسقه استحق الذم والتوبيخ، فلو لم يقتض الوجوب لما استحق الذم عليه.

——————

(قوله اذا تجردت) أى عن القرينة الصارفة عن الوجوب الى غيره (قوله هؤلاء) أى القائلون  باقتضائها  للوجوب  (قوله يقتضى الوجوب بوضع اللغة) أى لأن أهل اللغة يحكمون باستحقاق المخالف أمر سيده بالعقاب (قوله يقتضى الوجوب بالشرع) أى لأن صيغة  الأمر فى اللغة لمجرد الطلب وجزمه المحقق للوجوب إنما يستفاد  من الشرع فى أمره لامن اللغة (قوله يقتضى الندب) أى لأنه المتيقن من قسمى الطلب (قوله لايقتضى الوجوب الخ) أى لورودها شرعا للوجوب والندب والإباحة وغيرها فهى مترددة بين هذه الأمور (قوله الأمر يقتضى إرادة الخ) أى لأنه يستعمل فى أشياء ولا مميز بينها سوى الإرادة (قوله ذلك) أى الأمر  (قوله انها) أى صيغة الأمر المجردة (قوله لو أمر الخ)  أى ولكن انتفى الأمر لخوف  المشقة فانتفى الوجوب (فلو لم يقتض) أى الأمر (قوله عليه) أى عدم السقى

     (فصل) سواء وردت هذه الصيغة ابتداء أو وردت بعد الحظر، فإنها تقتضى الوجوب. وقال أصحابنا اذا وردت  بعد الحظر  اقتضت الإباحة. والدليل على انها  تقتضى الوجوب ان كل لفظ اقتضى الإيجاب اذا لم يتقدمه  حظر اقتضى الإيجاب وان تقدمه حظر  كقوله أوجبت وفرضت.

——————–

(قوله هذه الصيغة)  أى صيغة الأمر (قوله ابتداء)  أى قبل حظر سابق (قوله اقتضت الإباحة) أى لتبادرها الى الذهن (قوله تقتضى الوجوب)  أى مطلقا سواء بعد الحظر أو لا

      (فصل) اذا دل الدليل على انه لم يرد بالأمر الوجوب لم يجزالإحتجاج به فى الجواز ومن أصحابنا من قال يجوز. والأول أظهر لأن الأمر لم  يوضع للجواز، وإنما وضع للإيجاب، والجواز يدخل فيه على سبيل التبع، فإذا  سقط الوجوب سقط مادخل فيه على التبع

———————

(قوله اذا دل الى قوله الوجوب) أى بأن أوجب الشارع شيئا ثم نسخ وجوبه بدون أن يدل الناسخ على حكم آخر (قوله لم يجز الخ) أى بل يعود الأمر الى ما كان عليه قبل الإيجاب من تحريم أو اباحة أو براءة أصلية (قوله لو يوضع للجواز) أى  فقط (قوله وانما وضع للإيجاب الخ) أى فالإيجاب مركب من جواز الفعل بمعنى الإذن فيه ومن منع الترك.  

 

(باب فى أن الأمر يقتضى الفعل  مرة واحدة أو التكرار)

     اذا وردت صيغة الأمر لإيجاب فعل وجب العزم على الفعل، ويجب تكرار ذلك كلما ذكر الأمر، لأنه  اذا ذكر ولم يعزم على الفعل صار مصرا على العناد، وهذا لايجوز. وأما الفعل المأمور به ؛ فإن كان فى  اللفظ ما يدل على تكراره وجب تكراره، وإن كان مطلقا ففيه وجهان، ومن أصحابنا من قال يجب تكراره على حسب الطاقة، ومنهم من قال لايجب أكثر من مرة واحدة الا بدليل يدل على التكرار، وهو الصحيح. والدليل على ان اطلاق الفعل يقتضى ما يقع عليه الإسم ألا ترى  أنه لو حلف ليفعلن بر بمرة واحدة، فدل على ان الاطلاق  لايقتضى أكثر من ذلك.                          

——————–

(قوله وجب العزم) أى على من أراد تأخير  فعل الواجب عن أول وقته (قوله ويجب الخ) وقال إمام الحرمين لايجب بل يستحب على آخر الوقت (قوله ذلك) أى العزم (قوله ذكر)  أى الأمر (قوله هذا) أى   الإصرار على العناد (قوله مايدل الخ) أى كأن يكون معلقا  بشرط نحو قوله تعالى ” وان كنتم جنبا فاطهروا ” (قوله وان كان مطلقا)  أى بأن لم يكن فى اللفظ قرينة التكرار (قوله لم  يجب تكراره الخ) أى حيث لا مانع من التكرار نحو أقتل زيدا  أو أعتق زيدا (قوله على حسب الطاقة) أى فيجب استيعاب ما يمكنه استيعابه بالمطلوب (قوله لايجب الخ)  أى لأن الأمر إنما يوجب إيجاد الفعل لابقيد كونه بمرة أو مرتين وهكذا، لكن المرة الواحدة ضرورية (قوله الا بدليل) أى كما فى الصلاة والصوم

      (فصل) فأما  اذا علق  الأمر بشرط ؛ بأن يقول اذا زالت الشمس، فهل يقتضى التكرار ؟، ان  قلنا ان  مطلق الأمر يقتضى  التكرار فالمعلق بالشرط مثله وان  قلنا  ان مطلقه  لايقتضى التكرار ففى المعلق بالشرط وجهان<22> ومن أصحابنا من قال يقتضى التكرار كلما تكرر الشرط. ومنهم من  قال لايقتضى. وهو الأصح، لأن كل ما لايقتضى التكرار اذا كان مطلقا لم يقتض التكرار اذا كان  بالشرط كالطلاق ؛ لافرق بين أن يقول ” أنت طالق ” وبين أن يقول ” اذا زالت  الشمس فأنت طالق “.

——————-

(قوله فالمعلق) أى فالأمر المعلق  (قوله مثله) أى بل أولى لأن  الشروط اللغوية أسباب والحكم يتكرر بتكرر السبب (قوله لايقتضى) أى وإنما الشرط يفيد تخصيص الحالة التى يقتضيها الإطلاق (قوله لافرق الخ) أى من جهة عدم افادة التكرار

      (فصل) فأما اذا  تكرر الأمر بالفعل الواحد، بأن قال” صل ” ثم قال “صل ” ؛ فإن  قلنا إن مطلق الأمر يقتضى  التكرار فتكرار الأمر يقتضى التأكيد، وان قلنا  انه  يقتضى  الفعل  مرة واحدة  ففى  التكرار وجهان : احدهما انه تأكيد، وهو قول الصيرفى. والثانى انه  استئناف، وهو الصحيح. والدليل  عليه ان  كل واحد من الأمرين يقتضى إيجاد الفعل عند  الإنفراد، فاذا اجتمعا أوجبا التكرار  كما لو كان فعلين.

—————–

(قوله يقتضى التأكيد) أى لأن التكرار قد استفيد من الأمر  وضعا فيكون الأمر الثانى لتأكيد ما استفيد (قوله ففى التكرار) أى تكرار الأمر (قوله انه تأكيد) أى لأن التكرار قد كثر فى التأكيد فالحمل على ما هو الأكثر أولى (قوله الصيرفى) أى أبو بكر الصيرفى (قوله يقتضى ايجاد الخ)  أى لأن دلالة كل لفظ على مدلول مستقل هو الصل وإن ظاهر كل كلام الإفادة لا الإعادة (قوله اجتمعا) أى الأمران (قوله أوجبا الخ) أى لأن التأسيس أكثر والتأكيد أقل

 

(باب فى أن الأمر هل يقتضى الفعل على الفور أم  لا)

     إذا ورد الأمر بالفعل مطلقا وجب  العزم على الفعل  على الفور،كما مضى فى الباب قبله <23> وهل يقتضى الفعل على الفور ؟ بنيت على التكرار ؛ فإن  قلنا ان الأمر يقتضى التكرار على حسب الاستطاعة وجب على الفور، لأن الحالة  الأولى داخلة  فى الإستطاعة، فلايجوز اخلاؤها من الفعل ؛ وإن قلنا ان الأمر يقتضى مرة واحدة، فهل يقتضى ذلك على الفور  أم لا  فيه وجهان لأصحابنا: أحدهما  انه لايقتضى الفعل على الفور. ومن أصحابنا من  قال يقتضى ذلك على الفور، وهو قول الصيرفى والقاضى أبى حامد. والأول أصح، لأن قوله إفعل يقتضى إيجاد الفعل من  غير تخصيص بالزمان الأول دون الثانى، فإذا صار ممتثلا بالفعل فى الزمان  الأول، وجب أن يصير ممتثلا بالفعل فى الزمان الثانى.

——————

(قوله مطلقا) أى عن قرينة الفور على من أراد التأخير (قوله على الوقت) أى على باقى الوقت (قوله وهل يقتضى الفعل الخ) أى بمعنى وجوب المبادرة فى الإتيان بالمأمور به عقب ورود الأمر (قوله بنيت) أى المسئلة (قوله وجب) أى الفعل (قوله فلايجوز الخ)  أى وإلا لزم  الترجيح  بلا مرجح  (قوله ذلك) أى الفعل (قوله فيه)  أى فى جواب الاستفهام (قوله والقاضى أبى حامد) أى الإسفراينى (قوله من غير تخصيص الخ) أى فالتراخى والفور خارجان عن مدلوله وإنما يفهمان بالقرائن

      (فصل) فأما اذا ورد الأمر مقيدا بزمان نظرت ؛ فإن كان الزمان يستغرق  العبادة كالصوم فى شهر رمضان لزمه فعلها على الفور عند  دخول الوقت، وإن كان  الزمان أوسع من قدر العبادة كصلاة الزوال مابين الظهر الى ان يصير ظل كل شيء مثله وجب الفعل فى أول الوقت وجوبا موسعا، ثم اختلفوا هل يجب العزم فى أول الوقت بدلا عن الصلاة ؟ <24> فمنهم من لم يوجب. ومنهم من أوجب  العزم بدلا عن الفعل  فى أول الوقت. وقال أبوالحسن الكرخى يتعلق الوجوب بأحد شيئين: إما بالفعل أو بأن يضيق الوقت. وقال أكثر أصحاب أبى حنيفة  يتعلق الوجوب بآخر الوقت. واختلف هؤلاء فيمن صلى فى اول الوقت: فمنهم  من قال إن ذلك نفل ؛ فإن جاء آخر الوقت وليس من أهل الوجوب فلا كلام فى أن ما فعله كان  نفلا، وإن كان  من أهل الوجوب منع  ذلك النفل الذى فعله من توجه الفرض عليه فى آخر الوقت. ومنهم من قال فعله فى أول الوقت مراعى فإن جاء آخر الوقت وهو من  أهل الوجوب علمنا انه فعل واجبا، وان لم يكن من أهل الوجوب علمنا انه فعل نفلا. <25> والدليل على ماقلناه ان المقتضى للوجوب هو الأمر وقد تناول ذلك أول الوقت بقوله: ” أقم  الصلاة لدلوك  الشمس ” فوجب ان  يجب فى أوله.

—————

(قوله نظرت) أى فى ذلك الزمان (قوله كصلاة الزوال الخ) لعل  فيه تأخير و تقديم، والصواب كصلاة الظهر مابين الزوال الخ كما  فى نسخة (قوله مابين الزوال الخ) أى وقتها ما بين الزوال الخ (قوله وجوبا موسعا) أى بمعنى أن جميع أجزاء الوقت وقت لأدائها (قوله ثم اختلفوا) أى القائلون بالوجوب الموسع (قوله العزم) أى على الفعل فى باقى الوقت (قوله عن الصلاة)  أى فعلها فى أول وقتها (قوله لم يوجب)   أى  يجوز تركه اول الوقت بلا بدل ولايجب على مريد التأخير عنه العزم فيه على الفعل  (قوله  أوجب)   أى على مريد التأخير    (قوله ابو الحسن الكرخى) أى وهو عبد  الله بن حسين بن دلال الكرخى رئيس الحنفية ولد  سنة 260 هـ  وتوفى ليلة  النصف من شعبان  سنة 340 هـ (قوله إمابالفعل) أى فعل العبادة بالشروع فيها وأما قبل الشروع فهو جائز الفعل وجائز الترك الى أن يجيء  الوقت المضيق وحينئذ ممنوع الترك  (قوله بأن يضيق الوقت)   أى بأن  لم يبق منه إلا مايسع الفعل المطلوب (قوله بآخر الوقت) أى لأنه لو كان واجب  الأداء فى أول الوقت أو وسطه لما جاز  تركه ولأثم بذلك لكن تركه أوله أو وسطه جائز فلم  يكن واجب الأداء أوله وإنما يتحقق الوجوب  فى وقت لايجوز  التأخير عنه (قوله فى اول الوقت) أى فى أى جزء من أجزاء الوقت سوى الجزء الأخير (قوله ان ذلك) أى المؤدى قبل آخر الوقت (قوله فإن جاء  آخر الوقت)  أى الذى هو وقت  الوجوب  (قوله وليس الخ)   أى كأن مات أو جن  (قوله منع  الخ) أى فيه أن النفل  يسد مسد  الفرض فى الخروج عن عهدة التكليف  (قوله مراعى) أى موقوف فى الحكم عليه بالوجوب وعدمه الى مجيء آخر الوقت(قوله ماقلناه) أى من وجوب الفعل  فى أول الوقت وجوبا موسعا  (قوله لدلوك الشمس) أى زوالها (قوله يجب)  أى الاداء

      (فصل) فإن فات الوقت الذى علق عليه العبادة فلم يفعل، فهل يجب القضاء أم لا ؟ فيه: وجهان، من أصحابنا من  قال يجب، ومنهم  من قال  لايجب  الا بأمر ثان، وهو الأصح، لأن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب الفعل فيه كما قبل الوقت.

—————–

(قوله فهل يجب  القضاء) أى بنفس الأمر الاول أم لا أى لايجب القضاء الا بأمر جديد (قوله فيه) أى فى جواب الاستفهام (قوله أمر ثان)  أى أمر جديد يدل  على وجوبه  (قوله لأن ما الخ) أى ولأنه لو وجب القضاء بالأمر الأول لاقتضاه، ولو اقتضاه لكان أداء فيكونان سواء (قوله فيه) أى فيما بعد خروج  الوقت بنفس الأمر الاول (قوله كما قبل الوقت) أى كما لايجب الفعل قبله لعدم تناول الأمر إياه

      (فصل) اذا أمر بأمر بعبادة  فى وقت معين ففعلها فى ذلك الوقت سمى أداء على سبيل الحقيقة، ولايسمى قضاء الا مجازا  كما قال الله تعالى: ” فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا فى الأرض “. أما اذا دخل فيها فأفسدها أو نسي  شرطا من شروطها فأعادها والوقت باق سمى إعادة وأداء، وان فات الوقت ففعلها بعد فوات الوقت سمى قضاء.

—————–

(قوله فى وقت معين) أى سواء كان موسعا كصلاة  او مضيقا كصوم رمضان (قوله سمى) أى فعلها  فى وقتها (قوله مجازا) أى مجازا مرسلا لعلاقة البدلية (قوله قضيت) أى أديت (قوله دخل فيها)أى فى العبادة فى وقتها  المعين  (قوله فأفسدها) أى بارتكاب  مبطل من مبطلاتها (قوله والوقت) أى وقت الأداء (قوله سمى) أى فعلها فى وقتها مرة ثانية (قوله وان فات الوقت) أى خرج  الوقت المعين ولم يفعل فيه عمدا أو سهوا                               

  

(باب الأمر بأشياء هلى جهة  التخيير والترتيب)

     اذا خير الله  تعالى بين أشياء، مثل كفارة اليمين ؛ خير فيها بين العتق والإطعام والكسوة، فالواجب منها واحد غير معين ؛ فأيها فعل فقد  فعل الواجب، وان فعل  الجميع  سقط الفرض  عنه  بواحد منها، والباقى تطوع. وقالت المعتزلة الثلاثة كلها واجبة ؛ فإن أرادوا بوجوب الجميع  تساوى  الجميع   فى الخطاب، فهو  وفاق، وإنما يحصل الخلاف  فى العبارة  دون  المعنى. وإن أرادوا بوجوب الجميع  أنه مخاطب بفعل الجميع، فالدليل  على فساده  أنه اذا  ترك الجميع لم يعاقب على الجميع، ولو  كان  الجميع واجبا لعوقب على الجميع، فلما  لم يعاقب إلا على واحد  دل على انه  هو الواجب

      (فصل) فأما اذا أمر بأشياء على الترتيب كالمظاهر ؛ أمر بالعتق عند وجود الرقبة وبالصيام عند عدمها وبالإطعام عند العجز عن الجميع فالواجب من ذلك <27> واحد  معين على حسب حاله ؛ فان كان موسرا ففرضه  العتق، وان كان معسرا ففرضه  الصيام، وان كان  عاجزا ففرضه الإطعام. فإن جمع من  فرضه العتق بين الجميع سقط  الفرض عنه بالعتق وما عداه تطوع، وان جمع من فرضه الصيام بين الجميع ففرضه أحد  الأمرين من  العتق  أو الصيام، والإطعام تطوع. وان جمع من  فرضه  الإطعام بين الجميع ففرضه  واحد من الثلاثة كالكفارة المخيرة.

————-

(قوله بين أشياء) أى معينة اما غيرها فإنه تكليف ما لايطاق (قوله خير فيها الخ) وذلك فى قوله تعالى  ” لايؤاخذكم الله باللغو  فى أيمانكم ولكن يؤاخكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون  أهليكم أو كسوتهم أو تحرير  رقبة فمن لم  يجد  فصيام ثلاثة أيام ” (قوله وفاق) أى لمذهبنا الشافعى (قوله مخاطب بفعل الجميع) أى فيثاب على فعل الجميع ثواب الواجب (قوله لعوقب على الجميع) أى على ترك الجميع  وكذا اذا  فعل الجميع لأثيب ثواب الواجب على فعل الجميع  (قوله كالمظاهر الخ) وذلك فى قوله تعالى ” والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ذلكم  توعظون به والله بنا تعملون خبير فمن لم  يجد فصيام شهرين  متتابعين من قبل ان  يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك  لتؤمنوا  بالله ورسوله ”  الآية  (قوله بالصيام) أى بصيام شهرين متتابعين (قوله بالإطعام) أى إطعام  ستين مسكينا لكل واحد  منهم مد من غالب قوت البلد

 

(باب ايجاب ما لايتم المأمور الا به)

     اذا أمر بفعل ولم  يتم ذلك الفعل الا بغيره  نظرت ؛ فإن كان ذلك الأمر مشروطا بذلك الغير كالاستطاعة فى الحج والمال فى الزكاة لم يكن الأمر  بالحج والزكان أمرا بتحصيل ذلك، لأن الأمر بالحج لم يتناول من لا استطاعة له وفى الزكاة من لا مال له، فلو ألزمناه  تحصيل ذلك ليدخل فى الأمر لأسقطنا شرط  الأمر، وهذا لايجوز. وان  كان  الأمر مطلقا غير مشروط كان الأمر بالفعل أمرا به وبما لا يتم الا به، و ذلك كالطهارة للصلاة، الأمر بالصلاة أمر  بالطهارة، أو كغسل شيء من الرأس لاستيفاء الفرض عن الوجه. فلو لم يلزمه ما يتم به الفعل المأمور به أسقطنا الوجوب فى المأمور.ولهذا قلنا فيمن نسي صلاة من  صلوات اليوم والليلة ولم يعرف عينها أنه يجب عليه قضاء خمس صلوات لتدخل المنسية فيها. <28>

——————–

(قوله الا بغيره) أى وكان  الغير مقدورا  للمكلف بأن كان فى وسعه (قوله مشروطا) أى بأن   توقف وجوده  على الغير (قوله كالإستطاعة فى الحج) أى وذلك فى قوله تعالى ” ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ” (قوله ذلك) أى  ذلك الشرط (قوله مطلقا) أى بأن لم يكن مقيدا بما يتوقف عليه وجوبه (قوله لايتم)  أى الفعل  المأمور به (قوله الفعل المأمور به) أى من الصلاة وغسل   الوجه (قوله ولهذا) أى ولان وجوب الشيء يستلزم مالايتم الا به (قوله يجب الخ) أى لأن الإتيان بالمتروكة لايحصل الا بعد الإتيان بالخمس

      (فصل) وأمااذا أمر بصفة  عبادة ؛ فإن  كانت الصفة واجبة كالطمأنينة فى الركوع، دل على وجوب الركوع، لأنه لا يمكنه ان يأتى بالصفة الواجبة الا بفعل الموصوف، وان كانت الصفة ندبا كرفع الصوت بالتلبية لم  يدل  ذلك  على وجوب التلبية. ومن الناس من قال تدل على وجوب التلبية، وهذا خطأ لأنه قد يندب الى صفة ما هو واجب وما هو ندب فلم يكن فى الندب دليل على وجوب الأصل.

——————–

(قوله أمر) أى أى الشارع (قوله دل) أى الأمر بالصفة (قوله  تدل) أى الصفة (قوله الأصل) أى الموصوف

      (فصل) واذا أمر بشيء كان ذلك نهيا عن ضده من جهة  المعنى ؛ فان كان ذلك  الأمر واجبا كان النهى عن ضده على سبيل الوجوب، وان  كان ندبا كان النهى عن ضده على  سبيل الندب. ومن أصحابنا من قال ليس  بنهى عن ضده، وهو قول المعتزلة. والدليل على ماقلناه انه لايتوصل الى فعل المأمور الا بترك الضد فهو كالطهارة فى الصلاة.

———————

(قوله أمر)  أى الشارع (قوله ليس بنهى عن ضده) أى لجواز أن لايخطر الضد بالبال حال الأمر (قوله أنه لايتوصل الخ) أى وأجيب عنه بمنعه لما مر فلا يكون مطلوب الكف بالأمر(قوله فهو)  أى الأمر

      (فصل) فأما اذا أمر باجتناب شيء ولم يمكنه الإجتناب الا باجتناب غيره فهذا على ضربين: أحدهما ان يكون فىاجتناب الجميع مشقة فيسقط حكم المحرم فيه فيسقط عنه فرض الإجتناب وهو كمااذا وقع فى الماء الكثير نجاسة أو اختلطت أخته  بنساء بلد، فلا يمنع من  الوضوء بالماء ولا من نكاح نساء  ذلك  البلد. والثانى ان  لايكون  فى اجتناب الجميع مشقة، فهذا  على  ضربين: أحدهما  ان يكون المحرم مختلطا بالمباح كالنجاسة فى الماء القليل، <29> والجارية المشتركة  بين الرجلين، فيجب اجتناب الجميع. والثانى ان يكون غير مختلط  إلا أنه لايعرف المباح بعينه، فهذا على ضربين: ضرب يجوز فيه التحرى، وهو كالماء الطاهر اذا اشتبه بالماء النجس فيتحرى فيه، وضرب لايجوز فيه التحرى وهو الأخت اذا اختلطت بأجنبية، والماء اذا اشتبه  بالبول، فيجب اجتناب الجميع.

———————

(قوله غيره) أى من المباحات (قوله كالنجاسة فى الماء القليل) أى على مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه فإن الماء القليل عنده اذا وقع فيه نجاسة لم يتنجس  ففيه اختلاط محرم ومباح. وأما مذهبنا الشافعى ففيه  نظر لأن الماء القليل عنده  يتنجس بملاقاة النجاسة وإن لم  يتغير  فليس  فيه اختلاط المحرم بالمباح  (قوله التحرى) أى الإجتهاد (قوله فيتحرى فيه) أى فما غلب على ظنه طهارته يجوز الوضوء   به وما غلب على ظنه نجاسنه لايجوز الوضوء به (قوله وهو الأخت الخ) أى كما لو طلقت معينة من زوجتيه ثم نسيها.

 

(باب فى أن الأمر يدل على إجزاء المأمور به)

     واعلم أنه اذا أمر الله  تعالى  بفعل لم يخل المأمور إما ان يفعل المأمور به على الوجه الذى تناوله  الأمر أو يزيد على ما تناوله الأمر أو ينقص  فإن  فعلعلىالوجه الذى تناوله الأمر أجزأه ذلك بمجرد الأمر. وقال بعض المعتزلة الأمر لايدل على الإجزاء، بل يحتاج  الآخر الى دليل آخر. وهذا خطأ، لأنه قد فعل المأمور به على الوجه الذى تناوله الأمر، فوجب ان يعود الى ما كان قبل الأمر.

———————

(قوله أنه)  أى الحال والشأن (قوله او يزيد) أى فى فعل  المأمور به  (قوله أو ينقص) أى  عما تناوله (قوله أجزأه ذلك) أى بناء على أن  معنى الإجزاء سقوط الطلب فمعنى كون  الفعل مجزئا أن الإتيان به كاف فى سقوط التعبد به (قوله لايدل على الإجزاء) أى بناء على ان  الإجزاء إسقاط  القضاء لجواز ان لا يسقط المأتى به  القضاء  كما فى صلاة من ظن طهره فبان خلافه (قوله أن يعود) أى المأمور (قوله ما كان قبل الأمر) أى وهو براءة الذمة من التكاليف الشرعية

      (فصل) فأما اذا زاد على المأمور، بأن يأمره بالركوع  فيزيد  على ما يقع  عليه الإسم سقط الفرض عنه بأدنى مايقع  عليه  الإسم، والزيادة  على ذلك <30> تطوع  لايدخل  فى الأمر. وقال بعض الناس  الجميع  واجب داخل  فى الأمر.وهذا  باطل لأن ما زاد على الإسم يجوز له تركه  على الاطلاق، فاذا فعله لم  يكن واجبا كسائر النوافل.

——————–

(قوله الإسم) أى إسم  الركوع (قوله الناس) أى العلماء  (قوله الجميع) أى جميع ما يقع عليه الإسم

      (فصل) فأما اذا نقص عن المأمور نظرت، فإن نقص منه ما هوشرط  فى صحته كالصلاة بغير قراءة لم يجزه، ولم يدخل  فى الأمر، لأنه لم يأت  بالمأمور على الوجه الذى أمر به. وإن نقص منه  ماليس  بشرط كالتسمية  فى الطهارة أجزأه فى المأمور به، وهل يدخل ذلك  فى الأمر ؟ الظاهر من قول أصحابنا أنه لايدخل  فى الأمر، وقال أصحاب أبى حنيفة  يدخل  فى الأمر. وهذا غير صحيح، لأن  المكروه منهى عنه، فلا يجوز أن يدخل فى لفظ الأمر كالمحرم.

—————–

(قوله بغير قراءة) أى قراءة الفاتحة وفيه ان القراءة عند المصنف شرط لاركن أللهم إلا ان يكون فيه تسامح لأن الركن يشبه الشرط فى انه  لايجوز  تركه  (قوله الذى أمر به) أى من استيفائه الأركان والشروط  (قوله فى المأمور به) أى فى إتيانه (قوله ذلك) أى الفعل المنقوص منه ما ليس بشرط (قوله يدخل فى الأمر)  أى فيكون مطلق  الأمر يتناول  المكروه

 

(باب من يدخل فى الأمر ومن لايدخل فيه)

     اعلم ان الساهى  لايجوز ان يدخل فى الأمر والنهى، لأن القصد الى التقرب بالفعل والترك يتضمن العلم به حتى يصح  القصد اليه، وهذا يستحيل فى حق الناسى، ألا تري انه لو قيل له ” لا تتكلم  فى صلاتك وأنت ساه ” لوجب ان يقصد الى ترك ما يعلم انه ساه فيه، وعلمه بأنه ساه يمنع كونه ساهيا، فبطل خطابه على هذه الصفة

—————–

(قوله بالفعل) أى فعل الأمر (قوله الترك)  أى ترك  النهى (قوله به) أى بالمكلف به         

      (فصل) وكذلك  لايجوز خطاب النائم  ولا المجنون  ولا السكران <31> لأنه لو جاز خطابهم مع زوال العقل لجاز خطاب البهيمة والطفل فى المهد، وهذا لا يقوله أحد

———————-

(قوله ولاالسكران) أى المتعدى وغيره أولى وان أجرى عليه حكم المكلف فى تصرفاته كوقوع الطلاق (قوله زوال العقل) أى حقيقة فى الجنون او حكما فى النوم والسكر لأنهما وان لم  يزيلا العقل فى حكم مزيل العقل

      (فصل) وأما المكره فيصح دخوله فى الخطاب والتكليف. وقالت المعتزلة لايصح دخوله تحت التكليف. وهذا خطأ، لأنه لو لم يصح تكليفه لما كلف ترك  القتل مع الإكراه، ولأنه عالم قاصد الى ما يفعله، فهو كغير المكره.

———————

(قوله وأما  المكره) وهو من لا مندوحة له عما أكره عليه الا بالصبر على ما اكره به (قوله والتكليف)  أى بعين المكره عليه او بنقيضه  (قوله لايصح) أى لعدم  قدرته  على امتثاله اذا الفعل للإكراه لايحصل الإمتثال به (قوله مع الإكراه) أى على القتل

     (فصل) وأما الصبى فلا يدخل فى خطاب التكليف، فإن الشرع قد ورد  بإسقاط  التكليف عنه. وأما إيجاب الحقوق فى ماله فيجوز ان يدخل فيه  كالزكوات  والنفقات، فإن التكليف والخطاب  فى ذلك على وليه دونه <32>

—————–

(قوله فإن الشرع الخ) الفاء للتعليل بمعنى اللام (قوله قد  ورد الخ) أى وذلك فى قوله صلى الله  عليه وسلم ” رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى استيقظ وعن الصبى حتى احتلم وعن  المجنون حتى يعقل ” (قوله باسقاط التكليف عنه) أى اذ  شرط  التكليف  فهم الخطاب والصبى غير فاهم له (قوله دونه) أى  دون الصبى                                                                           

      (فصل) وأما العبيد فإنهم  يدخلون  فى الخطاب. ومن أصحابنا من قال لايدخلون فى خطاب الشرع الا بدليل. وهذا خطأ، لأن الخطاب يصلح لهم كما يصلح للأحرار.

—————–

(قوله لايدخلون) أى دخولا شرعيا لصرف منافعه لسيده شرعا قلنا فى  غير أوقات ضيق العبادة وإلا قدمت العبادة

     (فصل) وأما الكفار فإنهم يدخلون أيضا فى الخطاب. ومن أصحابنا من قال لايدخلون  فى الشرعيات. ومن  الناس من قال يدخلون فى المنهيات دون المأمورات. والدليل على أنهم  يدخلون فى الجميع قوله عز وجل ” ماسلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين “، ولو لم يكونوا مخاطبين  بالصلاة لما  عاقبهم عليها،  ولأن صلاح الخطاب لهم  كصلاحه للمسلمين، فكما دخل المسلمون وجب أن يدخل الكفار

—————–

(قوله ايضا) أى كما يدخل العبيد فى الخطاب (قوله فى الخطاب) أى بالإيمان والأصول اتفاقا وبالفروع عبادة كانت أوغيرها على الأصح عندنا (قوله فى الشرعيات) أى من المأمورات والمنهيات   (قوله يدخلون فى المنهيات) أى لأن الكف عن المنهيات ممكن فى حالة الكفر لعدم احتياجه الى النية (قوله الجميع) أى فى جميع التكليف بالأصول والفروع مطلقا (قوله عليها) أى على ترك الصلاة (قوله دخل) أى فى الخطاب

      (فصل) وأما النساء فإنهن لايدخلن فى خطاب الرجال. وقال أبو بكر بن  داود وأصحاب أبى حنيفة يدخلن <33> وهذا خطأ، لأن للنساء لفظا مخصوصا، كما أن للرجال لفظا  مخصوصا،.كما أن للرجال لفظا مخصوصا، فكما لم تدخل الرجال فى خطاب النساء لم تدخل النساء فى خطاب الرجال

—————–

(قوله لايدخلن الخ) أى وإنما يدخلن بدليل منفصل تغليبا للذكورعلى النساء، وأما دخولهن فى خطاب الرجال فى قوله  تعالى ” وأقيموا الصلاة ”  فعلى سبيل القياس  (قوله يدخلن) أى لأنه لما كثر فى الشرع مشاركتهن للذكور فى الأحكام كالصلاة  أشعر بأن الشارع لايقصد خطاب الذكور قصر الأحكام عليهم (قوله لأن للنساء الخ) أى وذلك فى نحو قوله  تعالى ” هن لباس لكم ” الآية 

     (فصل) وأما رسول الله صلى الله  عليه وسلم فإنه يدخل فى كل خطاب خوطب  به الأمة كقوله تعالى: ” يا أيها الناس ويا أيها  الذين آمنوا ” وغير ذلك  لأن صلاح اللفظ له كصلاحه لكل أحد من  الأمة، فكما دخلت الأمة دخل النبى صلى الله عليه وسلم. وأما اذا خوطب النبى صلى الله عليه وسلم بخطاب خاص لم يدخل معه غيره  الا بدليل  كقوله  تعالى:” يا أيها النبى ويا أيها المزمل قم الليل  “وقوله: ” يا أيها النبى قل لأزواجك “. ومن  الناس من قال ما ثبت أنه شرع له دخل غيره معه فيه، وهذا خطأ  لأن الخطاب مقصور عليه، فمن زعم ان غيره يدخل  فيه فقد  خالف مقتضى الخطاب. <34>

—————

(قوله يدخل فى كل خطاب الخ) أى وإن اقترن  بقل لمساواتهم له فى الحكم المستفاد من التركيب، وقيل لايدخل لأنه ورد على لسانه للتبليغ الى غيره فهو مبلغ فلايكون مبلغا إليه (قوله لم يدخل معه الخ) أى من حيث الحكم لاخصاص الصيغة به، وأما من حيث اللفظ فلا خلاف فى عدم تناوله (قوله ومن الناس)   أى وهم الحنفية والإمام أحمد بن حنبل (قوله من قال الخ) أى محل الخلاف ما يمكن فيه إرادة الأمة معه ولم تقم قرينة على ارادتهم معه، بخلاف ما لايمكن فيه ذلك فلا تدخل الأمة قطعا نحو ” ياايها الرسول بلغ ” الآية، أو قامت قرينة على إرادتهم معه نحو” ياأيها النبى اذا طلقتم النساء ” الآية فإن الأمة يدخلون معه قطعا، فإن ضمير الجمع فى “طلقتم” و” فطلقوهن ” قرينة لفظية تدل على الدخول معه، وتخصيص النبى بالنداء تشريف له لأنه إمامهم وسيدهم (قوله ماثبت الخ)  أى  لأن الأمر للمتبوع أمر لتابعه عرفا

      (فصل) فأما اذا أمر صلى الله عليه وسلم أمته بشيء لم يدخل هو فيه ومن أصحابنا من قال يدخل  فيما يأمر  به الأمة. وهذا خطأ لأن ماخاطب  به الأمة من الخطاب لايصح له، فلا يجوز ان يدخل فيه من  غير دليل.

—————–

(قوله لم يدخل هو فيه) أى لبعد أن يريد الآمر نفسه، بخلاف المخبر فلا يبعد ان يريد نفسه نحوقوله تعالى ” والله عليم حكيم ” وهو عليم بذاته وصفاته (قوله يدخل الخ) محل الخلاف اذا لم تقم قرينة على دخوله أو عدمه فإن قامت عمل بمقتضاها

      (فصل) وأما ما خاطب الله عز وجل به الخلق خطاب المواجهة كقوله تعالى: ” يا أيها الناس ويا أيها الذين  آمنوا ” فإنه لايدخل فيه  سائر من لم يخلق  من  جهة الصيغة  واللفظ، لأن هذا الخطاب لايصلح الا لمن هو موجود على الصفة متى ذكرها. فأما من لم  يخلق  فلا يصلح له  هذا  الخطاب، وكذلك  اذا خاطب  رسول الله صلى الله عليه  وسلم  بخطاب لم يدخل  غيره  فيه من جهة اللفظ  لان  الذى خاطبه به لايتناول غيره، وانما يدخل الغير فى حكم ذلك  الخطاب بدليل وهو  قوله صلى الله  عليه وسلم: ” حكمى على الواحدحكمى على الجماعة ” والقياس وهو ان يوجد المعنى الذى حكم به فيمن حكم عليه فى غيره فيقاس عليه

—————–

(قوله لايدخل الخ) أى خلافا للحنابلة وبعض الحنفية، وإنما يشملهم بدليل آخر وهو ماعلم من الدين بالضرورة ان كل حكم متعلق بأهل زمانه فهو شامل لجميع الأمة كما فى قوله تعالى ” لأنذركم به ومن بلغ ” (قوله لم يخلق) أى وقت ورود الخطاب (قوله لأن هذا الخطاب الخ) أى ولأنه اذا امتنع خطاب الصبى مع وجوده لقصوره عن الخطاب فالمعدوم أولى لأن تناوله أبعد  (قوله خاطب) أى واحدا  من أمته وأصحابه (قوله غيره) أى غير ذلك الواحد من أمته وأصحابه (قوله فى غيره)  متعلق  على قوله ان يوجد أى غير من حكم عليه فيقاس هذا الغير عليه                                                       

      (فصل) اذا ورد الخطاب بلفظ العموم دخل فيه كل من صلح له الخطاب، ولايسقط ذلك  الفعل عن بعضهم بفعل البعض الا فيما ورد  الشرع به وقرره   أنه فرض كفاية كالجهاد وتكفين الميت والصلاة  عليه ودفنه فإنه اذا قام به من يقع به الكفاية سقط عن الباقين.

—————-

(قوله كل من صلح) أى من المكلفين الذين لهم أهلية لذلك  الفعل (قوله به) أى  بسقوط الفعل عن البعض بفعل  البعض الآخر (قوله كالجهاد) أى جهاد الكفار فى بلادهم (قوله كالجهاد الخ) أى وكالأمر بالمعروف (قوله فانه اذا قام الخ) أى ما ذكر واجب على الكل لكن اذا قام الخ (قوله سقط عن الباقين) أى ولابعد فى سقوط الفرض عن الشخص بفعل غيره كسقوط الدين عنه بأداء غيره عنه

 

(باب بيان الفرض والواجب والسنة والندب)

     والواجب والفرض والمكتوبة واحد، وهو ما يتعلق العقاب بتركه. وقال أصحاب أبى حنيفة الواجب ما ثبت وجوبه بدليل مجتهد فيه كالوتر والأضحية عندهم، والفرض ماثبت وجوبه بدليل مقطوع به كالصلوات الخمس والزكوات المفروضة وما أشبهها. وهذا خطأ لأن طريق الأسماء الشرع واللغة والإستعمال، وليس فى شيء من ذلك فرق بين ما ثبت بدليل مقطوع به أو بطريق مجتهد فيه.

—————

(قوله واحد) أى بمعنى واحد (قوله وقال أصحاب الخ)  الخلاف لفظى اذ لاخلاف بيننا وبينهم فى أن كلا من الفرض والواجب مطلوب الفعل طلبا جازما وان ما ثبت بقطعى يكفر جاحده وما ثبت بظنى لا يكفر (قوله كالوتر والأضحية) أى وكقراءة الفاتحة، فيأثم بتركها ولاتفسد بها الصلاة (قوله وهذا) أى التفرقة فى التسمية

      (فصل)  وأما السنة فما رسم ليحتذى به على سبيل الإستحباب، وهى والنفل والندب بمعنى واحد.<36> ومن الناس من قال السنة ماترتب كالسنن الراتبة مع  الفرائض، والنفل والندب ما زاد  على ذلك. وهذا لايصح لأن كل ما ورد الشرع باستحبابه فهو سنة سواء كان راتبا أو غير راتب، فلا معنى لهذا الفرق

—————-

(قوله وهذا) أى الفرق بينها (قوله سنة) أى طريقة وعادة فى الدين 

      (فصل) اذا قال الصحابى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وجب قبوله ويصير كما لو قال رسول الله  صلى الله  عليه وسلم أمرت  بكذا،  وقال داود لايقبل حتى ينقل لفظه. والدليل على ما قلناه هو ان الراوى مصدق فيما يرويه  وهو عارف بالأمر والنهى لأنه لغته فوجب ان يقبل كسائر ما يرويه.

—————-

(قوله أمر) أى أو نهى عن كذا (قوله وجب قبوله) أى لأن الظاهر انه روى ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم وعلى فرض ان هناك واسطة فمراسيل  الصحابة مقبولة عند جمهور العلماء (قوله داود) أى هو الإمام داود بن على بن خلف الظاهرى (قوله مصدق) أى لعدالته (قوله لأنه لغته) أى فلا يمكن ان يجعل ماليس بأمر أمرا ولا ما ليس بنهى نهيا لأنه  قدح فى عدالته وجهل بلغته (قوله فوجب ان يقبل الخ) أى والإحتمالات البعيدة لاتمنع حمل اللفظ على ظاهره ولايلتفت اليها

      (فصل) وكذلك إن قال من السنة كذا حمل على سنة النبى صلى الله  عليه وسلم، وأما اذا قال أمر فلان بكذا  أو أمرنا أو نهينا ولم  يسم الآمر حمل ذلك على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال أصحاب أبى حنيفة لا يحمل على ذلك <37> الا بدليل، وهو قول أبى بكر الصيرفى. وهذا  غير صحيح لأن الذى يحتج بأمره ونهيه وسنته  هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا أطلق الصحابى ذلك وجب ان يحمل عليه

—————-

(قوله إن قال) أى الصحابى، بخلاف التابعى فالأصح فيه الوقف (قوله حمل على سنة النبى الخ) أى فيكون مرفوعا حكما، وذلك لأن النبى هو المقتدى به والمتبع على الإطلاق فإضافة مطلقها اليه حقيقة والى غيره مجاز (قوله حمل ذلك على الرسول) أى لأن الظاهر ان الآمر أو الناهى هو الرسول صلى الله  عليه وسلم، وكونه غيره احتمال لايعارض الظهور فلا يلتفت اليه (قوله لا يحمل على ذلك الخ) أى لاحتمال ان يكون المراد  غير أمر  النبى كأمر القرآن. 

 

(باب القول فى النهى)

     (فصل) النهى يقارب الأمر فى أكثر ماذكرناه، الا أنى أشير اليه على جهة الاختصار وأبين ما يخالف الأمر فيه ان شاء الله تعالى وبه الثقة. فأما حقيقته فهو القول الذى يستدعى به ترك الفعل ممن هو دونه. ومن أصحابنا من زاد على سبيل الوجوب كما ذكرناه فى الأمر.

—————

(قوله القول الخ) المراد به أى القول اللفظ الدال عليه وضعا وهو صيغة “لاتفعل” (قوله ترك الفعل) خرج به الأمر لأنه طلب الفعل (قوله ممن دونه) أى دون المستدعى، فخرج الإلتماس والدعاء  لأنه لا استدعاء فيهما(قوله على سبيل الوجوب) أى الجزم بالمنع من  الفعل فخرج النهى للكراهة

      (فصل) وله صيغة تدل عليه فى اللغة، وهوقوله”  لا تفعل”. وقالت الأشعرية ليس له صيغة، وقد مضى الدليل عليه فى الأمر.

—————-

(قوله قوله) أى القائل (قوله ليس له صيغة)  أى خاصة  به، وذلك لورود هذه الصيغة لمعان أخرى  كالإرشاد والدعاء فلا تكون لأحدهما بنصوصه الا بدليل، وإلا فتحكم

      (فصل) واذا تجردت صيغته  اقتضت التحريم. وقالت الأشعرية لاتقتضى التحريم ولاغيره الا بدليل. والدليل على ماقلناه ان السيد من العرب اذا قال لعبده ” لاتفعل كذا ” ففعل استحق الذم والتوبيخ، فدل على انه يقتضى التحريم.

—————-

(قوله اذا تجردت صيغته) أى عن القرائن الدالة على غير التحريم كالكراهة (قوله لاتقتضى الخ) أى لورودها شرعا للتحريم والكراهة وغيرهما  فلا  يتعين احدها الا بدليل

       (فصل) واذا تجردت صيغته اقتضت الترك على الدوام وعلى الفور، بخلاف الأمر. وذلك ان الأمر يقتضى ايجاد  الفعل فاذا فعل مرة فى أى زمان فعل سمى ممتثلا، وفى النهى لايسمى منتهيا الا اذا سارع الى الترك  على الدوام.

—————-

(قوله اذا تجردت صيغته) أى عن القرينة الصارفة عن الدوام والفور، وإلا فاقتضى مايقتضيه القرينة نحو لاتسافر اليوم مثلا (قوله  على الدوام) أى لأن الصيغة  تقتضى الإمتناع عن إدخال الماهية فى الوجود، ولأن العلماء لم يزالوا يستدلون بالنهى على الترك مع اختلاف الأوقات

      (فصل) واذا نهى عن شيء فإن كان له ضد واحد فهو امر بذلك الضد كالصوم فى العيدين، وان كان له أضداد كالزنا فهو أمر بضد  من أضداده، لأنه لايتوصل الى ترك المنهى عنه الا بما ذكرناه.

—————-

(قوله فإن كان له الخ) أى كالحركة فإن لها ضدا واحدا وهو  السكون كقولك ” لاتتحرك ” فإنه أمر بالسكون (قوله فهو) أى النهى عنه (قوله كالصوم فى العيدين) أى فإن الصوم فيهما منهى عنه، والإنتهاء عنه لا يتحقق خارجا الا بفعل ضده وهو الفطر (قوله كالزنا) أى فإن له أضدادا  كالوطء المباح والإشتغال بالبيع والشراء وغيرهما من المباحات مما لا يجامع المنهى فى آن واحد

      (فصل) واذا نهى عن أحد شيئين كان ذلك نهيا عن الجمع بينهما، ويجوز له فعل أحدهما. وقالت المعتزلة يكون  ذلك نهيا عنهما، فلا يجوز فعل واحد منهما. والدليل على ما قلناه هو ان  النهى أمر بالترك كما ان الأمر أمر بالفعل، ثم الأمر بفعل احدهما لايقتضى وجوبهما، فكذلك الأمر بترك أحدهما لايقتضى وجوب تركهما. <39>

—————–

(قوله عن أحد شيئين) أى كالحرام المخير (قوله كان ذلك نهيا الخ) معناه ان متعلق النهى الجمع بينهما  وكل واحد منهما ليس منهيا عنه كالأختين فإن كل واحدة منهما ليست محرمة بل المحرم  هو الجمع بينهما فى نكاح (قوله ماقلناه) أى من أنه نهى عن الجمع بينهما

      (فصل) والنهى يدل على فساد المنهى عنه  فى قول أكثر أصحابنا  كما يدل الأمر على إجزاء المأمور به. ثم اختلف هؤلاء: فمنهم  من قال يقتضى الفساد من جهة الوضع فى اللغة. ومنهم من  قال يقتضى الفساد من جهة الشرع. ومن أصحابنا من  قال النهى لايدل على الفساد، وحكى عن الشافعى رحمه الله مايدل عليه،  وهو  قول طائفة من أصحاب أبى حنيفة وأكثر المتكلمين. واختلف  القائلون بذلك فى الفصل بين ما يفسد  وبين ما لا يفسد. فقال بعضهم إن كان فى فعل المنهى إخلال بشرط فى صحته إن كان  عبادة أو فى نفوذه إن كان عقدا وجب القضاء بفساده.  وقال بعضهم إن  كان النهى يختص  بالفعل المنهى عنه كالصلاة فى المكان النجس اقتضى الفساد، و إن لم يختص المنهى عنه كالصلاة فى الدار المغصوبة لم يقتض الفساد. والدليل  على أن النهى يقتضى الفساد على الإطلاق <40> إنه اذا أمر بعبادة مجردة عن النهى ففعل على وجه منهى عنه فإنه لم يأت  بالمأمور على الوجه الذى اقتضاه الأمر  فوجب أن تبقى العبادة عليه كما كانت.

———————–

(قوله على فساد المنهى عنه) أى بمعنى عدم الإعتداد به، سواء  فى العبادات أو المعاملات (قوله على إجزاء المأمور به)  أى بمعنى كفايته فى سقوط التعبد به اذا وقع على الوجه الذى أمر به (قوله هؤلاء) أى القائلون بفساد المنهى عنه (قوله من جهة اللغة) أى لأن أهل اللغة يفهمون من مجرد اللفظ ذلك. ورد بأن الفساد عبارة عن سلب الأحكام المترتبة عليه وليس فى لفظ النهى ما يدل عليه لغة قطعا (قوله من جهة الشرع) أى اذ لا يفهم الفساد إلا من الشرع (قوله لايدل على الفساد) أى لا لغة ولاشرعا (قوله عليه)  أى هذا القول من أن النهى لايدل على الفساد لا لغة ولاشرعا (قوله بذلك) أى بأن النهى لايدل على الفساد (قوله يختص الخ) أى بأن لايتعلق بغير ذلك الفعل المنهى عنه (قوله كالصلاة الخ) أى فإن متعلق النهى الصلاة الواقعة فى المكان النحس (قوله الفساد) أى عدم الإعتداد به (قوله كالصلاة الخ) أى فإنها ذات وجهين لا لزوم بينهما وهما الصلاة والغصب وكل منهما يتعقل انفكاكه  عن الآخر (قوله لم يقتض الفساد) أى وذلك لأنه لو كانت الجهتان غير متلازمتين كان النهى لأمر خارج عن ذات الفعل فلا يقتضى الفساد

 

((باب القول فى العموم  والخصوص ))

(باب ذكر حقيقة العموم وبيان مقتضاه)

     والعموم كل لفظ عم  شيئين فصاعدا، وقد يكون متناولا لشيئين كقولك عممت زيدا وعمرا بالعطاء، وقد يتناول جميع  الجنس كقولك عممت الناس بالعطاء. و أقله مايتناول شيئين، وأكثره ما إستغرق الجنس.

—————-

(قوله العموم) أى ذو العموم وهو اللفظ العام (قوله كل لفظ) أى خرج به المعنى، لأن الصحيح أن العموم من عوارض الألفاظ (قوله عم) أى تناول دفعة واحدة (قوله فصاعدا) حال حدف عاملها وصاحبها أى فذهب العدد صاعدا عن الشيء من  غير  حصر (قوله عممت الخ) أى شملتهما به (قوله جميع الجنس) أى  جميع أفراد  الجنس من غير حصر (قوله استغرق الجنس) أى تناول جميع أفراد الجنس

      (فصل)وألفاظه أربعة أنواع: أحدها اسم الجمع اذا عرف بالألف واللام <41> كالمسلمين  والمشركين  والأبرار والفجار وما أشبه ذلك، وأما المنكر منه كقولك مسلمون ومشركون و أبرار وفجار فلا يقتضى  العموم. ومن أصحابنا من  قال هو للعموم، وهو قول أبى على الجبائى. والدليل على فساد  ذلك  أنه نكرة فلم  يقتض الجنس كقولك  رجل  ومسلم

—————–

(قوله ألفاظه) أىالألفاظ المفيدة للعموم المستعملة فيه سواء على طريقة الحقيقة أو المجاز أو الإشتراك (قوله أربعة أنواع) لم يقصد به الحصر بل التسهيل على المبتدى، وإلا فالفاظه لاتنحصر فيما ذكر ككل (قوله اسم الجمع) أى الاسم الدال على جماعة كثيرين، فشمل الجمع صحيحا وهو ما دل على أكثر من اثنين دلالة تكرار الواحد بالعطف كمسلمين، أو مكسرا كرجال، وشمل اسم الجمع وهو ما دل على أكثر من اثنين دلالة المفرد على جملة أجزاء مسماه  سواء له واحد من لفظه كصاحب أو لا واحد له من لفظه كقوم، وشمل اسم الجنس الجمعى وهو ما وضع للماهية من حيث هى ودل على أكثر من اثنين وفرق بينه وبين واحده بالتاء أو الياء كروم ورومى وإن صدق على قليل وكثير كماء سمى إفراديا (قوله بالالف واللام) أى أل للجنس. (قوله منه) من اسم الجمع  (قوله لايقتضى العموم) أى للقطع بأن رجالا لايتبادر منه عند إطلاقه استغراق جماعات، وذلك اذا كان فى الإثبات، وأما الجمع المنكر فى النفى فيعم (قوله هو للعموم) أى سواء كان فى الإثبات أوالنفى بدليل صحة الإستثناء فى قوله تعالى ” لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ” (قوله  أبى على الجبائى) أى هو محمد بن  عبد الوهاب الجبائى أحد أئمة المعتزلة (قوله فلم يقتض الجنس) أى استغراق أفراده (قوله رجل) أى فرجال فى الجموع كرجل فى الوحدات

      (فصل) والثانى اسم الجنس اذا عرف بالألف واللام كقولك الرجل  والمسلم. ومن أصحابنا من قال هو للعهد دون الجنس. والدليل  على أنه  للجنس قوله عز وجل  “والعصر ان الإنسان لفى خسر ” والمراد به الجنس، ألا ترى انه  إستثنى منه  الجمع فقال ” إلا الذين آمنوا ”  وتقول العرب ” أهلك  الناس  الدينار والدرهم ” و يريدون الجنس. <42>

—————–

(قوله والثانى) أى من ألفاظ العموم (قوله هو) أى اسم الجنس المعرف بالألف واللام (قوله للعهد) أى وذلك لأن اللام معناه التعريف بالإجماع ومعناه العهد والتعيين والتمييز والإشارة (قوله لفى خسر) أى فى مساعيه وصرف عمر فى مطالبه (قوله انه استثنى الخ) أى والاستثناء معيار  العموم لأن شرطه دخول المستثنى فى المستثنى منه لو لم يذكر، فكل ما صح الإستثناء منه مما لاحصر فيه فهو عام (قوله يريدون الجنس) أى أفراد الدينار والدرهم

     (فصل) والثالث الأسماء المبهمة، وذلك من فيمن يعقل وما فيما لايعقل فى الإستفهام  والشرط  والجزاء، تقول فى الإستفهام ” من عندك  وما عندك “، وفى الجزاء تقول “من  أكرمنى  أكرمته ومن جاءنى  رفعته “، وأى  فيما يعقل  وفيما لايعقل فى الاستفهام وفى الشرط  والجزاء، تقول فى الاستفهام ” أى شيء عندك “، وفى الشرط والجزاء  ” أى رجل  أكرمنى أكرمته “، وأين  وحيث  فى المكان، ومتى  فى الزمان  تقول  ” إذهب اين شئت وحيث شئت  واطلبنى متى شئت “.

——————–

(قوله والثالث) أى من ألفاظ العموم (قوله الأسماء المبهمة) أى التى لا تتضح معانيها ولا تعلم منها على التعيين كأسماء الشرط والإستفهام والموصول (قوله من) أى وهى تعم الذكور والإناث والأحرار والعبيد (قوله فيمن يعقل) أى غالبا، ومن غير الغالب قوله  تعالى ” ومنهم من يمشى على أربع ” (قوله فيما  لايعقل) أى غالبا، ومن غير الغالب قوله تعالى ” فانكحوا ماطاب لكم من النساء “(قوله فى  الاستفهام  الخ) راجع لمن وما (قوله فى الاستفهام الخ) أى فإن كانت موصولة نحو مررت بأيهم قام أو صفة نحو مررت  برجل أى رجل بمعنى كامل  أو حالا نحو مررت بزيد  أى رجل بمعنى كاملا فإنها لاتعم (قوله أى شيء عندك) روى انه صلى الله عليه وسلم سئل أى الرقاب افضل فقال ” أغلاها ثمنا ” (قوله أى رجل الخ) أى وكحديث ” ايما إهاب دبغ فقد طهر ” (قوله وأين الخ) أى للتعميم فى المكان شرطيتين نحو قوله تعالى ” اينما تكونوا يدرككم الموت ” وقوله تعالى ” واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ” (قوله حيث شئت) الحيثية للتعميم ومن ذلك قوله تعالى ” واقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ” الآية.

      (فصل) والرابع النفى فى النكرات تقول ” ماعندى شيء ” و” لارجل فى الدار “. <43>

—————–

(قوله والرابع) أى من ألفاظ العموم (قوله النفى  فى النكرات) أى النكرات  فى سياق النفى سواء كانت مفردة أو مثناة  أو مجموعة جمع  سلامة أو تكسير، وسواء باشرها النفى نحو ما أحد قائم أو باشرها عاملها نحو ماقام أحد وسواء كان  النفى بما أولا أو لن أو ليس فإنها تعم فى الجميع

      (فصل) أقل الجمع ثلاثة، فإذا ورد لفظ الجمع كقوله مسلمون ورجال حمل على ثلاثة. ومن أصحابنا من قال هو إثنان، وهو  قول مالك  وابن داود  ونفطويه وطائفة من  المتكلمين. والدليل على ماقلناه ان ابن عباس رضى الله عنهما احتج على عثمان رضى الله عنه فى حجب الأم بالإخوين وقال ليس  الإخوان إخوة  فى لسان قومك، فقال عثمان لا أستطيع ان انقض أمرا كان قبلى وتوارثه  الناس ومضى فىالأمصار فادعى ابن عباس  ان الإخوين ليس بإخوة، فأقره عثمان كرم  الله  وجهه  على ذلك، وإنما اعتذر عنه بالإجماع، ولإنهم فرقوا بين الواحد والإثنين والجمع فقالوا رجل ورجلان ورجال، فلو كان الإثنان جمعا كالثلاثة لما خالفوا بينهما فى اللفظ.

———————-

(قوله اقل الجمع) أى أقل عدد تطلق عليه صيغة الجميع (قوله من قال) وهو القاضى أبو بكر الباقلانى (قوله إثنان) أى  لحديث ” الإثنان فما فوقهما جماعة ” (قوله نفطويه) أى هو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد (قوله فى حجب الأم بالإخوين) أى فى ردها من الثلث الى السدس لقوله  تعالى ” فإن كان له إخوة فلأمه السدس ” (قوله ليس الأخوان إخوة) أى حقيقة (قوله توارثه الناس) أى بالقبول والعمل (قوله ومضى فى الأمصار)  أى انتشر فى البلدان  (قوله على ذلك) أى على ان الأخوين ليس بإخوة (قوله عنه) أى عن الأخذ بمقتضى اللغة (قوله الإجماع) أى على أن الأم ترث السدس  مع الأخوين، فعلى هذا فلا نزاع فى ان أقل الجمع  اثنان فى باب الإرث استحقاقا وحجبا (قوله ولأنهم) أى العرب

 

(باب صيغة العموم وبيان مقتضاه)

اذا تجردت ألفاظ العموم التى ذكرناها اقتضت العموم واستغراق الجنس  والطبقة. وقالت الأشعرية ليس للعموم صيغة موضوعة، وهذه الألفاظ تحتمل العموم  والخصوص، فإذا وردت وجب التوقف فيها حتى يدل  الدليل  على مايراد بها من الخصوص والعموم. ومن الناس من قال لاتحمل على العموم  فى الأخبار، وتحمل فى الأمر والنهى. ومن الناس من قال تحمل على أقل الجمع  ويتوقف فيما زاد. والدليل على ما ذكرناه  ان العرب فرقت بين الواحد والإثنين والثلاثة فقالوا رجل  ورجلان ورجال كما فرقت بين  الأعيان  فى الأسماء فقالوا رجل  وفرس وحمار، فلو كان احتمال لفظ الجمع للواحد والإثنين كاحتماله لما  زاد لم  يكن <45> لهذا التفريق معنى، ولأن العموم مما تدعو الحاجة الى  العبارة عنه فى مخاطباتهم، فلا بد ان يكونوا قد  وضعوا له لفظا يدل عليه كما وضعوا لكل ما يحتاجون اليه  من الأعيان. فأما من قال انه يحمل على الثلاث ويتوقف فيما زاد  فالدليل  عليه ان تناول اللفظ للثلاث ولما زاد عليه واحد، فإذا وجب الحمل على الثلاث وجب الحمل على ما زاد.

———————-

(قوله اذا تجردت) أى عن قرينة العموم وقرينة الخصوص (قوله اقتضت العموم) أى وذلك لأن الصحابة وأهل اللغة أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم الا ما دل الدليل على تخصيصه، والقائلون بهذا يسمون أرباب العموم (قوله استغراق الجنس) أى استغراق جميع افراد الجنس (قوله الطبقة) عطف مرادف على الجنس  (قوله صيغة موضوعة) أى له خاصة به (قوله تحتمل الخ) أى لايعلم أهى فى الخصوص  أو فى العموم أو فيهما (قوله وجب التوقف) أى وقالوا ان اقل الجمع يدخل لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع، ولذلك يقال لهم الواقفية (قوله فى الأخبار) أى والوعد والوعيد حتى يدل دليل  على  العموم  والخصوص (قوله فى الأمر والنهى) أى لأنا متعبدون بفهمهما، ورد بأن من الأخبار ما تعبد بفهمه كقوله تعالى ” والله بكل شيء عليم ” (قوله ويتوقف فيما زاد) أى على أقل الجمع، لأن المتيقن أولى من المشكوك (قوله على ماذكرناه) أى من انها حقيقة فى العموم مجاز فى الخصوص (قوله فرقت الخ) أى والتفرقة فى الوضع دليل الإختصاص (قوله كما فرقت الخ) أى فكما أن هذه الألفاظ لايدل أحدها على المعنى الآخر الغير الموضوع له إلا بطريق المجاز كذلك لفظ رجال (قوله لمازاد) أى من الثلاثة فما فوق (قوله ولأن العموم الى قوله الأعيان) ليس هذا الدليل بشيء اذ الإحتياج الى التعبير عنه لايقتضى ان يكون له لفظ متفرد على طريق الحقيقة كالروائح (قوله تدعو) أى تشتد (قوله فى العبارة) أى التعبير (قوله فيما زاد) أى على الثلاث  (قوله والدليل عليه)  أى الدليل الذى يكون حجة عليه

      (فصل) ولافرق فى ألفاظ العموم بين ما قصد بها المدح أو الذم أو قصد بها الحكم فى الحمل  على العموم. ومن أصحابنا من قال إن قصد بها المدح كقوله  عز وجل “والذين  هم لفروجهم حافظون ” والذم كقوله تعالى ” والذين يكنزون الذهب والفضة “لم  يحمل على العموم، وهذا خطأ لأن ذكر المدح والذم يؤكد  فى الحث عليه والزجر عنه فلا يجوز ان يكون  مانعا من العموم.

—————-

(قوله المدح) أى كقوله تعالى ”  ان الابرار لفى نعيم ” (قوله أوالذم) أى كقوله تعالى ” ان الفجار لفى جحيم ” (قوله والذين هم الخ) أى فإنه وان سيق للمدح يعم بظاهره الأختين بملك اليمين،  وعارضه فى عموم الأختين فى الوطء بملك اليمين قوله تعالى ” وان تجمعوا بين الأختين ” فإنه شامل لجمعهما بملك اليمين، فحمل الأول على غير جمع الأختين بملك اليمين (قوله كقوله تعالى والذين الخ)  تمام الآية ” والذين يكنزون الذهب والفضة ولاينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ” (قوله لم يحمل على العموم) أى مطلقا سواء عورض أم لا (قوله عليه) أى على الفعل (قوله عنه) أى عن  الفعل

      (فصل) واذا وردت ألفاظ العموم فهل يجب اعتقاد عمومها والعمل <46> بموجبها قبل البحث عما يخصها ؟ اختلف أصحابنا فيه، فقال أبو بكر الصيرفى يجب العمل  بموجبها  واعتقاد عمومها مالم بعلم مايخصها، وذهب عامة أصحابنا أبو العباس وأبو سعيد الإصطخرى وأبو إسحق  المروزى إلى انه لا يجب اعتقاد عمومها حتى يبحث عن الدلائل، فإذا بحث فلم يجد مايخصها اعتقد حينئذ عمومها، وهو الصحيح، والدليل  عليه ان المقتضى للعموم وهو الصيغة المتجردة ولايعلم التجرد الا بعد النظر والبحث فلا يجوز اعتقاد العموم قبله.

——————–

(قوله ألفاظ العموم) أى صيغ العموم (قوله فهل يجب الخ) أى فى الحال عند  سماعها(قوله اختلف أصحابنا) أى ومثار الإختلاف التردد فى ان التخصيص مانع أو عدمه شرط، فعلى الأول الصيرفى فيتمسك بالعام ما لم يكن مخصص (قوله فيه) أى فى جواب الإستفهام (قوله يجب العمل الخ) أى لأن العام قطعى الدلالة على العموم فيستفاد منه الحكم العام قطعا (قوله الإصطخرى) بكسر الهمزة وفتح الطاء ولد سنة 244 هـ وتوفى سنة 328 هـ (قوله أبو إسحق  المروزى) هو إبرايهيم بن احمد بن إسحق المروزى توفى سنة 340 هـ (قوله فإذا بحث) أى عن الدلائل (قوله حينئذ) أى حين اذ بحث فلم يجد ما يخصها (قوله لايجب اعتقاد عمومها) أى ولا العمل بموجبها (قوله وهو) هكذا فى النسخ، ولعل الواو زائدة من النساخ (قوله الصيغة المتجردة)  أى عن قرينة الخصوص (قوله الصيغة الى قوله قبله) أى ولأن وجود المخصص عارض دلالة العام، اذ العام يحتمل التخصيص وعدمه احتمالا على السواء  فحمله علىالعموم ترجيح من غير مرجح (قوله اعتقاد  العموم) أى ولا العمل به (قوله قبله) أى قبل النظر والبحث 

 

(باب مايصح دعوى العموم فيه وما  لايصح)

     وجملته ان العموم يصح دعواه فى نطق ظاهر يستغرق الجنس  بلفظه <47> كالألفاظ التى ذكرناها فى الباب الأول، وأما الأفعال فلا يصح فيها دعوى العموم لانها تقع على صفة واحدة ؛ فاذا عرفت تلك  الصفة اختص الحكم بها وإن لم تعرف صار مجملا.فما عرف صفته مثل ماروى ” ان النبى صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين فى السفر” فهذا مقصور على ما روى فيه  وهو السفر، ولا يحمل على العموم فيما لم يرد فيه، وما لم يعرف مثل ماروى ” انه جمع بين  الصلاتين  فى السفر ” فلا يعلم انه كان فى سفر طويل أو سفر قصير إلا انه معلوم انه لم يكن الا فى سفر واحد فاذا لم يعلم ذلك بعينه وجب التوقف فيه حتى يعرف ولايدعى فيه العموم.

—————–

(قوله وجملته) أى القول فيه (قوله نطق ظاهر) أى لفظ منطوق فى اللسان، خرج به الفعل والقياس والمجمل (قوله يستغرق الجنس) أى يتناول جميع افراد الجنس من  غير حصر (قوله بلفظه) خرج به المشترك فلا يمكن دعواه لأنه لم يوضع للجمع خلافا للقاضى والشافعى (قوله واما الأفعال) المراد بها أفعال الرسول صلى الله  عليه وسلم (قوله لأنها تقع  الخ) أى فلا يجوز ان تكون عامة لجميع الصفة (قوله صار) أى الفعل (قوله مجملا) أى كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية (قوله فما عرف صفته) أى فعل رسول الله صلىالله عليه وسلم الذى عرفت صفته (قوله مقصور الخ) أى فيختص الجمع فى السفر (قوله فيما لم يرد فيه) أى فى الحضر  (قوله مالم يعرف) أى فعل الرسول صلى الله  عليه وسلم الذى لم تعرف صفته (قوله إلا فى سفر واحد) أى لأن الجمع الواحد لايمكن ان يكون فى كل منهما (قوله ذلك) أى كون السفر طويلا  أو قصيرا (قوله حتى يعرف)  أى ذلك  السفر 

      (فصل) وكذلك القضايا فى الأعيان لايجوز دعوى العموم فيها، وذلك مثل ان  يروى  ان النبى صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة للجار وقضى فى الإفطار  بالكفارة وما أشبه ذلك فلا يجوز دعوى العموم فيها، بل يجب  التوقف فيه لأنه <48> يجوز ان يكون قضى بالشفعة لجار لصفة يختص بها وقضى بكفارة بإفطار فى جماع او غيره مما  يختص به المحكوم له، وعليه فلا يجوز ان يحكم على غيره الا ان يكون فى الخبر لفظ يدل على العموم.ومن الناس من قال ان كان قد روى انه قضى بكفارة بالافطار وبالشفعة للجار لم يدع فيه العموم وان كان قد  روى انه  قضى بأن الكفارة فى الإفطار وبأن الشفعة للجار تعلق بعمومه لإن  ذلك حكاية قول فكأنه قال الكفارة فى الإفطار والشفعة للجار. وقال بعضهم إن روى انه كان يقضى تعلق بعمومه لأن ذلك للدوام ألا ترى  أنه يقال فلان كان يقرى  الضيف ويصنع المعروف وقال الله  تعالى “وكان يأمر أهله بالصلاة ” و أراد التكرار. والصحيح انه لا فرق بين ان يكون بلفظ أن أو غيره لأنه قد  يروى لفظة ان فى القضاء بمعنى الحكم فى القضية المقضى فيها ولايقتضى الحكم فى غيرها،   ولافرق أيضا بين ان يقول كان وبين غيره لأنه وان اقتضى التكرار إلا أنه يجوز ان يكون التكرار على صفة مخصوصة لايشاركها فيه سائر الصفات. <49>

—————-

(قوله وكذلك) أى مثل افعال الرسول صلى الله عليه وسلم (قوله قضى بالشفعة للجار) أى فلا يعم قضاؤه كل جار سواء كان شريكا او جارا  ملاصقا (قوله قضى فى الإفطار) أى فى رمضان فعند الشافعى لايفيد العموم، فيجب كون المفطر بأمر خاص لا بأعم، فلا دليل فيه على أنه بالجماع وغيره (قوله لصفة الخ) أى وهى كونه شريكا قديما (قوله المحكوم له) أى فى الشفعة (قوله وعليه) أى المحكوم عليه فى الإفطار بالكفارة (قوله به) أى بالحكم الذى قضى الرسول به (قوله على غيره) أى على غير المحكوم له والمحكوم عليه (قوله قضى بأن الكفارة الخ) أى بزيادة أن، فيكون  قضى بمعنى ألزم من باب الفتيا (قوله لأن ذلك) أى قول  الصحابى  المذكور وهو قضى بأن الكفارة الخ (قوله الكفارة فى الإفطار) أى واجبة فى الافطار بجماع أو غيره (قوله للجار) أى ثابت لكل جار شريك أو ملاصق (قوله كان يقضى) أى مع المضارع وأما مع الماضى فلا تدل على التكرار (قوله ذلك)  أى  لفظ كان مع المضارع  (قوله وقال الله تعالى الخ) أى فى شأن إسماعيل عليه السلام (قوله ولا فرق ايضا الخ) أى فى أنه لايقتضى العموم، لأن كان فى اللغة لاتدل الا على مطلق وقوع الفعل فى الماضى أعم من كونه تكرر بعد ذلك أو لا انقطع أو لا إلا أن العادة جارية بالتكرار (قوله ان اقضى التكرار) أى بحسب العادة الجارية

 

     (فصل) وكذلك المجمل من القول المفتقر الى إضمار، لايدعى فى إضماره العموم، وذلك  مثل قوله عز وجل ” الحج أشهر معلومات ” فإنه يفتقر الى إضمار ؛ فبعضهم يضمر  وقت إحرام الحج أشهر معلومات، وبعضهم يضمر وقت أفعال الحج أشهر معلومات، فالحمل عليهما لايجوز بل يحمل على ما يدل الدليل على انه يراد به لأن العموم من صفات النطق، فلا يجوز دعواه فى المعانى، وعلى هذا من جعل قوله صلى الله عليه وسلم ” لاصلاة لجار المسجد  الا فى المسجد ” <50> و” لا نكاح الا بولى ” و” لا أحل المسجد لجنب ولاحائض” و “رفع القلم  عن  ثلاثة ” وما أشبهه مجملا منع من دعوى العموم فيه، لأنه يجعل المراد  معنى غير مذكور ويجوز ان يريد شيئا  دون شيء، فلا يجوز دعوى العموم فيه. ومن الفقهاء من يحمل فى مثل هذا على العموم فى كل ما يحتمله لأنه أعم فائدة. ومنهم من يحمله على الحكم المختلف فيه لأن ما سواه معلوم بالإجماع. وهذا كله خطأ لما بيناه من ان الحمل على الجميع لايجوز وليس هناك لفظ يقتضى العموم، ولايجوز حمله على موضع الخلاف لأن احتماله لموضع الخلاف ولغيره واحد، فلا يجوز تخصيصه لموضع الخلاف. <51>          

———————

(وكذلك المجمل) هذا محترز قوله فى نطق ظاهر، والمجمل ما له دلالة على معنيين فأكثر لامزية لأحدهما على الآخر (قوله من القول الخ) خرج به ما كان إجماله بسبب تصريف كمختار أو اشتراك كالقرء (قوله الى إضمار) أى الى تقدير شيء يتضح به بأن توقف صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا عليه (قوله فى غضماره) أى مضمره (قوله فبعضهم) أى كإمامنا الشافعى (قوله أشهر معلومات) أى وهى شوال  وذو القعدة وتسع  ذو الحجة (قوله وبعضهم) أى كالإمام أبى حنيفة (قوله وقت افعال الحج) أى وقت مناسك الحج وأفعاله (قوله لايجوز) أى لأن الحاجة تندفع بالواحد (قوله ما يدل عليه الدليل) أى وقد دل الدليل عند الشافعى ومن وافقه على ارادة الإحرام بالحج وهو قوله تعالى ” فمن فرض فيهن الحج ” أى ألزم نفسه فيهن بالإحرام بالحج فأفاد أنه لايجوز افحرام به الا فى تلك الأشهر إذ لو جاز فى غيرها كما عليه الحنفية لما كان لقوله تعالى ” فيهن ” فائدة. وأجيب بأن فائدته كونها وقتا لأعماله من غير كراهة فلا يستفاد عدم جواز الإحرام قبله، فلو قدم الإحرام انعقد مع الكراهة.ومدار الخلاف أنه ركن عنده وشرط عند الحنفية فأشبه الطهارة فى جواز التقديم على الوقت (قوله من صفات النطق) أى من عوارض الألفاظ (قوله فلايجوز دعواه فى المعانى) أى لذلك المضمر فلايعرض له العموم (قوله وعلى هذا) أى منع دعوى  العموم فى المضمر (قوله ورفع  القلم عن ثلاثة) تمامه ” عن النائم حتى استيقظ وعن المبتلى حتى يبرأ وعن الصبى حتى يكبر ” (قوله وما أشبهه) أى كحديث ” رفع عن أمتى الخطأ والنسيان ”  أى مؤاخذتهما (قوله مجملا)  مفعول ثان لجعل (قوله منع)  خبر من الموصولة (قوله فيه)  أى فيما ذكر من الحديث (قوله دعوى العموم فيه) أى فى هذا المعنى الغير المذكور (قوله فى كل مايحتمله) أى فى جميع مايصح إضماره فيه (قوله لأنه أعم فائدة)  أى و لأن اضمار أحد الحكمين ليس بأولى من الآخر (قوله معلوم بالإجماع) أى والمجمع عليه مستغن عن الدليل كحديث ” إنما الأعمال بالنيات” فإنه يحتمل تقرير الثواب والصحة، والثواب مجمع عليه فإنه لاثواب على عمل إلا بالنية إجماعا، وأما الصحة فمختلف فيها،  بها قدر الشافعية لأن المقصود الأهم من بعثة النبى بيان الصحة والحل والحرمة، والحنفية يمنعون ذلك ويقدرون الثواب على أن تقدير الثواب يستلزم الصحة (قوله هذا كله) أى كل من القول بدعوى العموم مطلقا ومن القول بحمله على المضمر المختلف فيه (قوله لايجوز) أى لاندفاع الحاجة بواحد وكون العموم من صفات النطق (قوله لغيره) أى لموضع الاجماع (قوله واحد) أى ليس أحد الإحتمالين أقوى من الآخر (قوله فلا يجوز الخ) أى لئلا يلزم الترجيح من غبر مرجح الممنوع

 

(باب القول فى الخصوص)

     التخصيص تمييز بعض الجملة بالحكم. ولهذا نقول خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وخص الغير بكذا. وأما تخصيص  العموم فهو بيان مالم يرد باللفظ العام.

———————–

(قوله الجملة) أى أفراد الجملة (قوله الغير)  أى غير رسول  الله صلى الله عليه وسلم (قوله بيان الخ) أى لأن اللفظ العام ظاهره التناول لجميع الأفراد المخصصة وغيرها فبذكر المخصص علم أن المتكلم لم يرد ذلك البعض المخرج باللفظ العام  وإلا كان تناقضا

 

     (فصل) ويجوز دخول التخصيص فى جميع ألفاظ العموم من الأمر والنهى والخبر. ومن الناس من قال لايجوز التخصيص فى الخبر كما لايجوز النسخ، وهذا خطأ لأنا قد بينا ان التخصيص بيان مالم يرد باللفظ العام وهذا يصح فى الخبر كما  يصح  فى الأمر والنهى.

——————

(قوله الأمر) أى كقوله تعالى ” اقتلوا المشركين الا الذين عاهدتم ” (قوله النهى) أى كقوله تعالى “ولاتقربوهن حتى  يطهرن “(قوله والخبر) أى كقوله تعالى ” فلبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما ” (قوله لايجوز التخصيص فى الخبر) أى لأنه يوجب الكذب  فيها  لما فيها من مخالفة  المخبر للخبر. والجواب أنه اندفع بالمخصص بالإرادة او بالدليل على الإرادة وذلك لأنا اذا علمنا أن اللفظ فى الأصل يحتمل التخصيص فقيام الدليل على وقوعه مبين للمراد وانما يلزم الكذب لو كان المخرج مرادا

 

     (فصل) ويجوز التخصيص الى ان يبقى من اللفظ العام  واحد، وقال أبو بكر القفال من أصحابنا يجوز التخصيص فى أسماء الجموع الى ان يبقى ثلاثة <52> ولايجوز أكثر منه. والدليل على جواز ذلك هو انه لفظ من ألفاظ العموم فجاز تخصيصه الى ان  يبقى واحد دليله الأسماء المبهمات كمن وما.

———————–

(قوله يجوز التخصيص) أى فى جميع ألفاظ العموم (من اللفط العام) أى سواء كان العام  جمعا أو لا (قوله أبو بكر القفال) هو محمد بن  على بن اسماعيل الكبير الشاشى (قوله فى أسماء الجموع) أى كالمسلمين والنساء والقوم (قوله ثلاثة) أى لأنها أقل مراتب الجمع  على الصحيح (قوله ذلك) أى التخصيص فى أسماء الجموع الى واحد   (قوله دليله الأسماء المبهمات) أى القياس على الأسماء المبهمات فإنها يجوز تخصيصها الى واحد 

 

     (فصل) واذا خص من العموم شيء لم يصر اللفظ مجازا فيما يبقى وقالت المعتزلة يصير مجازا. وقال الكرخى ان خص بلفظ متصل كالإستثناء والشرط لم يصر مجازا، وان خص بلفظ منفصل صار مجازا. وهو قول القاضى أبى بكر الأشعرى. فالدليل على المعتزلة خاصة هو أن الأصل فى الإستعمال الحقيقة و(الدليل على من فرق أنا) قد وجدنا الأستثناء والشرط فى الإستعمال كغيرهما من أنواع الكلام فدل على ان ذلك حقيقة. والدليل على الجميع ان اللفظ تناول كل واحد <53> من الجنس فإذا خرج  بعضه بالدليل بقى الباقى  على ما اقتضاه اللفظ وتناوله فكان حقيقة فيه.

——————-

(قوله واذا خص الخ) أى متصلا كان المخصص أو لا (قوله اللفظ) أى اللفظ المخصوص منه البعض (قوله فيما يبقى)  أى بعد التخصيص، بل هو حقيقة فيه مطلقا لأن تناول اللفظ للبعض بعد التخصيص كتناوله له بلا  تخصيص له وهذا التناول حقيقى إتفاقا فليكن ذاك التناول حقيقيا أيضا (قوله وقالت المعتزلة الخ) وقال إمام الحرمين انه حقيقة ومجاز باعتبارين حقيقة باعتبار تناول البعض ومجاز باعتبار الإقتصار عليه (قوله مجازا) أى فيما بقى (قوله الكرخى) أى أبو الحسن معروف الكرخى (قوله إ ن خص) أى العام (قوله بلفظ متصل) أى بما لايستقل بنفسه (قوله كالإستثناء) أى والصفة  والبدل (قوله القاضى أبى بكر الأشعرى) هو محمد بن الطيب المعروف بالباقلانى (قوله لم يصر مجازا) أى بل هو حقيقة فيه (قوله الحقيقة) أى ولايصار الى المجاز الا بدليل (قوله الدليل على من فرق أنا) هذه الكلمات بين القوسين زيادة لازمة أخذناها من سياق الكلام (قوله كغيرها من أنواع الكلام) أى من المخصصات المنفصلة فى أن المقصود واحد وهو التخصيص فلا معنى للفرق (قوله على الجميع) أى المعتزلة والكرخى (قوله اللفظ) أى العام

 

(باب ذكر مايجوز تخصيصه وما لايحوز)

     وجملته انه يجوز تخصيص ألفاظ العموم. واما تخصيص ما عرف من فحوى الخطاب كتخصيص ما عرف من قوله عز وجل ” ولاتقل لهما أف ” فلا يجوز لأن التخصيص انما يلحق القول وهذا معنى القول، ولأن  تخصيصه نقض للمعنى الذى تعلق المنع به، ألا ترى انه لو قال ولاتقل لهما اف ولكن اضربهما كان ذلك مناقضة فصار كتخصيص القياس.

—————–

[قوله وجملته] أى الكلام فيه (قوله أنه) أى الحال والشأن (قوله ألفاظ العموم) أى مطلقا  (قوله من فحوى الخطاب) هو مفهوم الموافقة (قوله ولا تقل لهما أف) أى فإنه يدل بمنطوقه على تحريم التأفيف وبمفهومه الموافق على تحريم نحو الضرب (قوله فلايجوز) أى تخصيص هذا المفهوم بأن يجوز حبسهما لدين عليهما لولدهما بحديث ” لى الواجد يحل عرضه وعقوبته” (قوله لأنه انما يلحق القول) أى لأنه من عوارض الألفاظ كالعموم (قوله المنع) أى النهى (قوله ولا تقل لهما أف) أى كان معناه المفهوم لاتؤذهما فلو قال بعده ولكن الخ (قوله مناقضة)  أى وهى لاتجوز فبطل تخصيص الفحوى

 

     (فصل) وأما تخصيص دليل الخطاب فيجوز، لأنه كالنطق فجاز تخصيصه فإذا قال فى سائمة  الغنم زكاة فدل على أنه لازكاة فى المعلوفة جاز ان يخص لازكاة فى المعلوفة فيحمل  على معلوفة دون معلوفة.

—————–

[قوله دليل الخطاب] أى مفهوم  المخالفة (قوله لازكاة فى المعلوفة) أى وهو عام يشمل المعلوفة حولا كاملا ونصفه و أقله قدرا تعيش بدونه بلا ضرر أو بضرر قصد به قطع السوم أم لا (قوله فيحمل الخ) أى فلاتجب الزكاة فى معلوفة معظم الحول مثلا وتجب اذا علفت قدرا تعيش به بلا ضرر بين وذلك لخفة المؤنة.

 

     (فصل) وأما النص فلا يجوز تخصيصه كقوله صلى الله عليه وسلم لأبى بردة <54> يجزئك ولايجزئ  أحدا بعدك، لأن التخصيص أن يخرج بعض ما تناوله، وهذا لايصح فى النص على شيء بعينه.

——————

(قوله لأبى بردة) حديث ابى بردة فى الصحيحين وقال فيه  عندى جذعة خير من مسنة فقال اذبحها ولايجزئ احدا  بعدك  (قوله وهذا لايصح الخ) أى بل هو بيان للمجمل

 

     (فصل) وكذلك ماوقع من الأفعال، لايجوز تخصيصه لما بينا فيما تقدم ان الفعل لايجوز ان يقع على صفتين فيخرج احداهما بدليل، فإن دل الدليل على انه لم يقع الا على صفة من الصفتين لم يكن ذلك تخصيصا.

—————-

[قوله فيخرج الخ] أى فهو قبل البيان مجمل (قوله لم يكن ذلك تخصيصا) أى بل هو بيان للمجمل

 

(باب بيان الأدلة  التى يجوز التخصيص بها ومالايجوز)

     والأدلة التى يجوز التخصيص بها ضربان: متصل ومنفصل. فالمتصل هو الإستثناء والشرط والتقييد بالصفة، ولها ابواب تأتى  ان شاء الله تعالى وبه الثقة. وأما المنفصل فضربان: من جهة العقل ومن جهة  الشرع. فالذى من جهة العقل ضربان: احدهما ما يجوز ورود  الشرع بخلافه وذلك مايقتضيه العقل من  براءة الذمة فهذا لايجوز التخصيص به، لأن ذلك انما يستدل به لعدم  الشرع، فاذا ورد الشرع سقط الاستدلال به وصار الحكم للشرع. والثانى ما لايجوز ورود الشرع <55> بخلافه، وذلك مثل ما دل عليه العقل من نفى الخلق عن صفاته، فيجوز التخصيص به ولهذا خصصنا قوله تعالى ” الله خالق كل شيء ” فى الصفات  وقلنا المراد  به ما خلا الصفات لأن العقل قد دل على انه لايجوز ان يخلق صفاته، فخصصنا العموم به

——————-

[قوله متصل] أى وهو ما لايستقل بنفسه من  اللفظ بأن لايستعمل الا مقارنا للعام (قوله منفصل) وهو مايستقل بنفسه من اللفظ بأن يستعمل غير مقارن للعام (قوله التقييد) أى تقييد العام بالصفة، والمراد بالصفة ما أفاد معنى فى الموصوف من  نعت أو حال أو غيرهما لا الصفة الكاشفة لعدم إفادتها معنى (قوله براءة الذمة) أى من التكاليف الشرعية، وقد ورد الشرع بخلافه وهو إشغال ذمم المكلفين بالتكاليف الشرعية (قوله فإذا ورد الشرع) أى بخلافه (قوله ما لايجوز الخ) أى ما اقتضاه العقل ولا يجوز الخ (قوله بخلافه) أى بل بوفاقه (قوله فى الصفات) أى والذات (قوله ما خلا الصفات) أى والذات (قوله صفاته) أى وذاته

 

     (فصل) وأما الذى من جهة الشرع فوجوه: نطق الكتاب والسنة ومفهومهما وأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره وإجماع الأمة والقياس. فأما الكتاب فيجوز تخصيص الكتاب به كقوله تعالى ” والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ” خص به قوله تعالى ” ولاتنكحوا المشركات حتى يؤمن “، ويجوز تخصيص السنة به. ومن الناس من قال لايجوز. والدليل على جوازه هو ان الكتاب مقطوع بصحة طريقه والسنة غير مقطوع بطريقها، فإذا جاز تخصيص الكتاب به فتخصيص السنة به أولى.

—————–

 [قوله فأما الكتاب] أى الخاص (قوله تخصيص الكتاب) أى العام (قوله تخصيص السنة به) أى لقوله تعالى  وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء” ومن جملته السنة، وذلك  كقوله صلى الله عليه وسلم “أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا  ان لا إله إلا الله ”  فإنه خص بقوله تعالى “حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون” (قوله لايجوز) أى لقوله تعالى ” وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم “، جعله مبينا للكتاب فلا يكون الكتاب مبينا للسنة، ورد بأن السنة من جملة ما نزل اليهم لقوله تعالى “وما ينطق عن الهوى” (قوله فتخصيص السنة به أولى) أى والحال أن الكل وارد عن لسانه صلى الله  عليه وسلم، فهو المبين تارة بالقرآن وتارة بالسنة

 

     (فصل) فأما السنة فيجوز تخصيص الكتاب بها، وذلك كقوله صلى الله <56> عليه وسلم ” لا يرث القاتل ” خص به قوله عز وجل “يوصيكم الله فى أولادكم “. وقال بعض المتكلمين لايجوز  تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وقال عيسى بن أبان إن دخله التخصيص بدليل جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإن لم يدخله التخصيص لم يجز. والدليل على جواز ذلك أنهما دليلان أحدهما خاص والآخر عام فقضى بالخاص منهما على العام كما لو كانا من الكتاب. والدليل على من فرق بين أن يكون قد خص بغيره أو لم يخص هو أنه إنما خص به اذا دخله التخصيص لأنه يتناول الحكم بلفظ غير محتمل والعموم يتناوله بلفظ محتمل، وهذا المعنى موجود <57> وإن لم يدخله التخصيص. ويجوز تخصيص السنة بالسنة، وذلك مثل قوله صلى الله  عليه وسلم ” هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ” يخص به قوله صلى الله عليه  وسلم ” لاتنتفعوا من الميتة بشيء “. ومن الناس من قال لايجوز من جهة ان السنة جعلت بيانا فلا يجوز أن يفتقر الى بيان. وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص والعام، وهو قول القاضى أبى بكر الأشعرى. والدليل على ماقلناه يجيء إن شاء الله تعالى    .  

—————–

[قوله فأما السنة] أى الخاصة (قوله فى أولادكم) أى هو عام شامل للقاتل وغيره (قوله وقال الخ) ومحل الخلاف فى خبر الواحد الذى لم يجمعوا على العمل به  وإلا كقوله ” لاميراث لقاتل ” و” لاوصية لوارث ” فيجوز تخصيص العموم به اتفاقا لانعقاد الإجماع على حكمه وإن لم يجمعوا على روايته (قوله وقال بعض المتكلمين الخ) أى وإليه بعض الحنابلة (قوله لايجوز تخصيص الخ) أى لأن الكتاب مقطوع به وخبر الواحد مطنون، والمقطوع أولى من المظنون (قوله عيس بن ابان) أى بن صدقة (قوله دخله) أى العام من الكتاب والسنة المتواترة (قوله بدليل) أى قطعى ثبوتا ودلالة (قوله جاز الخ) أى إذ بعد التخصيص بالقطعى يتساويان فى الظنية (قوله ذلك) أى تخصيص الكتاب بخبر الواحد (قوله فقضى الخ) أى ففيه إعمال للدليلين (قوله كما لو كانا من الكتاب) هذا قياس مع الفارق عند الحنفية لأنهما قطعيان ثبوتا ودلالة  وخبر الواحد مع عام الكتاب ليس كذلك (قوله من  فرق) وهو عيس بن  أبان بن صدقة (قوله بغيره) أى خبر الواحد وهو القطعى (قوله به) أى بخير الواحد (قول لأنه) أى الخاص (قوله بلفظ غير محتمل) أى فهو قطعى دلالة وان كان ظنيا ثبوتا ومحل التخصيص الدلالة (قوله محتمل) أى للتخصيص (قوله وهذا المعنى) أى التناول بلفظ محتمل (قوله موجود)  أى فى العام (قوله وان لم يدخله  التخصيص) أى بدليل قطعى، فحيث جاز التخصيص بخبر الواحد الخاص بعد التخصيص الأول بقطعى لهذا المعنى فليجز قبله أيضا لتحقق هذا المعنى فيه (قوله مثل قوله الخ) أى فى شاة ميمونة رضى الله عنها (قوله هلا أخذتم الخ) تمامه ” قالوا انها ميتة قال إنما حرم أكلها ” (قوله بيانا) أى لغيرها وهو الكتاب  قال تعالى ” وأنزلنا اليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم ” (قوله فلا يجوز الخ)  وأجيب بأنه قد وقع (قوله يتعارض الخ) أى فيحتاج الى مرجح (قوله الخاص) أى من السنة (قوله ما قلناه) أى جواز تخصيص الكتاب بالسنة (قوله يجيء الخ) أى فى فصل تعارض اللفظين، وذلك الدليل أن الخاص أقوى من العام لأن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه والعام يتناوله بلفظ محتمل فيه فوجب أن يقضى بالخاص عليه

 

     (فصل) وأما المفهوم فضربان: فحوى الخطاب ودليل الخطاب. فأما فحوى  الخطاب فهو التنبيه، ويجوز  التلخصيص به كقوله تعالى ” فلاتقل لهما أف <58> ولاتنهرهما ” لأن هذا فى قول الشافعى رحمة الله عليه يدل  على الحكم بمعناه إلا أنه معنى جلى  وعلى قوله يدل على الحكم بلفظه فهو كالنص. وأما دليل الخطاب الذى هو مقتضى النطق فيجوز تخصيص العموم به. وقال أبو العباس بن سريج  لايجوز التخصيص به، وهو قول أهل العراق لأن عندهم أنه ليس بدليل، والكلام معهم يجيء ان شاء الله تعالى، وعندنا هو دليل كالنطق فى أحد  الوجهين وكالقياس فى الوجه الآخر وأيهما كان جاز التخصيص.

—————–

[قوله وأما المفهوم] وهو مادل عليه اللفظ لا فى محل النطق (قوله  فحوى الخطاب)  أى ويسمى مفهوم الموافقة (قوله دليل الخطاب) أى ويسمى مفهوم المخالفة (قوله التنبيه) أى بالأدنى على الأعلى وبالأعلى على الأدنى (قوله فلاتقل الخ) أى فهذا مفهومه يخص به قوله صلى الله عليه وسلم ” لى الواجد يحل عرضه  وعقوبته” أى حبسه الشامل  للوالدين. (قوله لأن هذا) أى مفهوم الموافقة (قوله فى قول الشافعى) أى فى الرسالة (قوله يدل على الحكم بمعناه) يعنى ان دلالة الدليل على المعنى الموافق للحكم المنطوق قياسية بطريق الأولى أو المساوى المسمى بالقياس الجلى، والجامع فى المثال الإيذاء (قوله معنى جلى) أى فكان كالمنطوق فيصح مخصصا (قوله على قوله) لعله على قول (قوله بلفظه) أى فى محل النطق به (قوله فيجوز تخصيص العموم به) أى لأنه دليل شرعى، وذلك كقوله صلى الله  عليه وسلم ”  الماء طهور لاينجسه شيء الا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه ” وقوله صلى الله  عليه وسلم ” واذا بلغ  الماء قلتين لم يحمل الخبث ” (قوله لايجوز الخ) أى لأن المفهوم أضعف دلالة من المنطوق فيكون التخصيص به تقديما للأضعف على الأقوى (قوله ليس بدليل) أى شرعى يخص به (قوله و الكلام) أى فى كونه دليلا شرعيا أو لا

                                                           

     (فصل) اذا تعارض لفظان فلا يخلو إما ان يكونا خاصين أو عامين  أو أحدهما خاصا  والآخر عاما أو كل واحد منهما عاما من وجه خاصا  من وجه. فإن  كانا خاصين  مثل ان يقول لا تقتلوا المرتد واقتلوا المرتد وصلوا مالها سبب عند طلوع الشمس ولاتصلوا ما لاسبب لها عند  طلوع <59> الشمس فهذا لايجوز ان يرد  إلا فى وقتين  ويكون أحدهما ناسخا للآخر ؛ فإن عرف التاريخ نسخ الأول بالثانى، وان لم يعرف وجب التوقف. وان كانا عامين مثل ان يقول: من بدل دينه فاقتلوه ومن بدل دينه فلا تقتلوه وصلوا عند طلوع الشمس ولا تصلوا عند طلوع الشمس فهذا ان أمكن إستعمالهما فى حالين أستعملا كما قال صلى الله عليه وسلم ” خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد  ”  وقال ” شر الشهود من  شهد قبل أن يستشهد ” فقال أصحابنا الأول محمول عليه اذا شهد وصاحب الحق لايعلم ان له شاهدا فإن الأولى ان يشهد  وإن لم يستشهد ليصل المشهود له الى حقه، والثانى محمول عليه اذا علم من له الحق ان  له شاهدا فلا يجوز للشاهد ان يبدأ بالشهادة قبل ان يستشهد،  وإن لم يمكن استعمالهما وجب التوقف كالقسم الذى قبله. وان كان أحدهما عاما والآخر خاصا مثل قوله تعالى  ” حرمت عليكم الميتة ” مع قوله صلى الله عليه وسلم ” أيما إهاب دبغ فقد طهر ”  وقوله ” فيما سقت السماء العشر ” مع قوله ” ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة ” <60> فالواجب فى مثل هذا وأمثاله ان يقضى بالخاص  على العام. ومن  اصحابنا من قال إن كان الخاص متأخرا والعام متقدما نسخ الخاص من العموم بقدره بناء على ان تأخير البيان  عن وقت الخطاب لايجوز، وهذا قول  المعتزلة. وقال بعض أهل الظاهر يتعارض الخاص  والعام، وهو قول أبى بكر الأشعرى. وقال أصحاب أبى حنيفة إن كان الخاص مختلفا فيه  والعام مجمعا عليه لم يقض به على العام، وإن كان متفقا عليه قضى به. والدليل على ماذكرناه  ان الخاص هو  أقوى من العام لأن الخاص يتناول الحكم بلفظ لا احتمال فيه والعام يتناوله بلفظ محتمل فوجب ان <61> يقضى بالخاص عليه. وأما اذا كان (كل) واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه يمكن ان يخص بكل واحد منهما عموم الآخر مثل ان يروى  ان النبى صلى الله غليه وسلم نهى عن الصلاة عند  طلوع الشمس  مع قوله صلى الله  عليه وسلم ” من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها ” فإنه يحتمل ان يكون المراد بالنهى عن الصلاة عند  طلوع الشمس مالاسبب لها من الصلوات بدليل قوله صلى الله عليه وسلم ” من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها اذا ذكرها ” ويحتمل أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم ” من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ” فى غير حال طلوع الشمس  بدليل ما روى ان النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس  فالواجب فى مثل هذا أن لايقدم  أحدهما على الآخر الا بدليل <62> شرعى من غيرهما يدل على المخصوص منهما  أو ترجيح يثبت لأحدهما على الآخر كما روى عن  عثمان وعلى رضى الله عنهما  فى الجمع بين الأختين بملك اليمين أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى. وهل يجوز ان يخلو مثل هذا  من  الترجيح ؟ من  الناس من  قال لايجوز، ومنهم  من  قال يجوز واذا  خلا تعارضا وسقطا ورجع المجتهد إلى براءة الذمة.

——————

[قوله فى تعارض اللفظين] أى تقابلهما على سبيل الممانعة (قوله اذا تعارض لفظان) أى بأن دل كل واحد منهما على خلاف مادل عليه الآخر كلا أو بعضا (قوله وصلوا مالها الخ)  أى فيه أنه لايعارض قوله الثانى وهو ولاتصلوا مالاسبب لها  الخ ولعله  وصلوا ماليس لها سبب عند عند طلوع  الشمس  ولاتصلوا مالا سبب الخ (قوله التاريخ) أى تاريخ ورود أحدهما عن الآخر (قوله نسخ الخ) أى اذا لم  يمكن الجمع بينهما، وإن أمكن وجب (قوله وان كان عامين  الخ) أى فيطلب الجمع بينهما أولا ولا عبرة بمجرد التراخى(قوله خير الشهود من الخ) أى فالموصول فى الحديثين عام فى كل شهادة بدون استشهاد  وقد حكم فى أحدهما بالشرية وفى الآخر فى الخيرية وهما متنافيان (قوله محمول الخ) أى  وإنما حمل على ذلك لأن المبادرة عند القاضى تقتضى ذمها مطلقا (قوله عليه) أى على من شهد (قوله شاهدا) أى متحملا للشهادة (قوله وجب التوقف) أى عن العمل بواحد منهما الى ظهور مرجح كقوله تعالى ” وما ملكت أيمانكم ” وقوله ” وان تجمعوا بين الأختين ”  فرجحوا التحريم لأن الأصل فى الأبضاع التحريم فهو أحوط من الحل (قوله كالقسم الذى الخ) أى وهو تعارض الخاصين (قوله عاما) أى مطلقا (قوله خاصا) أى مطلقا (قوله أن يقضى الخ) أى يجعل الخاص مخصصا للعام إلا فيما علم  تأخر الخاص  عن وقت  العمل بالعام فيكون الخاص حينئذ ناسخا للعام بالنسبة لما تعارضا فيه بالإتفاق ولايجعل تخصيصا لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو ممنوع قطعا، وإن تأخر الخاص عن وقت الخطاب بالعام دون وقت العمل به ففيه خلاف مبنى على جواز تأخير البيان عن وقت  الخطاب بالعام (قوله متأخرا) أى عن وقت الخطاب بالعام دون العمل (قوله متقدما) أى عليه (قوله عن وقت الخطاب) أى بالعام (قوله لايجوز) أى وجعله مخصصا يستلزم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب (قوله يتعارض الخ) أى لجواز ان يكون الخاص سابقا فيكون منسوخا بالعام وأن يكون العام سابقا ثم نسخ بالخاص (قوله مجمعا عليه) أى كالعام من الكتاب والمتواترة (قوله به) أى بالخاص (قوله عليه) أى على العمل به (قوله قضى) أى على العام (قوله ماذكرناه) أى من ان  العام يقضى عليه بالخاص مطلقا سواء تقدم الخاص أو تأخر سواء عرف وقت ورود الخطاب بالعام أو لم يعرف سواء  علم التاريخ أو جهل(قوله أقوى) أى فى الدلالة  على ذلك البعض من العام (قوله بلفظ لا احتمال فيه) أى فهو قطعى الدلالة عليه (قوله والعام الخ) أى بناء على شيوع التخصيص فى العمومات فهو ظنى فيه. وعند الحنفية العام قطعى فى أفراده فلا يخص بظنى الا بعد التخصيص بقطعى لأن التخصيص عندهم مغير للحكم العام ومغير القطعى لايكون ظنيا، وعند الشافعية التخصيص بيان وتفسير لا تغيير (قوله كل) هذه الكلمة بين القوسين زيادة لازمة أخذناها من سياق الكلام (قوله يمكن ان يخص الخ)  وذلك كحديث ” اذا بلغ الماء قلتين لم ينجس ” و ” الماء لا ينجسه شيء الا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه ” (قوله مثل ما روى الخ) ظاهره أن هذا مثال لما يمكن أن يخص بكل واحد منهما عموم الآخر وليس كذلك بل مثال لما لا يمكن (قوله نهى الخ)  أى فإنه عام فى الصلاة التى لها والتى لاسبب لها خاص فى الوقت وهو طلوع الشمس (قوله من نام الخ) أى فإنه عام فى الوقت اذ يشمل أوقات النهى وغيرها خاص فى الصلاة التى لها سبب كالفائتة (قوله ما لا سبب الخ) أى أما ما لها سبب فصلوها ولو عند طلوع الشمس

(قوله بدليل ماروى الخ) أى فيكون الحديث الاول مخصصا للحديث الثانى (قوله فى مثل هذا)  أى ما كان كل واحد منهما عاما وخاصا (قوله أن لايقدم الخ) أى مطلقا أمكن الجمع أو لا (قوله الا بدليل الخ) أى وقد دل الدليل الشرعى هناعلى ان المخصوص منهما هو حديث النهى وهو أنه صلى  الله  عليه وسلم فاته ركتعا سنة الظهر التى بعده فقضاهما بعد العصر وقيس على سنة الظهر غيرها مما لها سبب  وعلى وقت بعد العصر غيره من الأوقات المكروهة، فيحمل النهى حينئذ على الصلاة التى ليس لها سبب وهى  النافلة المطلقة (قوله فى الجمع بين الأختين) أى فى الإستمتاع (قوله أحلتهما آية)  وهى  قوله تعالى ” أو ماملكت أيمانكم ” فإنه عام فى الجمع  بين الأختين بملك اليمين (قوله وحرمتهما آية) وهى قوله  تعالى ” وأن تجمعوا بين الأختين ” فإنها تضع الجمع بينهما مطلقا سواء كان  بملك اليمين أو بالنكاح (قوله والتحريم أولى) أى لأنه أحوط من الحل الذى هو مقتضى الأول وهذا ما رجحه على وهو أظهر لحديث ” اذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام “، وأما عثمان فقد رجح التحليل (قوله والتحريم أولى) أى لأن العمل به يخلص من  المحظور يقينا بخلاف العمل بالحل فإنه لايخلص منه كذلك (قوله لايجوز) أى خلوه منه لأنه يؤدى الى التهمة ووقوع الشبهة (قوله واذا خلا الخ) وفى جمع الجوامع أقوال التخيير أو التساقط أو الوقف وهو أولى                                             

 

     (فصل) وأما أفعال رسول الله صلى الله  عليه وسلم فيجوز التخصيص بها، وذلك مثل ان يحرم أشياء بلفظ عام ثم يفعل بعضها فيخص بذلك العام. ومن الناس من قال  لايجوز التخصيص بها، وهو قول بعض أصحابنا لأنه يجوز ان يكون مخصوصا به. <63> والأول أصح لأته و إن جاز ان يكون مخصوصا  الا أن الأصل مشاركة الأمة فى الأحكام، ولهذا قال الله تعالى ” لقد كان لكم  فى رسول الله  أسوة حسنة “.

—————-

[قوله بها] أى بالأفعال (لأنه) أى فعله (قوله به) أى بالرسول (قوله إلا أن الأصل الخ) أى لأن النبى له منصب الإقتداء او المتبوعية، فالخصوصية لا تثبت الا بدليل كصوم الوصال

 

     (فصل) وأما الإقرار فيجوز التخصيص به كما رأى قيسا يصلى ركعتى الفجر بعد الصبح فأقره عليه فيخص  به نهيه صلى الله عليه  وسلم عن الصلاة بعد الصبح لانه لايجوز ان يرى منكرا فيقر عليه، فلما أقره دل على جوازه

—————-

[قوله الإقرار] أى إقرار النبى صلى الله عليه وسلم أحدا من أمته على ما يخالف مقتضى العام (قوله به) أى الإقرار (قوله قيسا) هو قيس بن عمرو (قوله كما رأى قيسا يصلى الخ) تمام الحديث: فسأله ماهاتان الركعتان فقال لم أكن صليت ركعتى الفجر فهما هاتان الركعتان (قوله جوازه) أى الفعل المذكور

 

     (فصل) وأما الإجماع فيجوز التخصيص به لأنه أقوى من الظواهر فاذا جاز التخصيص بالظواهر فبالإجماع أولى.

—————–

[قوله وأما الإجماع] أى على خاص معارض للعام (قوله فيجوز التخصيص به) ومعناه أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر هو مستند الإجماع (قوله لأنه أقوى من الظواهر) أى لأن الظواهر تحتمل المعانى المتعددة كما تحتمل التخصيص بخلاف الاجماع فلايحتملهما أصلا

 

     (فصل) وأما قول الواحد من الصحابة اذا انتشر ولم يعرف له مخالف فهو حجة يجوز التخصيص به، وإن لم ينشر فإن كان له مخالف لم يجز التخصيص به <64> وإن لم يكن له مخالف فهل يجوز التخصيص  به ؟ يبنى على القولين فى أنه حجة أم لا ؛ فإذا قلنا ليس بحجة لم يجز التخصيص به، واذا  قلنا إنه حجة فهل يجوز التخضيض به ؟ فيه وجهان أحدهما يجوز والثانى لايجوز. 

——————

[قوله قول الواحد من الصحابة] أى بخلاف العموم الوارد عن الشارع (قوله اذا انتشر) أى بين  الصحابة وعلموا به (قوله فهو حجة) أى لأنه إجماع أو حجة مقطوع بها (قوله التخصيص)  أى  تخصيص العموم (قوله لم يجز التخصيص) أى لأنه ليس  بحجة  قطعا (قوله يبنى) أى جواب الإستفهام (قوله ليس بحجة)  وهو القول الجديد لإمامنا الشافعى (قوله انه حجة) وهوالقول القديم لإمامنا الشافعى (قوله فيه)  أى جواب الإستفهام (قوله يجوز) أى لأن الصحابة كلهم عدول فلا يقول أو يعمل أحد منهم بخلاف العموم الثابت إلا لدليل (قوله لايجوز) أى لأنه قد يخالف العموم الثابت لدليل فى ظنه وظنه ليس حجة على غيره لأن المجتهد لايقلد مجتهدا آخر.

 

     (فصل) وأما القياس فيجوز التخصيص به ومن أصحابنا من قال لايجوز التخصيص به، وهو قول أبى على الجبائى واختيار القاضى أبى بكر الأشعرى، وقال عيسى بن أبان اذا ثبت تخصيصه بدليل يوجب العلم جاز التخصيص به  وان لم يثبت تخصيصه بدليل يوجب العلم لم يجز. وقال بعض أهل العراق  ان  دخله  التخصيص بدليل غير القياس جاز التخصيص به وان لم يدخله التخصيص بغيره لم يجز. والدليل على جواز ذلك ان القياس يتناول الحكم فيما يخصه بلفظ غير محتمل فخص به العموم كاللفظ الخاص. <65>

——————

[قوله وأما القياس] أى قياس نص خاص اذا عارض عموم نص آخر (قوله فيجوز الخ) أى مطلقا سواء كان القياس قطعيا أو ظنيا (قوله لايجوز الخ) أى لأن القياس فرع والعموم أصل ولايقدم فرع على أصل (قوله أبى على الجبائى) هو محمد بن عبد الوهاب الجبائى (قوله جاز الخ) أى  لمساواته للقياس فى الظنية لأنه بتخصيصه بالقطعى المذكور صار ظنيا (قوله لم يجز) أى تخصيصه به (قوله ان دخله) أى العام (قوله بدليل غير  القياس) هذا  أعم  من ان يكون الدليل موجبا للعلم أو لا (قوله أن القياس لا يتناول الخ) أى والعموم  يتناوله بلفظ محتمل للمجاز والخصوص

 

     (فصل) وأما قول الراوى فلا يجوز تخصيص  العموم به وقال أصحاب ابى حنيفة رحمه الله يجوز. والدليل على انه لا يجوز هو ان تخصيصه يجوز ان يكون بدليل ويجوز ان يكون بشبهة فلا يترك الظاهر بالشك وكذلك لايجوز ترك شيء من الظواهر  بقوله مثل ان يحتمل الخبر أمرين وهو فى أحدهما أظهر فيصرفه الراوى الى الآخر فلا يقبل ذلك  منه لما بيناه  فى تخصيص العموم. وأما اذا احتمل  اللفظ أمرين احتمالا واحدا فصرفه الى أحدهما مثل ما روى عن عمر كرم الله وجهه انه حمل قوله صلى الله عليه وسلم ” الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ” على القبض فى المجلس فقد قيل انه يقبل ذلك لأنه أعرف بمعنى الخطاب، وقال الشيخ الإمام رحمه الله وفيه نظر عندى. <66>

—————–

[قوله قول الراوى] أى قول الصحابى  الراوى بخلاف العموم كخبر البخارى من رواية ابن عباس ” من بدل دينه فاقتلوه ” مع قوله ان صح عنه: لاتقتل النساء اذا ارتددن عن الإسلام لكن يحبسن ويدعين الى الإسلام ويجبرن عليه (قوله فلايجوز تخصيص الخ) أى لأن الحجة إنما هى فى العموم وقوله  ليس بحجة فلاتعارض ولاتخصيص (قوله يجوز) أى لأنه بعد علمه وروايته للعام لايترك العمل به الا بدليل يدل  على التخصيص لأن ترك الظاهر بلا موجب حرام (قوله بشبهة) أى وهى مايظن دليلا وليس به (قوله الظاهر) أى العموم الظاهر (قوله من الظواهر) أى من عبارات الشارع، لأن الحجة هى عبارات الشارع (قوله أظهر) أى من الآخر كأمر فإنه ظاهر  فى الوجوب مرجوح  فى  الندب (قوله لمابيناه فى تخصيص العموم) أى من قوله ان تخصيصه يجوز أن يكون الخ(قوله احتمالا واحدا) أى على السواء كاللفظ المشترك والمجمل (قوله فصرفه) أى الراوى (قوله إلا هاء وهاء) معناه خذ وهات بهمزة ساكنة  على إرادة  الوقف (قوله ذلك) أى الصرف (قوله وفيه) أى فى القول بقبول صرفه وحمله على ذلك (قوله نظر) وجه النظر هو ان صرفه الى أحدهما يحتمل ان يكون عن سماع ويحتمل ان يكون عن رأى ورأيه لايجب اتباعه فيه لجواز الخطأ فى اجتهاده  ونظره

 

     (فصل) وأما العرف والعادة فلا يجوز تخصيص العموم به لأن الشرع لم  يوضع على العادة، وانما وضع فى قول بعض الناس  على حسب المصلحة، وفى قول الباقين على ما أراد الله تعالى وذلك لايقف على العادة.

—————–

[قوله والعادة] أى العملية، والمراد تعامل الناس ببعض أفراد العام

 

     (فصل) وأما تخصيص أول الآية بآخرها وآخرها بأولها فلايجوز ذلك مثل قوله تعالى “والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ” وهذا عام فى الرجعية وغيرها ثم قال فى  آخر الآية ” وبعولتهن أحق بردهن ” وهذا خاص بالرجعيات فيحمل أول الآية على العموم وآخرها على الخصوص ولايخص أولها بآخرها لجواز ان يكون قصد بآخر الآية بيان بعض ما اشتمل عليه أول الآية فلايحوز ترك العموم بأولها.

—————–

[قوله وأما تخصيص الى قوله ذلك] وعبر بعضهم بقوله: عود الضمير الى بعض العام المتقدم لايخصص

 

(باب القول فى اللفظ الوارد على سبب)

     وجملته ان اللفظ الوارد على سبب لم يجز ان يخرج  السبب منه لأنه يؤدى الى تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك لايجوز، وهل يدخل فيه غيره ؟ نظرت فإن كان اللفظ لايستقل بنفسه كان ذلك مقصورا على ما ورد فيه من السبب ويصير الحكم مع السبب كالجملة الواحدة <67> فإن كان لفظ السائل عاما مثل ان قال أفطرت فقال أعتق حمل الجواب على العموم فى كل مفطر كأنه قال من أفطر فعليه العتق من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وذلك انه لما لم يستفصل دل على انه لايختلف أو لما نقل نقل السبب وهو  الفطر فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل بذلك لأن ذكر  السبب فى الحكم  تعليل، وإن كان خاصا مثل ان قال جامعت فقال اعتق حمل الجواب على الخصوص فى المجامع لايتعدى الى غيره من المفطرين فكأنه قال من جامع فى رمضان فعليه العتق، وأما اذا كان اللفظ يستقل بنفسه أعتبر حكم اللفظ ؛ فإن كان خاصا حمل على خصوصه، وان كان عاما حمل على عمومه  ولايخص بالسبب الذى ورد فيه وذلك مثل ماسئل النبى صلى الله عليه وسلم عن بئر بضاعة  فقيل إنك تتوضأ من  بئر بضاعة وإنه <68> يطرح فيها  المحائض ولحوم الكلاب وماينحى الناس فقال صلى الله عليه وسلم ” الماء طهور لاينجسه  شيء ” فهذا يحمل على عمومه ولايخص بما ورد فيه  من السبب، وقال المزنى و أبو ثور وأبو بكر الدقاق من أصحابنا يقصر على ما ورد فيه من السبب. والدليل على ماقلناه  هو ان الحجة فى قول الرسول صلى الله عليه وسلم دون السبب فوجب ان يعتبر عمومه.

——————

[قوله أن اللفظ ] أى العام (قوله على سبب) أى وكان عاما (قوله لأنه) أى اخراج السبب من هذا العام (قوله يؤدى الخ) أى ولأن العام وارد لأجله، فهو قطعى الدخول وليس كغيره من الأفراد التى يجوز تخصيصها (قوله فيه) أى فى حكم السبب (قوله لايستقل بنفسه) أى بأن لا يصح الإبتداء به ولايكون مفيدا  الا مقترنا بالسؤال أو الحادثة (قوله ذلك) أى الوارد (قوله من السبب) أى لا يتعداه الى غيره بلا خلاف (قوله مثل أن قال) أى السائل (قوله أفطرت) أى فى نهار رمضان متعمدا (قوله فى كل مفطر) أى من جماع أو أكل أو شرب أو غيرها (قوله كأنه) أى الشارع (قوله لم يستفصل) أى فى حكاية الحال مع قيام الاحتمال دل على العموم فى المقال(قوله لا يختلف) أى الجواب باختلاف السؤال (قوله تعليل)  أى  للحكم (قوله وإن كان) أى لفظ السؤال (قوله جامعت) أى فى نهار رمضان عمدا (قوله من المفطرين) أى بالأكل أو الشرب سوى الجماع (قوله من جامع الخ) أى ونقل السبب فى الحكم تعليل فيدور معه الحكم وجودا وعدما(قوله اللفظ) أى الوارد جوابا للسؤال (قوله يستقل بنفسه) أى بأن يكون مفيدا  بدون  ما قبله (قوله فإن كان) أى الجواب (قوله خاصا) أى أخص من السؤال فيما سئل عنه (قوله وإن كان عاما الخ) أى وأما الجواب المستقل المساوى فواضح (قوله عاما) أى أعم من السؤال فيما سئل عنه (قوله وذلك) أى الجواب الأعم (قوله فيها) أى لأن البئر مؤنث على قوله تعالى ” وبئر معطلة ”  ونقل الحافط ابن حجر عنه بأربعين ليلة (قوله المزنى) أى هو الإمام أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزنى  ناصر مذهب الإمام  الشافعى توفى  شهر  ربيع  الأول سنة 264 هـ (قوله أبو ثور) أى هو إبراهيم  بن خالد الكلبى البغدادى من أصحاب الشافعى توفى فى شهر صفر سنة 240 هـ(قوله أبو بكر الدقاق) أى هو محمد بن جعفر القاضى الأصولى الشافعى توفى سنة 392 هـ (قوله يقصر الخ) أى لأنه لو عم الجواب الوارد على سبب خاص لم يكن لنقل السبب فائدة (قوله ماقلناه) أى من أنه يحمل الجواب على عمومه ولا يخص بالسبب (قوله ان الحجة فى قول الخ) أى والحكم بلفظه، ولوقال  ذلك إبتداء وجب حمله على العموم فكذا اذا صدر جوابا

 

(باب القول فى الإستثناء)

     والإستثناء يجوز تخصيص اللفظ به. وهو مأخوذ من قولهم ثنيت فلانا عن رأيه اذا صرفته عنه. وقيل انه مأخوذ من  تثنية الخبر بعد الخبر. ومن شرطه ان يكون متصلا بالمستثنى منه، وحكى عن ابن  عباس رضى الله  عنهما جواز تأخيره، وحكى عن قوم جواز تأخيره اذا أورد  معه كلام يدل على ان ذلك إستثناء مما  تقدم وهو ان يقول جاءنى الناس ثم يقول بعد زمان الا زيدا وهو استثناء مما كنت قلت، فأما المحكى عن ابن عباس رضى الله عنهما فالظاهر انه لايصح عنه وهو بعيد <69> لأنهم لا يستعملون الإستثناء الا متصلا بالكلام، ألا ترى أنه اذا قال جاءنى الناس  ثم قال بعد شهر الا زيدا لم يعد ذلك كلاما فدل على بطلانه، وما حكى عن غيره خطأ  لأنه لو جاز ذلك على الوجه الذى قاله لجاز ان يؤخر خبر المبتدأ ثم يخبر به  مع كلام يدل عليه بأن  يقول زيد ثم يقول بعد حين قائم ويقرنه بما يدل على انه خبر عنه وهذا مما لا يقوله احد ولايعد كلاما فى اللغة فبطل.

——————

[قوله اذا صرفته عنه] أى والمستثنى مصروف عن حكم ما قبله (قوله  ومن  شرطه) أى شرط صحته والإعتداد به(قوله ان يكون متصلا) بأن لا يتخلل بينهما زمان طويل (قوله جواز تأخيره) أى نقل المازرى عنه جواز الفصل بسنة ونقل الآمدى وابن الحاجب عنه جواز الفصل بشهر  ونقل الحافط ابن حجر عنه بأربعين ليلة (قوله الا متصلا بالكلام) أى فهو جزء من الكلام يحصل به الإتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما (قوله فدل) أى عدم الإعتداد به (قوله وما حكى) أى مما مر عن قوم (قوله عن غيره) أى غير ابن عباس (قوله ذلك) أى تأخير الإستثناء (قوله عليه) أى على أنه خبر عن المبتدأ (قوله فبطل) أى فالملزوم مثله فى البطلان

 

     (فصل) ويجوز ان يتقدم الإستثناء على المستثنى منه كما يجوز ان يتأخر كقول الكميت: فمالى الا آل احمد شيعة><ومالى الا مشعب الحق مشعب

——————-

[قوله الكميت]  هو ابن زيد الأسدى شاعر إسلامى (قوله شيعة) أى أعوان (قوله  مشعب) روى بدل مشعب مذهب فقيل الا مذهب الحق مذهب

 

     (فصل) ويجوز الإستثناء من جنسه كقولك رأيت الناس الا زيدا، وكذلك استثناء بعض مادخل تحت الاسم كقولك  رأيت زيدا الا وجهه. وأما الإستثناء من غير الجنس فهو مستعمل، وقد ورد به القرآن والأشعار قال الله عز وجل ” فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا إبليس ” فاستثنى إبليس من الملائكة وليس من الملائكة  <70> وقال الشاعر: 

وقفت فيها أصلا لا أسائلها><اعيت جوابا ومابالربع  من أحد

إلا  أوارى  لأيا ما  أبينها><والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد

——————-

[قوله من جنسه] أى من جنس المستثنى منه (قوله كذلك) أى يجوز (قوله من غيرالجنس) أى من غير حنس المستثنى منه (قوله به) أى الإستثناء بغير الجنس (قوله وليس من الملائكة) أى بل من جنس الجن حيث قال تعالى ” كان من الجن ففسق عن أمر ربه” فاستثنى الأوارى من الناس، وهل هو حقيقة أم لا ؟  فيه وجهان من أصحابنا  من  قال هو حقيقة، ومنهم من قال هو مجاز، وهذا الأظهر لأن الإستثناء مشتق من قولهم ثنيت عنان الدابة اذا صرفتها أو من تثنية الخبر بعد الخبر وهذا لايوجد الا فيما دخل فى الكلام ثم يخرج منه. (قوله الشاعر) أى هو النابغة الزبيانى زياد ابن معاوية (قوله أصيلا) أى وقت  العشى من بعد العصر الى الغروب (قوله أعيت جوابا) يعنى لم تعرف وجه الجواب (قوله بالربع) بفتح الراء وسكون الموحدة محلة القوم ومنزلهم (قوله أوارى) أى محبس الدابة (قوله النؤى)  بضم  النون وسكون الهمزة الحفير حول الخيمة لمنع السيل (قوله بالمظلومة) أى الأرض التى حفر فيها فى غير موضع الحفر (قوله الجلد)  أى الأرض الغليظة الصعبة من غير حجارة (قوله فاستثنى الأوارى من الناس) أى وهى من خلاف جنسهم (قوله هو حقيقة) أى فى المنقطع أيضا، فيكون الإستثناء مشتركا بينهما (قوله هو) أى الإستثاء من غير الجنس (قوله لأن الإستثناء الخ) أى وايضا سبق الفهم الى المتصل بدون قرينة، وتوقفه عليها فى المنقطع دليل على كونه مجازا فيه (قوله صرفتها) أى منعتها عن السير فى الصوب الذى هى متوجهة اليه

 

     (فصل) ويجوز ان يستثنى الأكثر من الجملة. وقال أحمد لا يجوز، وهو قول القاضى أبى بكر الأشعرى وابن درستويه. والدليل على جوازه ان القرآن ورد <71> به قال الله تعالى “ان عبادى ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين ” ثم قال ” فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ” فاستثنى الغاوين من العباد واستثنى العباد من الغاوين وأيهما كان أكثر فقد استثناه من الآخر ولأن الإستثناء معنى يوجب تخصيص اللفظ العام فجاز فى القليل والكثير كالتخصيص بالدليل المنفصل.

——————–

[قوله ويجوز أن يستثنى الخ] أى نحو له على عشرة الا تسعة وكذا المساوى للباقى (قوله أحمد) أى الإمام أحمد بن حنبل الشيبانى توفى سنة 241 هـ (قوله ابن درستويه) أى هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوى ولد سنة 258 وتوفى 347 هـ (قوله ثم قال) أى حكاية عن إبليس (قوله الغاوين) وهم أكثر الناس بدليل قوله تعالى” وأكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين “.

 

     (فصل) اذا تعقب الإستثناء جملا عطف بعضها على بعض جمع ذلك الى الجميع،وذلك  مثل قوله عز وجل “والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولاتقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون الا الذين  تابوا “، وقال أصحاب أبى حنيفة رحمه الله يرجع الى ما يليه، وقال القاضى أبو بكر يتوقف فيه ولايرد الى شيء منهما الا بدليل. والدليل على ماقلناه هو ان الإستثناء كالشرط فى التخصيص ثم الشرط يرجع الى الجميع وهو اذا قال إمرأتى طالق وعبدى حر ومالى صدقة إن شاء الله تعالى فكذلك الإستثناء.

——————-

[قوله عطف الخ] أى بالواو ونحوه كالفاء وثم (قوله الى الجميع) أى الى كل واحد منها إلا اذا قام الدليل على خلافه (قوله وذلك) أى تعقب الإستثناء جملا الخ  (قوله  الا الذين تابوا) أى فهذا الاستثناء  راجع الى  الجملتين الأخيرتين وهما قوله تعالى ” ولاتقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ” فتقبل شهادتهم ويرتفع  فسقهم ولم يرجع الى الجملة الاولى لمانع وهو ان الجلد حق الآدمى  فلايسقط بالتوبة وإنما يسقط بإسقاط المستحق الآدميين (قوله يرجع) أى الإستثناء (قوله الى مايليه) أى الى الجملة الأخيرة لأن  الرجوع اليها متحقق و الى غيرها محتمل (قوله منهما) أى من الجملتين (قوله ماقلناه) أى رجوع الإستثناء الى الجميع مالم يقم دليل  على خلافه

 

     (فصل) وإن دل الدليل على أنه لايجوز رجوعه الى جملة من الجمل المذكورة <72> كما فى آية القذف ؛ فإن الدليل (دل) على أنه لايجوز ان يرجع الإستثناء فيها الى الحد رجع  الى مابقى من الجمل، وكذا ان تعقب الإستثناء جملة واحدة ودل الدليل على انه لايجوز  رجوعه الى بعضها كقوله عز وجل ” وان طلقتموهن من  قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ” الى قوله تعالى ” الا ان يعفون ” فإنه قد دل الدليل على ان الإستثناء لايجوز رجوعه الى الصغار والمجانين رجع  الى مابقى من  الجملة لأن ترك الظاهر فيما قام عليه الدليل لايوجب تركه فيما لم يقم عليه الدليل.

——————–

[قوله دل] كلمة دل بين القوسين زيادة معلومة من السياق (قوله الى الحد) أى لأنه حق الآدمى فلا يسقط  بالتوبة، إنما يسقط بإسقاط المستحق من الآدميين (قوله الا ان يعفون) أى ان تهب  المرأة البالغة نصيبها من الصداق للزوج فيكون الصداق للزوج جميعا (قوله لأن ترك الظاهر) أى اذ ظاهره يشمل الصغار والمجانين

 

 

(باب التخصيص فى الشرط)

     واعلم ان الشرط مالايصح المشروط الا به.وقد  ثبت ذلك بدليل منفصل، كاشتراط القدرة فى العبادات واشتراط الطهارة فى الصلاة، وقد دخل ذلك فيما  ذكرناه من تخصيص العموم. وقد يكون متصلا بالكلام، وذلك قد يكون بلفظ الشرط كقوله تعالى “فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا “، وقد يكون بلفظ الغاية كقوله  تعالى “حتى يعطوا الجزية عن يد “. <73> ويجوز تخصيص الحكم بالجميع، فيكون الصيام لمن لم يجد الرقبة والقتل فيمن لم يؤد الجزية

——————-

[قوله  الشرط الخ] أى هذا تعريف لشرط الصحة،  وأما الشرط نفسه فما يلزم من عدمه العدم ولايلزم من وجوده  وجود ولا عدم (قوله كاشتراط القدرة الخ) أى فإنه ثبت بقوله تعالى ” لا يكلف الله نفسا الا وسعها “(قوله واشتراط الطهارة الخ) أى فإنه  ثبت بقوله تعالى ” يا أيها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم” الآية (قوله وذلك) أى الشرط المتصل (قوله كقوله تعالى) أى فى كفارة الظهار (قوله حتى يعطوا الخ) تمام الآية ” قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولايحرمون ما حرم الله ورسوله ولايدينون دين الحق “.

 

     (فصل) يجوز ان يتقدم الشرط فى اللفظ ويجوز ان يتأخر كما يجوز فى الاستثناء. ولهذا لم يفرق بين قوله أنت طالق إن دخلت الدار  وبين  قوله إن دخلت الدار فأنت طالق.

——————-

[قوله كما يجوز] أى التقدم والتأخر  

 

     (فصل) واذا  تعقب الشرط جملا رجع الى جميعها كما قلنا فى الإستثناء. ولهذا اذا قال إمرأتى طالق وعبدى حر إن شاء الله لم تطلق المرأة  ولم يعتق العبد.

——————-

[قوله جملا] أى عطف بعضها على بعض (قوله رجع الى جميعها) أى لاخلاف فيه اذا كان المعلق عليه غير مشيئة الله ونحوه من الملائكة والجن (قوله اذا قال الخ) أى وقال مالك وأحمد يتنجزان لأنه علقهما بشرط محقق لأنه لو لم يشاء الله طلاقها ولا إعتاقها لم يمكنه التلفظ به

 

     (فصل) فأما اذا دخل الشرط فى بعض الجمل المذكورة دون بعض لم يرجع الشرط الا الى المذكورة، وذلك مثل قوله تعالى ” أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ” الى قوله تعالى “وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن “، فشرط الحمل فى  الإنفاق دون السكن، فيرجع الشرط الى الإنفاق ولايرجع الى السكن، وهكذا لو ثبت الشرط بدليل منفصل فى بعض الجمل لم يجب إثباته فيما عداه كقوله عز وجل ” والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ” الى قوله ” وبعولتهن أحق بردهن “. <74>  فإن الدليل قد  دل  على ان الرد فى الرجعيات، فيرجع ذلك الى الرجعيات ولايوجب ذلك تخصيص أول الآية، وهكذا اذا ذكر جملا وعطف  بعضها على بعض لم يقتض الوجوب فى الجميع  أو يقتضى العموم فى الجميع ثم دل الدليل على ان فى بعضها لم يرد الوجوب أو فى بعضها ليس على العموم لم يجب حمله  فى الباقى على غير الوجوب ولا على غير العموم، وذلك مثل قوله تعالى ” كلوا من ثمره اذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ” فأمر  بالأكل وإيتاء الحق والأكل لايجب والإيتاء واجب والأكل عام فى القليل والكثير والإيتاء خاص فى خمسة أوسق فما قام الدليل عليه خرج من اللفظ وبقى الباقى على ظاهره.

——————

[قوله أسكنوهن] أىالمطلقات المعتدات سواء كن رجعيات أم بائنات حائلات أم حوامل(قوله من  وجدكم) أى من وسعكم  وطاقتكم (قوله فيرجع الشرط الخ) أى وتكون المبتوتة الحامل لها السكن دون النفقة (قوله فيما عداه) أى فيما عدا بعض الجمل الا بدليل (قوله فإن الدليل) أى  المنفصل (قوله فإن الدليل الخ) أى وهو قوله تعالى ” فإن طلقها فلا تحل له من بعد  حتى تنكح زوجا غيره ” (قوله ولايوجب ذلك) أى رجوع الضمير اليها (قوله تخصيص أول الآية) أى بذلك الخاص (قوله وهكذا الى قوله غير العموم) يعنى أنه اذا ذكر جملا وعطف  بعضها على بعض وقام الدليل على ان الجملة الأولى منها للوجوب أو للعموم أوعلى ان الأولى منها ليست  للوجوب أو ليست للعموم لم يقتض عطفها وقرانها   الوجوب فى الباقى أو العموم فيه أو عدم الوجوب فى الباقى أو عدم العموم  فيه لأن مجرد القران فى الذكر لا يوجب القران فى الحكم، بل ذلك موقوف على الدليل (قوله ذكر) أى الشارع (قوله والأكل لا يجب) أى مطلقه (قوله فما قام الخ) أى والحاصل ان هذه المسألة من فروع قاعدة: القران فى الذكر لايوجب القران فى الحكم

 

     (فصل) وهكذا  كل شيئين قرن  بينهما فى اللفظ ثم  ثبت لأحدهما حكم بالإجماع لم يجب أن يثبت ذلك الحكم للآخر من غير لفظ يوجب التسوية بينهما أو علة  توجب الجمع بينهما. <75> ومن أصحابنا من قال اذا  ثبت لأحدهما حكم ثبت لقرينه مثله، وهذا غير صحيح  لأن الحكم الذى ثبت  لأحدهما ثبت بدليل يخصه من لفظ أو إجماع وذلك غير موجود فى الآخر، فلا تجب التسوية بينهما الا بعلة تجمع  بينهما.   

——————-

[قوله لم يجب الخ] أى فيعطف واجب على مندوب كما فى قوله تعالى ” فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذى آتاكم ” فالإيتاء واجب، ومباح على واجب كما مر فى ” كلوا من ثمره “. الآية (قوله اذا ثبت الخ) أى من أمثلته حديث ” لايبولن أحكم فى الماء الدائم ولايغتسلن فيه من الجنابة ” فالبول ينجسه بشرطه وهو كون الماء قليلا او تغير وكذا الإغتسال فيه للقران بينهما فى الحكم الذى يتشاركان فيه وهو النهى

 

(باب القول فى المطلق والمقيد)

     واعلم ان تقييد العام بالصفة يوجب التخصيص كما يوجب الشرط والإستثناء وذلك كقوله تعالى ” فتحرير رقبة مؤمنة ” فإنه لو أطلق الرقبة لعم  المؤمنة والكافرة، فلما قيده بالمؤمنة وجب التخصيص.

——————

[قوله العام] المراد به هنا مايتناول أفرادا كثيرة  سواء كان هذا التناول دفعة واحدة وهو المسمى بالعام حقيقة أو على سبيل البدل وهو المسمى بالمطلق وليس بعام حقيقة وهذا هو المبحوث عنه هنا (قوله يوجب) مفعول يوجب محذوف لدلالة ما قبله أى التخصيص (قوله كقوله تعالى) أى فى كفارة القتل

 

     (فصل) فإن ورد الخطاب مطلقا فى موضع لامقيد له حمل على إطلاقه، وإن ورد مقيدا لامطلق له حمل على  تقييده، وإن ورد مطلقا فى موضع ومقيدا  فى موضع آخر نظرت ؛ فإن كان ذلك فى حكمين مختلفين مثل ان يقيد  الصيام بالتتابع ويطلق  الإطعام لم يحمل أحدهما على الآخر بل يعتبر كل واحد منهما بنفسه لأنهما لايشتركان فى لفظ ولا معنى، وإن كان ذلك فى حكم واحد وسبب واحد مثل ان <76> يذكر  الرقبة فى كفارة القتل مقيدة بالإيمان ثم يعيدها فى القتل مطلقة كان الحكم  للمقيد لأن ذلك حكم واحد استوفى بيانه فى أحد الموضعين ولم يستوف فى الموضع الآخر، وان كان فى حكم واحد وسببين مختلفين نظرت فى المقيد ؛ فإن عارضه مقيد آخر لم يحمل المطلق على واحد من المقيدين وذلك مثل الصوم فى الظهار قيده بالتتابع  وفى التمتع قيده بالتفريق وأطلق فى كفارة اليمين فلا يحمل المطلق فى اليمين على الظهار ولا على التمتع، بل يعتبر بنفسه اذ ليس حمله على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر، وإن لم يعارض المقيد مقيد آخر كالرقبة فى كفارة القتل والرقبة فى الظهار قيدت بالإيمان فى القتل وأطلقت فى الظهار حمل المطلق على المقيد فمن أصحابنا من قال يحمل  من جهة اللغة لأن القرآن من فاتحته  إلى خاتمته كالكلمة الواحدة، ومنهم من قال يحمل من جهة القياس وهو الأصح.<77> وقال أصحاب أبى حنيفة رحمه الله لا يجوز حمل المطلق على المقيد لأن ذلك زيادة فى النص وذلك نسخ بالقياس، وربما قالوا لأنه حمل منصوص. والدليل على انه لايحمل من جهة اللغة ان اللفظ الذى ورد فيه  التقييد وهو  القتل لايتناول المطلق  وهو الظهار فلايجوز أن يحكم فيه  بحكمه من غير علة فكذلك ههنا. والدليل  على انه يحمل عليه بالقياس هو ان حمل المطلق على المقيد تخصيص عموم بالقياس فصار كتخصيص سائر العمومات.

——————-

[قوله ذلك] أى الإطلاق والتقييد (قوله حكمين مختلفين) أى مع اتحادهما فى السبب (قوله مثل ان يقيد  الخ) أى فكل من الصيام المقيد والإطعام المطلق حكم و سببه متحد وهو الظهار (قوله ويطلق الإطعام) أى عن قيد التتابع (قوله احدهما) أى الإطلاق أو التقييد (قوله كان الحكم للمقيد) أى حمل المطلق على المقيد، ولا خلاف فيه الا إن تأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق فهو ناسخ، وإن تأخر عن وقت الخطاب بالمطلق أو تأخر المطلق مطلقا أو تقارنا أو جهل تاريخهما حمل المطلق على المقيد جمعا بين الدليلين (قوله لأن ذلك) أى كون ذلك فىحكم واحد وسبب واحد  (قوله مثل الصوم فى الظهار الخ) أى كما ثبت فى قوله تعالى ” فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل ان يتماسا ”  (قوله وفى التمتع الخ) أى كما ثبت فى قوله تعالى ” فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة اذا رجعتم ” (قوله وأطلق الخ) أى كما ثبت فى قوله تعالى ” فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم “(قوله فلايحمل الخ) أى بل يبقى المطلق على إطلاقه من جهة  اللفظ (قوله حمل المطلق على المقيد) أى قيد المطلق بقيد المقيد. ثم اختلف فيه: هل الحمل من جهة اللغة أو القياس (قوله من قال الخ) أى كالرويانى تبعا للماوردى (قوله من جهة اللغة) أى بمجرد ورود اللفظ من غير حاجة الى جامع بينهما (قوله كالكلمة الواحدة)  أى يفسر بعضها بعضا (قوله  من جهة  القياس) أى قياس المطلق على المقيد بجامع بينهما وهو اتحاد الحكم (قوله  لايجوز حمل الخ) أى فى الصورتين: الأولى وهى اختلاف الحكم مع اتحاد السبب والثالثة وهى اختلاف السبب مع اتحاد الحكم (قوله ذلك) أى حمل المطلق على المقيد فى الصورتين (قوله وذلك) أى الزيادة فى النص (قوله وربما قالوا لأنه حمل منصوص) أى ربما قالت الحنفية فى الرد علينا هذا قياس باطل لأنه حمل منصوص على حكمه بمقتضى إطلاق النص على منصوص على حكمه وهو المقيد فلم يوجد شرط القياس وهو أن يكون الفرع لا نص فيه (قوله من غير علة) أى جامعة بينهما فى الحكم (قوله يحمل عليه) أى على المقيد فى الصورة المذكورة (قوله كتخصيص سائر العمومات) والجواب منع جواز التخصيص بالقياس مطلقا لأنه إنما يجوز اذا كان العام مخصوصا

 

(باب القول فى مفهوم الخطاب)

     اعلم ان مفهوم الخطاب على أوجه: أحدها فحوى الخطاب، وهو مادل عليه اللفظ من جهة التنبيه كقوله عز وجل ” فلاتقل لهما أف ” وقوله تعالى ” ومن أهل الكتاب من إن  تأمنه بقنطار يؤده  إليك ” <78> وما أشبه ذلك مما ينص فيه  على الأدنى لينبه به على الأعلى وعلى الأعلى لينبه به على الأدنى، وهل يعلم مادل  عليه التنبيه من جهة اللفظ أو من جهة القياس ؟ فيه وجهان: أحدهما أنه من  جهة اللغة، وهو قول أكثر المتكلمين وأهل الظاهر. ومنهم من قال هو من جهة  القياس الجلى، ويحكى ذلك عن الشافعى، وهو الأصح لأن لفظ التأفيف  لايتناول الضرب وانما يدل عليه بمعناه  وهو الأدنى فدل على أنه قياس.

——————–

[قوله مفهوم الخطاب] أى كون المسكوت عنه موافقا للمنطوق به فى الحكم (قوله فلا تقل لهما أف) أى فإنه ينبه على تحريم  ضرب الوالدين وأنواع الإيذاء  (قوله ومن أهل الكتاب الخ) أى فإنه يدل على أن من اؤتمن على دينار يرد على المؤتمن بطريق الأولى (قوله من) أى هو عبد الله بن سلام استودعه قريشى ألفا ومائتى أوقية فأداه إليه (قوله بقنطار) أى مال كثير (قوله وما أشبه الخ) ظاهر هذا أن المساوى لا يكون فحوى الخطاب (قوله  فيه) أى فى جواب الإستفهام (قوله أنه من جهة اللغة) أى أن ما دل الخ معلوم من جهة اللغة لأنه مفهوم من فحوى  المنصوص من غير  حاجة إلى تأمل وجامع (قوله هو) أى علم ما ذكر (قوله  القياس الجلى) أى الأولى أوالمساوى المسمى بالجلى لما فيه من إلحاق فرع وهو الضرب ونحوه كما هنا بأصل وهو التأفيف بجامع الإيذاء والحكم الحرمة

 

     (فصل) والثانى لحن الخطاب وهو مادل عليه اللفظ من الضمير الذى لايتم الكلام إلا به، وذلك مثل قوله عز وجل ” فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ” ومعناه فضرب فانفجرت. ومن ذلك أيضا حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كقوله عز وجل ” واسأل القرية ” ومعناه أهل القرية، ولاخلاف ان هذا كالمنطوق به فى الإفادة والبيان، ولايجوز ان يضمر فى مثل هذا إلا ماتدعو الحاجة إليه، فإن استقل الكلام بإضمار واحد لم يجز  ان يضاف اليه غيره الا بدليل، فإن تعارض فيه إضماران أضمر مادل عليه الدليل منهما. وقد حكينا فى مثل هذا <79> الخلاف عمن يقول إنه أضمر فيه ما هو أعم فائدة أو موضع الخلاف وبينا فساد ذلك.

——————–

[قوله لحن الخطاب] أى معناه، قال تعالى ” ولتعرفنهم فى لحن القول ” (قوله من  الضمير) أى المضمر وهو المقدر (قوله أن هذا كالمنطوق) أى وتسمى هذه الدلالة بدلالة الإقتضاء (قوله فإن ستقل الكلام) أى بالإفادة (قوله وقد حكينا) أى فى فصل  وكذلك المجمل من القول الخ (قوله ماهو أعم فائدة) أى حيث لا إجمال فيه لأن إضمار أحد الحكمين ليس بأولى من الآخر (قوله أو موضع الخلاف) أى لأن ماسواه معلوم بالإجماع والمجمع عليه مستغن عن الدليل (قوله وبينا)  أى فى فصل المجمل من القول

 

     (فصل) والثالث دليل الخطاب  وهو أن يعلق الخكم على إحدى صفتي  الشيء فيدل على أن ماعداها بخلافه، كقوله تعالى ” إن جاءكم فاسق بنباء فتبينوا ” فيدل على أنه إن جاء عدل لم يتبين، وكقوله صلى الله عليه وسلم ” فى سائمة الغنم  زكاة ” فيدل على أن المعلوفة لا زكاة فيها. وقال عامة أصحاب أبى حنيفة رحمه الله و أكثر المتكلمين لايدل على أن ماعداه  بحلافه بل حكم ما عداه موقوف على الدليل. وقال أبو العباس بن سريج إن كان بلفظ الشرط كقوله تعالى ” إن جاءكم  فاسق بنباء فتبينوا ” دل على أن ما عداه بخلافه  وإن لم يكن بلفظ الشرط لم يدل، وهو قول بعض أصحاب أبى حنيفة رحمه الله. والدليل على ماقلناه ان الصحابة اختلفت فى إيجاب الغسل من الجماع من غير إنزال ؛ فقال بعضهم لايجب واحتجوا <80> بدليل الخطاب فى قول النبى صلى الله عليه وسلم ” الماء من الماء ” وأنه لما أوجب من الماء  دل على أنه لا يجب من غير ماء ومن أوجب ذكر أن ” الماء من الماء ” منسوخ فدل على ما ذكرناه ولأن تقييد الحكم بالصفة يوجب تخصيص الخطاب فاقتضى بإطلاقه النفى والإثبات كالإستثناء.

——————-

[قوله دليل الخطاب] أى مفهوم المخالفة (قوله فيدل الخ) أى وهو المسمى بمفهوم الصفة، والمراد بالصفة لفظ مقيد لآخر وليس بشرط ولا استثناء ولا غاية (قوله فيدل على أنه الخ) أى لأن التبين مشروط بمجيء الفاسق والمفهوم معتبر على الصحيح فيجب العمل به اذا لم يكن فاسقا لأن حسن الظن يعمل به هنا (قوله فيدل) أى تعليق الحكم على إحدى صفتى الغنم وهى السوم (قوله عامة اصحاب أبى حنيفة) أى وإمام الحرمين والغزالى منا (قوله لايدل) أى تعليق الحكم على إحدى صفتى الشيء (قوله ماعداه) أى ما عدا الموصوف بتلك الصفة (قوله إن كان) أى تعليق الحكم على إحدى صفتى الشيء (قوله بعض أصحاب أبى حنيفة) أى وهو الشيخ الإمام أبو الحسن الكرخى (قوله من الجماع الخ) أى وهو المسمى بالإكسال وهو أن يجامع الرجل فيفتر ذكره بلا إنزال (قوله بدليل الخطاب) أى بمفهوم المخالفة (قوله الماء) أى ماء الغسل (قوله من الماء) أى المنى (قوله من الماء) أى رؤيته (قوله أنه) أى استعمال الماء (قوله من غير ماء) أى من غير رؤيته (قوله أوجب) أى الغسل (قوله ذكر الخ) أى لم يمنع من الإستدلال بمفهوم هذا الحديث لكنه ذكر الخ (قوله منسوخ) أى والناسخ ما رواه أبو هريرة مرفوعا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ” متفق عليه وزاد مسلم ” وإن لم ينزل ” (قوله فدل الخ) أى لاتفاق الفريقين على القول بمفهوم المخالفة (قوله تخصيص الخطاب) أى تخصيص الحكم بمحل النطق والنفى عما عداه (قوله النفى) أى عما عدا  المذكور (قوله الإثبات) أى للمذكور (قوله كالإستثناء) أى كالخطاب المقيد بالإستثناء فإنه يقتضى المخالفة بين المستثنى والمستثنى منه فى الحكم وكذلك الصفة  

 

     (فصل) وأما اذا علق الحكم بغاية فإنه يدل على أن ماعداها بخلافها، وبه قال أكثر من أنكر القول بدليل الخطاب. ومنهم من قال لايدل <81> والدليل على ماقلناه هو  أنه لوجاز أن يكون حكم ما بعد الغاية موافقا لما قبلها  خرج عن أن يكون غاية وهذا لايجوز.

——————-

[قوله بغا ية]  هى مد الحكم بإلى  أو حتى كقوله تعالى ” ثم أتموا الصيام  إلى الليل” و ” فلا تحل له من بعد حتى تنكح  زوجا غيره ” (قوله ما عداها) أى حكمه (قوله به) أى بمفهوم الغاية وهو أقوى من  مفهوم الشرط لما يختص به من الدليل الذى ذكره هنا (قوله أكثر من الخ) أى منهم القاضى أبو بكر الباقلانى والقاضى عبد الجبار وأبو الحسين البصرى فإنهم قالوا بمفهوم الغاية وأنكروا مفهوم الصفة وهوالمراد بدليل الخطاب هنا خاصة لا جميع أنواع مفهوم المخالفة (قوله من قال) أى كأبى العباس بن سريج فإنه أنكر كلا من مفهومى الصفة والغاية(قوله ما قلناه) أى من أن تعليق الحكم بغاية يدل على أن ما عداها بخلافها (قوله خرج الخ) أى خرج الحكم عن كونه مغيا (قوله وهذا) أى خروجه عن كونه غاية (قوله لايجوز) أى لأنه خلاف المفروض والواقع

 

     (فصل) وأما اذا علق الحكم على صفة بلفظ إنما كقوله صلى الله عليه وسلم ” إنما الأعمال بالنيات ” وقوله صلى الله عليه وسلم ” إنما الولاء لمن أعتق ” دل أيضا على أن ما عداها بخلافها، وبه قال كثير ممن لم يقل بدليل الخطاب. وقال بعضهم لايدل على أن ماعداها بخلافها. وهذا خطأ لأن هذه اللفظة لاتستعمل إلا لإثبات المنطوق به ونفى ماعداه، ألا ترى أنه لا فرق بين أن يقول إنما فى الدار زيد وبين أن يقول ليس فى الدار إلا زيد وبين أن يقول إنما الله واحد وبين أن يقول لا إله إلا واحد، فدل على أنه يتضمن النفى والإثبات.

——————-

[قوله الولاء] هو صفة تشبه القرابة (قوله دل الخ) أى لأن إنما تفيد الحصر بالمنطوق أو بالمفهوم على خلاف (قوله ما عداها) أى وهو المحصور فيه (قوله بخلافها) يعنى خلاف الحكم المعلق بالصفة (قوله به) أى بمفهوم الصفة (قوله كثير) أى كالغزالى  وأبى بكر الباقلانى (قوله لايدل الخ) أى لأن إنما تفيد تأكيد الإثبات لا الحصر وهو الصحيح عند النحاة(قوله ما عداها) أى ما عدا المتصف بتلك الصفة (قوله بخلافها) أى بخلاف المتصف بها (قوله لاتستعمل الخ) أى فى اللغة العربية الفصحى بل هى تفيد الحصر بالمنطوق أو المفهوم على خلاف (قوله النفى) أى عن غير المذكور (قوله الإثبات) أى للمذكور

 

     (فصل) فأما اذا علق الحكم على صفة فى جنس كقوله صلى الله عليه وسلم ” فى سائمة الغنم زكاة ” دل ذلك على نفى الزكاة عن معلوفة الغنم دون ماعداها.<82> ومن أصحابنا من قال يدل على نفيها عما عداها فى جميع الأجناس. وهذا خطأ لأن الدليل يقتضى النطق فإذا اقتضى النطق الإيجاب فى سائمة الغنم وجب ان يقتضى الدليل نفيها عن معلوفة الغنم.

——————-

[قوله فأما اذا علق الخ] أى فهل يفيد نفى الزكاة عن المعلوفة  مطلقا أو هو مخصوص بالمعلوفة من الغنم وجهان (قوله دون ماعداها) أى من معلوفة الإبل والبقر (قوله نفيها) أى الزكاة (قوله يدل الخ) أى نظرا الى السوم فقط لترتب الزكاة عليه فى غير الغنم فى غير هذا الحديث (قوله عما عداها الخ) أى عن المعلوفة مطلقا سواء كانت من الإبل والبقر والغنم (قوله يقتضى) لعله يقتفى بمعنى يتبع

 

     (فصل) فإذا علق الحكم على مجرد الإسم مثل أن يقول فى الغنم زكاة فإن ذلك لايدل على نفى الزكاة عما عدا الغنم. ومن أصحابنا من قال يدل كالصفة. والمذهب الأول لأنه يخص الإسم بالذكر وهو وغيره سواء، ألا ترى أنهم يقولون ” إشتر غنما و إبلا وبقرا ” فينص على كل واحد منها مع إرادة جميعها ولايضم الصفة إلى الإسم وهى وغيرها سواء، ألا ترى  أنهم لايقولون ” إشتر غنما سائمة ” وهى والمعلوفة سواء فافترقا. <83>

——————–

[قوله فإذا علق الخ] أى وهذا هو المسمى بمفهوم اللقب أى الإسم الجامد الشامل للعلم الشخصى واسم الجنس (قوله يدل) أى  تعليق الحكم على مجرد الاسم  على ان ماعداه بخلافه (قوله كالصفة) أى وذلك لأن الأسماء موضوعة لتمييز الأجناس والأشخاص كإنسان وزيد والصفات موضوعة لتمييز النعوت والأحوال كطويل وقصير وقائم وقاعد فلما كان التقييد بالصفات يدل على نفيه عما عداه كان التقييد بالإسم كذلك ولأنه لو لم يوجب ذلك لما كان للتخصيص بالذكر فائدة واللازم باطل وكذلك الملزوم (قوله المذهب) أى الصحيح (قوله ألا ترى الخ)  أى فلو كان قولهم إشتر غنما ينفى سواه من الإبل والبقر لكان ذكرهما بعد ذلك تناقضا (قوله ولايضم الخ) أى فلا يقول المتكلم إشتر إبلا سائمة وغيرها لأنه تناقض من المتكلم (قوله وغيرها) أى عدمها (قوله أنهم لايقولون الخ) أى وإنما يقولون ذلك لأن السائمة بخلاف المعلوفة (قوله فافترقا) أى الصفة ومجرد الإسم، فالقياس حينئذباطل 

 

     (فصل) اذا أدى القول بالدليل إلى إسقاط الخطاب سقط الدليل وذلك مثل قوله  صلى الله عليه وسلم ” لاتبع ماليس عندك ” فإن دليله يقتضى جواز بيع ما هو عنده وان كان غائبا عن العين، واذا أجزنا ذلك لزمنا ان نجيز بيع ماليس عنده  لأن أحدا لم يفرق بينهما، واذا أجزنا ذلك سقط الخطاب وهو قوله  صلى الله عليه وسلم ” لاتبع ماليس عندك ” فيسقط الدليل ويبقى الخطاب لأن الدليل فرع  الخطاب ولايجوز أن يعترض الفرع على الأصل بالإسقاط.

——————-

[قوله القول بالدليل] أى العمل بدليل الخطاب الذى هو مفهوم المخالفة بجميع أنواعه(قوله الى إسقاط الخطاب) أى الى مناقضة المنطوق (قوله ماليس عندك) أى ما ليس فى ملكك لأنه سبب الورود(قوله فإن دليله) أى مفهومه المخالف (قوله ماهو عنده) أى ما هو فى ملكه وتحت تصرفه (قوله وان كان الخ) أى مع أن بيع المملوك الغائب عن العين لايجوز إلا فى السلم مع شروطه (قوله لم يفرق بينهما) أى لأن عند تستعمل فى الحاضر القريب وفيما هو فى حوزتك وإن كان بعيدا (قوله لان الدليل) أى دليل الخطاب

 

((الكلام فى المجمل والمبين))

(باب ذكر وجوه المبين)

     فأما المبين فهو ما استقل بنفسه فى الكشف عن المراد ولايفتقر فى معرفة المراد إلى غيره. وذلك على ضربين : ضرب يفيد بنطقه وضرب يفيد بمفهومه. فالذى يفيد بنطقه هو النص والظاهر والعموم. فالنص كل لفظ دل على الحكم بصريحه على وجه لا احتمال فيه، وذلك مثل قوله عز وجل ” محمد رسول الله ” وكقوله تعالى ” ولاتقربوا الزنا ” ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق ” وكقوله  صلى الله عليه وسلم ” فى كل خمس شاة فى أربع وعشرين من الإبل فما دونها الغنم” <84> وغيرذلك من الألفاظ الصريحة فى بيان الأحكام.

——————–

[قوله ما استقل الخ] أى ما يكون كافيا فى إفادة معناه (قوله الظاهر) أى ما احتمل أمرين وهو فى أحدهما أظهر (قوله كقوله صلى الخ) هكذا فى جميع  النسخ وفيه تقديم و تأخير والأصل هكذا: فى أربع وعشرين من الإبل فمادونها الغنم فى كل خمس شاة

 

     (فصل) وأما الظاهر فهو كل لفظ احتمل أمرين وفى أحدهما أظهر كالأمر والنهى وغيرذلك من أنواع الخطاب الموضوعة للمعانى المخصوصة المحتملة لغيرها.

—————–

[قوله وأما الظاهر] أى كلفظ الأسد (قوله وفى أحدهما أظهر) أى وهو فى أحدهما أظهر من الآخر (قوله كالأمر والنهى) أى كصيغتى الأمر والنهى فإن صيغة الأمر عند تجردها عن القرينة تدل على  الوجوب مع  انها  تحتمل  الندب و الإباحة وغيرهما وكذا صيغة النهى فإنها عند تجردها  عن القرينة تدل على التحريم وتحتمل  احتمالا مرجوحا معنى التنزيه (قوله المحتملة) صفة ثانية للأنواع

 

     (فصل) والعموم كل لفظ عم شيئين فصاعدا كقوله تعالى ” اقتلوا المشركين ” وقوله تعالى “والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما” وغير ذلك، فهذه كلها من المبين الذى لايفتقر فى معرفة المراد إلىغيره وإنما يفتقر إلى غيره فى معرفة ماليس بمراد به فيصح الإحتجاج بهذه الأنواع. وقال أبو ثور وعيسى بن أبان العموم اذا دخله التخصيص صار مجملا لا يحتج بظاهره وقال أبو الحسن الكرخى إن خص بدليل متصل لم يصر مجملا وإن خص بدليل منفصل صار مجملا. <85> وقال أبو عبد الله البصرى إن كان حكمه يفتقر إلى شروط كآية السرقة فهى مجملة لايحتج بها إلا بدليل، وإن لم يفتقر إلى شروط لم يصر مجملا. والدليل على ما قلناه هو أن المجمل مالايعقل معناه من لفظه ويفتقر فى معرفة المراد إلى غيره وهذه الآيات يعقل معناها من لفظها ولايفتقر فى معرفة المراد بها إلى غيرها فهى كغيرها من الآيات   

——————-

[ قوله والعموم كل الخ] أى  لغة وأما اصطلاحا فهو شمول الخ كما مر (قوله فهذه) أى النص والظاهر  والعموم (قوله فى معرفة ما ليس بمراد) أى ككون الأمر للندب وكون النهى  للتنزيه وكون  العام مخصوصا وكون الظاهر المراد به المرجوح (قوله بهذه الأنواع) أى الثلاثة وهى النص والظاهر والعموم (قوله أبو الثور وعيس بن أبان)  أى من كبار الحنفية (قوله لايحتج بظاهره) أى مطلقا (قوله إن خص) أى العام (قوله متصل) أى غير مستقل (قوله لم يصر مجملا) أى بل هو حجة يعمل  به (قوله صار مجملا) أى لا يحتج به سواء كان  المخصص متصلا أو منفصلا (قوله إن كان الخ) أى حكم العام يمتنع تعلقه بالإسم العام ويفتقر الخ(قوله كآية سرقة) أى فإن الحكم وهو القطع يفتقر فى تعليقه بعموم اسم السارق الى شروط لاينبىء ظاهر هذا الإسم عنها فلا يكون حجة فمن الشروط اعتبار النصاب وحرز المثل وكون المسروق لاشبهة فيه (قوله وان لم يفتقر) أى تعلق الحكم بالإسم العام، وذلك كقوله تعالى ” اقتلوا المشركين ” فإن لفظ المشركين بعد التخصيص بالذمى ينبىء عن الباقى  الذى هو الحربى  بلا توقف على تأمل فيكون حجة بعد التخصيص (قوله لم يصر) أى العام (قوله ماقلناه) أى من صحة الإحتجاج بهذه الأنواع الثلاثة (قوله وهذه الآيات) أى الثلاث المذكورة وهى آية السرقة وقتل المشركين والزنا

 

     (فصل) وأما مايفيد بمفهومه فهو فحوى الخطاب ولحن الخطاب ودليل الخطاب، وقد بينتها قبل هذا الباب فأغنى عن الإعادة. 

——————

[قوله فحوى  الخطاب] أى وهو المسمى بمفهوم الموافقة (قوله لحن الخطاب) أى ما دل عليه  اللفظ من المضمر الذى لايتم الكلام إلا به ويسمى دلالة اقتضاء  (قوله دليل  الخطاب) أى وهو  المسمى  بمفهوم المخالفة

 

(باب ذكر وجوه المجمل)

     وأما المجمل فهو ما لايعقل معناه من لفظه ويفتقر فى معرفة المراد إلى غيره وذلك على وجوه : منها أن يكون اللفظ لم يوضع للدلالة على شيء بعينه كقوله تعالى ” وآتوا حقه يوم حصاده ” وكقوله  صلى الله عليه وسلم ” أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولو لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها ” <86> فإن الحق مجهول الجنس والقدر فيفتقر إلى البيان.

——————-

[قوله وأما المجمل الخ ] أى اصطلاحا وأما لغة فهو المبهم (قوله فإن الحق الخ) أى فإن الحق الواجب إيتاؤه مجهول الجنس والقدر معا والحق الذى لا عصمة للدم مع   ثبوته  فى   الحديث مجهول الجنس   فقط  (قوله فيفتقر إلى البيان) أى فالحق  فى  الآية بينت  جنسه آية الزكاة وهى قوله تعالى ” وآتوا الزكاة ” ويبن قدره قوله صلى  الله    عليه وسلم ”  فيما سقت السماء العشر ” وبين القدر الذى يؤخذ منه الحق وهو الذى يسمى نصابا قوله صلى الله عليه وسلم ” ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ” وأما الحق فى الحديث المجهول جنسا فقط فقد بينه قوله صلى الله عليه وسلم ” لايحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزانى والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة “

 

     (فصل) ومنها أن يكون اللفظ فى الوضع مشتركا بين شيئين كالقرء يقع على الحيض ويقع على الطهر فيفتقر الى البيان.

——————–

[قوله ومنها] أى من وجوه الإجمال (قوله كالقرء) بفتح القاف  وضمها (قوله فيفتقر الى البيان) أى فحمله الشافعية على الطهر والحنفية على الحيض

 

     (فصل) ومنها أن يكون اللفظ موضوعا لجملة معلومة إلا أنه دخلها إستثناء مجهول كقوله عز وجل ” أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد ” فإنه قد صار مجملا بما دخله من الإستثناء، ومن هذا المعنى العموم إذا علم أنه مخصوص ولم يعلم ماخص منه، فهذا أيضا مجمل لأنه لايمكن العمل به قبل معرفة ما خص منه <87>

—————–

[قوله الأنعام] أى وهى الإبل والبقر  والغنم  (قوله من الإستثناء) أى المجهول، وقد بينه قوله تعالى ” حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم ” الآية (قوله ومن هذا  المعنى) أى من قبيل المجمل بدخول الإستثناء المجهول (قوله فهذا ايضا مجمل) أى كما أن الجملة التى دخلها استثناء مجهول مجملة

 

     (فصل) ومن ذلك أيضا أن يفعل رسول الله صلى اله عليه  وسلم فعلا يحتمل وجهين إحتمالا واحدا مثل ما روى أنه جمع  فى السفر فإنه مجمل لأنه يجوز ان يكون فى سفر طويل أو فى سفر قصير فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر الا بدليل، وكذلك اذا  قضى فى عين تحتمل حالين إحتمالا واحدا مثل ان  يروى ان الرجل أفطر فأمره صلى اله عليه  وسلم بالكفارة فهو مجمل فإنه يجوز أن  يكون أفطر بجماع ويجوز أن يكون أفطر بأكل فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل، فهذه الوجوه لا يختلف المذهب فى إجمالها  وافتقارها إلى البيان.

——————-

[قوله ومن ذلك] أى وجوه الإجمال (قوله إلا بدليل) أى وقد دل الدليل على أن الجمع فى سفر طويل (قوله إلا بدليل) أى وقد دل الدليل على أن الإفطار بالجماع

 

     (فصل) واختلف المذهب فى ألفاظ: فمنها قوله تعالى ” وأحل الله البيع وحرم الربا ” وفيه قولان ؛ قال فى أحدهما هو مجمل لأن الله تعالى أحل البيع  وحرم الربا والربا هو الزيادة وما من بيع إلا وفيه زيادة وقد أحل الله البيع وحرم الربا فافتقر الى بيان مايحل ومايحرم. وقال فى القول الثانى ليس بمجمل، وهو الأصح لان البيع معقول فى اللغة فحمل على العموم الا فيما خصه الدليل

——————–

[قوله فى ألفاظ] أى فى إجمالها (قوله قولان) أى للشافعى  (قوله إلا فيما خصه الدليل) أى وهو قوله  تعالى ” وحرم الربا  “.

 

     (فصل) ومنها الآيات التى ذكر فيها  الأسماء الشرعية وهو قوله عز وجل ” وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ” وقوله ” فمن شهد  منكم  الشهر فليصمه ” وقوله تعالى ”  ولله على الناس حج البيت ” فمن أصحابنا من قال هى  عامة غير مجملة فتحمل الصلاة على كل دعاء والصوم على كل إمساك والحج على كل قصد إلا ما قام الدليل عليه، وهذه طريقة من قال ليس فى الأسماء شيء منقول. <88> ومنهم من قال هى مجملة لأن المراد بها معان لا يدل اللفظ عليها فى اللغة وإنما تعرف من جهة الشرع فافتقر الى البيان كقوله عز وجل ” وآتوا حقه يوم حصاده ” وهذه طريقة من قال إن هذه  الأسماء منقولة وهو الأصح.        

——————–

[قوله ومنها] أى مما اختلف المذهب فى إجماله (قوله منقول) أى من معانيها اللغوية إلى معان شرعية، و إنما الشارع أضاف الى معانيها اللغوية أمورا إعتبرها فيها كشروط وأركان (قوله منقولة) أى من معانيها اللغوية الى  معان شرعية

 

     (فصل)  ومنها الألفاظ التى علق التحليل والتحريم فيها على أعيان كقوله تعالى ” حرمت عليكم الميتة “، فقال بعض أصحابنا إنها مجملة لأن العين لا توصف بالتحليل والتحريم  وإنما الذى يوصف بذلك أفعالنا وافعالنا غير مذكورة، فافتقر إلى بيان مايحرم من الأفعال مما لايحرم. ومنهم من قال إنها ليست بمجملة، وهو الأصح لأن التحليل  والتحريم فى مثل هذا  إذا أطلق عقل منها التصرفات المقصودة فى اللغة ألا ترى أنه اذا قال لغيره حرمت عليك هذا الطعام عقل منه تحريم الأكل، وما عقل المراد من لفظه لم يكن مجملا

——————–

[قوله على أعيان] أى ذوات  (قوله حرمت الخ) أى وكقوله تعالى ” حرمت عليكم أمهاتكم ” و ” أحلت لكم بهيمة الأنعام ” (قوله الميتة) أى تناولها (قوله لأن العين الخ) أى لأنها غير مقدورة لنا (قوله فافتقر الخ) أى ولايجوز تقدير كل الأفعال لاندفاع الحاجة بواحد (قوله فى مثل هذا)  أى تعليقهما على أعيان (قوله عقل) أى فهم عرفا (قوله ألا ترى) أى وقولهم ليس الإضمار لبعض بأولى من الآخر ممنوع بالعرف، فإنه يقتضى إضافة التحليل والتحريم الى الفعل المعين المقصود من تلك المعانى

 

     (فصل) وكذلك اختلفوا فى الألفاظ التى تتضمن نفيا وإثباتا كقوله  صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” إنما الأعمال بالنيات  ” وقوله صلى الله عليه وسلم ” لانكاح إلا بولى ” وما أشبهه ؛ فمنهم من قال إن ذلك مجمل لأن الذى نفاه هو العمل والنكاح وذلك موجود فيجب أن يكون المراد به نفى صفة غير مذكورة فافتقر الى بيان تلك  الصفة. <89> ومنهم من قال ليس بمجمل، وهو الأصح لأن صاحب الشرع لاينفى ولايثبت المشاهدات وإنما ينفى ويثبت الشرعيات، فكأنه قال لا عمل فى الشرع إلا بنية ولانكاح فى الشرع إلا بولى، وذلك معقول من اللفظ فلايجوز ان يكون مجملا.

———————

[قوله وما أشبهه] أى كقوله صلى الله عليه وسلم ” لاصيام لمن لايبيت النية من الليل “(قوله لاعمل) أى صحيح وهذا التقدير أولى لأن تقدير الصحة أقرب  الى  نفى الذات التى هى الحقيقة لأن ما لايصح كالعدم فى عدم الجدوى وهو لايوافق الشرع بخلاف ما لايكمل

 

     (فصل) وكذلك اختلفوا فى قوله صلى الله عليه وسلم ” رفع عن أمتى  الخطأ والنسيان “فمنهم من قال هو مجمل لأن الذى رفعه هو الخطأ وذلك موجود فيجب أن يكون المراد بها معنى غير مذكور فافتقر الى البيان. ومنهم من قال غير مجمل وهو الأصح لأنه معقول المعنى فى اللغة، ألا ترى أنه اذا  قال لعبده رفعت عنك جنايتك عقل منه رفع المؤاخذة بكل مايتعلق بالجناية من التبعات فدل على أنه (غير) مجمل

——————

[قوله والنسيان] تمامه ” وما استكرهوا عليه”  (قوله وذلك موجود) أى متحقق  فى الواقع، فلا بد من تقدير شيء وهو متردد  بين أمور لاحاجة إلى جميعها ولامرجح لبعضها فكان مجملا (قوله فيجب الخ) أى   لتصحيح الكلام (قوله بها) أى  بالخطأ والنسيان ومااستكرهوا  عليه (قوله غير مجمل) أى لأن العرف يقتضى بأن المراد رفع المؤاخذة (قوله معقول   المعنى) أى فمعنى الحديث: رفع عن أمتى المؤاخذة والعقوبة بها (قوله غير) كلمة غير الواقعة بين القوسين ليست موجودة فى جميع النسخ زدناها وهى لازمة

 

     (فصل) وأما المتشابه فاختلف أصحابنا فيه ؛ فمنهم من قال هو والمجمل واحد، ومنهم من قال المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه ومالم يطلع عليه أحدا من خلقه <90> ومن   الناس من قال المتشابه هو القصص والأمثال والحكم والحلال والحرام  ومنهم من قال  المتشابه الحروف المجموعة فى أوائل السور كألمص وألمر وغير ذلك. والصحيح هو الأول لأن حقيقة المتشابه ما اشتبه معناه، وأما ماذكروه  فلا يوصف بذلك.

——————

[قوله هو والمجمل واحد] أى لأن كلا منهما لايعقل معناه من لفظه (قوله المتشابه الخ) أى وعليه الحنفية، وهذه طريقة السلف ومذهب عامة أهل السنة والجماعة حتى حكوا بأن السؤال عنه بدعة بناء على أن الوقف على ” إلا الله ” (قوله ما استأثر الخ) أى  كخروج الدجال (قوله ماذكروه) أى من الأقوال الثلاثة فى معنى المتشابه

 

(باب الكلام فى البيان ووجوهه)

     اعلم أن البيان هو الدليل الذى يتوصل بصحيح النظر إلى ماهو دليل عليه. وقال بعض أصحابنا هو إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلى.

——————-

[قوله البيان الخ] أى اصطلاحا واما لغة فهو عبارة عن الإظهار (قوله يتوصل) أى يمكن أن يتوصل (قوله بصحيح النظر) أى النظر الصحيح فيه (قوله الى ما الخ) أى وهو المطلوب الخبرى (قوله إخراج الخ) أى فالإتيان بالظاهر من غير سبق إشكال يسمى بيانا اصطلاحا (قوله حيز) أى المكان أو الصفة فإضافته الى الإشكال بيانية أى حيز  هو الإشكال

      (فصل) ويقع البيان بالقول ومفهوم القول والفعل والإقرار والإشارة والكتابة فأما البيان بالقول فكقوله صلى الله عليه وسلم ” فى الرقة ربع  العشر ” وقوله صلى الله عليه وسلم ” فى خمس من الإبل شاة “. وأما المفهوم فقد  يكون تنبيها كقوله تعالى ” فلاتقل لهما أف ” فيدل على أن الضرب  أولى بالمنع، وقد يكون دليلا كقوله  صلى الله عليه وسلم ” فى سائمة الغنم زكاة ” فيدل على أنه لازكاة فى المعلوفة. <91> وأما بالفعل فمثل بيان مواقيت الصلاة وأفعالها والحج ومناسكه بفعله صلى الله عليه وسلم. وأما الإقرار فهو كما روى أنه رأى قيسا يصلى بعد الصبح ركعتين فسأله فقال ركعتا الفجر ولم ينكر، فدل على جواز التنفل بعد  الصبح. وأما الإشارة فكما قال صلى الله عليه وسلم ” الشهر هكذا وهكذا ” وحبس إبهامه فى الثالثة. وأما الكتابة  فكما بين فرائض الزكاة وغيرها من الأحكام فى كتب كتبها. وأما القياس فكما نص على أربعة أعيان فى الربا ودل القياس على أن غيرها من المطعومات مثلها.

——————–

[قوله فى الرقة] بكسرالراء وفتح القاف الفضة، والأصل الورق حذفت الواو وعوض عنها الهاء (قوله تنبيها) أى بالأدنى  إلى الأعلى، أو بالأعلى إلى الأدنى (قوله فمثل بيان الخ) أى وكل ذلك مذكور فى كتب الحديث (قوله قيسا) أى  قيس ابن عمرو  (قوله يصلى بعد الصبح الخ) أى وقد كان النبى صلى الله  عليه وسلم نهى عن الصلاة  بعد صلاة  الفجر حتى   تطلع   الشمس (قوله فدل) أى عدم إنكاره (قوله جواز التنفل) أى بنافلة لها سبب (قوله هكذا الخ) أى  فإشارته بالإبهام بالمرة الثالثة تدل على أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين يوما كما أنه  تارة يكون  ثلاثين يوما (قوله فى كتب كتبها) أى وهى مذكورة فى كتب الحديث (قوله نص) أى الشارع فى الحديث (قوله أربعة أعيان) أى من المطعومات وهى التمر والبر والشعير والطمح (قوله مثلها) أى فى حرمة بيعها بجنسها متفاضلا، أو متساوية لكن أحدهما نسيئة

 

(باب تأخير البيان)

     ولايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأنه لايمكن  الإحتفال من غير بيان. وأما تأخيره عن وقت الخطاب ففيه ثلاثة  أوجه: أحدها يجوز، <92> وهو  قول أبى العباس وأبى سعيد الإصطخرى وأبى بكر القفال. والثانى أنه لايجوز، وهو قول أبى بكر الصيرفى وأبى إسحق  المروزى، وهو قول المعتزلة. والثالث أنه يجوز تأخير بيان المجمل ولايجوز تأخير بيان العموم، وهو قول أبى الحسن الكرخى. ومن الناس من قال يجوز ذلك فى الأخبار دون الأمر والنهى. ومنهم من  قال يجوز فى الأمر والنهى دون  الأخبار. والصحيح أنه يجوز فى جميع ما ذكرناه لأن تأخيرها لا يخل بالإمتثال فجاز كتأخير بيان النسخ. 

——————–

[قوله لايجوز] أى لايقع (قوله تأخير البيان) أى لمجمل أو ظاهر لم يرد  ظاهره (قوله عن وقت الحاجة) أى حاجة المكلفين الى الفعل  وهو الوقت الذى قام الدليل  على إيقاع الفعل فيه (قوله لايمكن الخ) أى فيكون تكليفا بما لايطاق وهو لايجوز على الأصح (قوله الإحتفال) هكذا فى أكثر النسخ ولعله الإمتثال (قوله عن وقت  الخطاب) أى بالمجمل أو الظاهر كالعام  إلى وقت الحاجة إلى الفعل(قوله ابى العباس) أى ابن سريج (قوله أبى بكر القفال) أى الأصولى وهو محمد بن على بن إسماعيل الشاشى لا الفقيه(قوله انه  لايجوز) أى لأخلاله بالفهم لأن المجمل لايفهم منه شيء  والظاهر  يفهم منه غير  المراد (قوله تأخير بيان المجمل) أى  عن وقت الخطاب (قوله بيان العموم) أى و بيان المطلق لأن لكل منهما ظاهرا يحمل عليه فلو تأخر بيانهما عن وقت ورود الخطاب بهما لفهم منه غير المراد وعمل بموجبه (قوله أبوبكر الكرخى) أى من الحنفية، فلا يجوز عنده تأخير المخصص المستقل عن العموم، بل لابد من مقا رنته اياه بخلاف مذهبنا الشافعى حيث لا يشترط المقارنة. فيه بل  يجوز التأخير (قوله دون الأمر والنهى) أى لأنهما محل التكاليف اعتقادا وعملا فلايجوز تأخير بيانهما للزوم التكليف بما لايطاق (قوله يجوز فى الأمر والنهى) أى لأن بيانهما يحصل عند الحاجة الى الفعل الذى هو المقصود الأصلى

  

((الكلام  فى النسخ))

(باب بيان النسخ  والبداء )

     والنسخ فى اللغة يستعمل فى الرفع  والإزالة يقال نسخت الشمس الظل ونسخت الرياح الآثار إذا أزالتها، ويستعمل فى النقل يقال نسخت الكتاب اذا  نقلت مافيه وإن لم تزل شيئا عن مواضعه. <93> وأما فى الشرع على الوجه الأول فى اللغة وهو الإزالة فحده الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه. ولايلزم ماسقط عن الإنسان بالموت، فإن ذلك ليس بنسخ لأنه ليس بخطاب. ولا يلزم رفع ماكانوا عليه كشرب الخمر وغيره، فإنه ليس بنسخ لأنه لم يثبت بخطاب. ولايلزم ما أسقطه بكلام متصل كالإستثناء والغاية كقوله تعالى ” ثم اتموا الصيام الى الليل ” فإنه ليس بنسخ لأنه غير متراخ عنه. وقالت المعتزلة هو الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت المنسوخ غير ثابت على وجه  لولاه لكان ثابتا بالنص الأول. وهذا فاسد لأنه اذا حد بهذا لم يكن الناسخ مزيلا لما ثبت بالخطاب الأول لأن مثل الحكم ما ثبت بالمنسوخ حتى يزيله بالناسخ، وقد بينا أن النسخ فى اللغة هو الإزالة والرفع.

——————-

[قوله يستعمل فى النقل] أى ومنه قوله تعالى ” انا كنا نستنسخ ماكنتم  تعملون ” (قوله الخطاب) هذا شامل للفظ والفحوى والمفهوم (قوله على ارتفاع الحكم)  أى من حيث  تعلقه بالفعل (قوله  ثابتا) أى مستمرا فى جميع الأزمنة المستقبلة (قوله ما سقط) أى من الحكم (قوله بالموت) أى والجنون (قوله كانوا) أى فى أيام الجاهلية (قوله كشرب الخمر) أى فإن الناس يشربون الخمر فى أيام الجاهلية (قوله فإنه) أى رفعه بالخطابات الواردة (قوله بخطاب) أى شرعى (قوله هو) أى النسخ (قوله ماثبت) ما نافية 

 

     (فصل) والنسخ جائز فى الشرع. وقالت طائفة من اليهود لايجوز، وبه قال شرذمة من المسلمين. وهذا خطأ لأن التكليف فى قول بعض الناس إلى الله تعالى يفعل ما يشاء، <94> وعلى قول بعضهم التكليف على سبيل المصلحة ؛ فإن كان الى  مشيئته فيجوز أن يشاء فى وقت تكليف فرض  وفى وقت إسقاطه، وإن كان على وجه المصلحة فيجوز أن تكون المصلحة فى وقت فى أمر وفى وقت آخر فى غيره، فلا وجه للمنع منه.

——————-

[قوله جائز] أى جوازا عقليا عند المسلمين (قوله طائفة من  اليهود) وهم الشمعونية (قوله شرذمة من المسلمين) أى جماعة قليلون منهم، قال الآمدى ولم يخالف فى ذلك من المسلمين سوى أبى مسلم محمد بن بحر الأصفهانى المعتزلى الملقب بالجاحظ (قوله بعض الناس) أى وهم أهل السنة والجماعة (قوله إلى الله  الخ) أى بحكم المالكية من غير نظر الى حكمة ومصلحة (قوله بعضهم) أى وهم المعتزلة (قوله تكليف فرض) أى كما لو أمر بصيام فى نهار رمضان ونهى عنه يوم  العيد(قوله فلا وجه للمنع منه) أى من النسخ لأن المصالح مما تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة

 

     (فصل) وأما  البداء فهو أن يظهر له ما كان خفيا عليه من قولهم بدا لى الفجر اذا ظهر له. وذلك لايجوز فى الشرع، وقال بعض الرافضة  يجوز البداء على الله تعالى وقال منهم زرارة بن أعين  فى شعره:

فتلك  أمارات   تجيء  بوقتها><ومالك عما قـدرالله مذهـب

ولولا البـدا  سميته غير هائب><وذكر البدا نعت لمن يتقلـب

ولولا البدا ما كان فيه تصرف><وكان كنار دهـرها تتلهـب

وكان كضوء  مشرق  بطبيعة><وبالله عن ذكر الطبائع يرغب

وزعم بعضهم أنه يجوز على الله تعالى البداء فيما لم يطلع عليه عباده، وهذا خطأ لأنهم إن أرادوا بالبداء مابيناه من أنه يظهر له ما كان خفيا عنه فهذا كفر وتعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا، وإن كانوا أرادوا به تبديل العبادات والفروض فهذا <95> لاننكره إلا أنه لايسمى بداء لأن حقيقة البداء مابينا ولم يكن لهذا القول وجه.

——————–

[قوله خفيا] أى فى الزمان الماضى (قوله ومن قولهم بدا الخ) أى ومنه قوله تعالى “وبدالهم من الله مالم  يكونوا يحتسبون” (قوله الرافضة) هم طائفة من الشيعة (قوله زرارة) هو أبو الحسن عبد الله بن محمد (قوله فى شعره) يخبر  عن علامات ظهور المهدى (قوله فتلك الخ) هذا البيت من زيادتى (قوله سميته) أى وأخبرت عن خروج الإمام المهدى بتعيين (قوله لاننكره) أى بل ذلك جائز (قوله لايسمى بداء) أى بل يسمى نسحا (قوله لهذا القول) أى بجواز البداء له تعالى (قوله وجه) أى دليل صحيح يصح الإعتماد عليه عندنا

 

     (فصل) فأما نسخ الفعل قبل دخول وقته فيجوز، وليس ذلك ببداء. ومن أصحابنا من  قال لايجوز ذلك، وهو قول المعتزلة وزعموا  أن ذلك بداء. والدليل على جواز ذلك ان الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه ثم نسخه قبل وقت الفعل فدل على جوازه. والدليل على أنه  ليس ببداء ما بيناه من أن البداء ظهور ما كان خفيا عنه  وليس فى النسخ  قبل الوقت هذا المعنى.

——————–

[قوله نسخ الفعل] أى بعد علم المكلف بوحوبه عليه (قوله قبل دخول وقته) أى قبل التمكن من فعله، أما بعده فلا خلاف (قوله من قال) وهو أبو بكر الصيرفى (قوله لايجوز) أى لعدم استقرار التكليف وهو إنما يستقر بعد دخول الوقت ومضى زمان يسع، ورفعه قبل ذلك رفع لما لم يستقر فلا يجوز عقلا. والجواب منع توقف الجواز العقلى على استقرار التكليف وانما يتوقف على وجود اصل التكليف، وفائدته الإبتلاء للعزم ووجوب الإعتقاد  (قوله بذبح ابنه)  وهو اسماعيل عليه  السلام  عند حمهور العلماء وقيل إسحاق عليه السلام (قوله قبل وقت الفعل)  أى قبل التمكن من الفعل (قوله هذا المعنى) أى ظهور ماكان خفيا عنه

 

(باب بيان ما يجوز نسخه من الأحكام ومالايجوز)

     اعلم أن النسخ لايجوز إلا فيما يصح وقوعه على وجهين كالصوم والصلاة والعبادات الشرعية. فأما ما لا يجوز أن يكون إلا على وجه واحد مثل التوحيد وصفات الذات كالعلم  والقدرة وغيرذلك فلا يجوز فيه النسخ. <96> وكذلك ما أخبر الله عز وجل عنه من أخبار القرون الماضية والأمم السالفة، فلايجوز فيها النسخ وكذلك ما أخبر عن وقوعه فى المستقبل كخروج الدخال وغير ذلك، لم يجز فيه النسخ. وحكى إن أبى بكر الدقاق أنه قال ما ورد من الأمر بصيغة الخبر كقوله عز وجل ” والمطلقات  يتربصن بأنفسهن  ثلاثة قروء ” لايجوز نسخه.ومن الناس من قال لايجوز مطلقا. والدليل على القائل الأول أن قوله تعالى ” والمطلقات يتربصن ” وإن كان لفظه لفظ  الخبر إلا أنه أمر، ألا ترى أنه يجوز أن يقع فيه المخالفة،  ولو كان خبرا لم يصح أن يقع فيه المخالفة، واذا ثبت أنه أمر  جاز نسخه كسائر الأوامر. والدليل على القائل الآخر أنا إذا جوزنا النسخ فى الخبر صار أحد الخبرين كذبا وهذا لايجوز.

——————–

[قوله فيما] أى حكم شرعى (قوله على وجهين) أى المشروعية وعدمها أو التوقيت والتأبيد  (قوله كالصوم الخ)  أى فإن الصوم والصلاة والعبادات الشرعية يصح ان  تكون مؤقتة الى غاية ويحتمل أن لا تكون كذلك (قوله  وغير ذلك) أى مما يؤدى نسخه إلى كذب (قوله بصيغة الخبر) وعدوله تعالى فى الآية الى المضارع لسرعة امتثال المكلف لأنه اذا ورد الإنشاء بصيغة الخبر كان أدعى للمكلف فى قبول الإمتثال (قوله مطلقا) أى  سواء كان ماضيا أو مستقبلا وعدا أو وعيدا، وعليه الإمام الرازى(قوله إلا أنه أمر) أى معناه معنى الأمر فهو انشاء معنى والنظر إلى المعنى لا إلى  اللفظ (قوله أحد الخبرين) أى الناسخ  والمنسوخ (قوله صار الخ) أى وإلا لزم اجتماع نقيضين

 

 

     (فصل) وكذلك لايجوز نسخ الإجماع لأن الإجماع لايكون إلا بعد موت رسول الله  صلى الله  عليه وسلم والنسخ لايجوز بعد موته.

———————

[قوله وكذلك] أى عدم جواز النسخ (قوله نسخ الإجماع) أى نسخ الحكم الثابت بالاجماع (قوله والنسخ الخ) أى والناسخ لابد أن يكون متأخرا، ولو كان متقدما على ذلك الإجماع لكان إجماعهم على خلاف ما اقتضاه خطاء، وهو غير متصور من الأمة

 

     (فصل) وكذلك لايجوز نسخ القياس لأن القياس تابع الأصول والأصول <97> ثابتة فلا يجوز نسخ تابعها. فأما اذا ثبت الحكم فى عين بعلة وقيس عليها غيرها ثم  نسخ الحكم فى تلك العين بطل الحكم فى الفرع المقيس عليه.ومن أصحابنا من قال لايبطل وهو قول أصحاب أبى حنيفة رحمه الله، وهذا غير صحيح لأن الفرع تابع للأصل فإذا بطل الحكم فى الأصل بطل  فى الفرع.

———————

[قوله كذلك] أى عدم جواز النسخ (قوله نسخ  القياس) أى نسخ الحكم الثابت بالقياس مطلقا (قوله ثابتة) أى دائمة وباقية  فيدوم حكم القياس بدوامها (قوله تابعها) أى مع بقائها (قوله نسخ الحكم) أى بنص آخر مشتمل على علة متحققة فى الفرع المقيس عليه (قوله لايبطل) أى الحكم فى الفرع المقيس عليه

 

(باب بيان وجوه النسخ)

     (فصل) اعلم أن النسخ يجوز فى الرسم دون الحكم كآية ” الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة ” فهذا نسخ رسمه، وحكمه باق. ويجوز فى الحكم دون الرسم كالعدة كانت حولا ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا، ورسمها باق وهو قوله ” متاعا إلى الحول غير إخراج “. ويجوز فى الرسم والحكم كتحريم الرضاع، <98> كان بعشر رضعات وكان مما يتلى فنسخ الرسم والحكم جميعا. وذهب طائفة إلى أنه لايجوز نسخ الحكم  وبقاء التلاوة لأنه يبقى الدليل ولامدلول معه. وقالت طائفة  لايجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم تابع للتلاوة فلايجوز ان يرتفع الأصل ويبقى التابع. وهذا خطأ لأن التلاوة والحكم فى الحقيقة حكمان فجاز رفع أحدهما وتبقية الآخر كما تقول فى عبادتين يجوز أن تنسخ احداهما وتبقى الأخرى        

———————

[قوله فى الرسم دون الحكم] أى فلا يثبت للمنسوخ رسما ماثبت للقرآن من الأحكام(قوله كآية  الشيخ الخ)  فقد روى إمامنا الشافعى والترمذى وغيرهما عن عمر رضى الله عنه انه قال مما أنزل الله فى كتابه ” الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة ” والمراد بالشيخ والشيخة المحصن والمحصنة (قوله وحكمه باق) أى لأنه صلى الله عليه وسلم قد رجم المحصنين كماأحرجه الشيخان(قوله كالعدة) أى لقوله  تعالى ” والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لأزواجهم متاعا  إلى الحول غير  اخراج ” (قوله ثم نسخت بأربعة أشهر)  أى لقوله تعالى ” والذين   يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة  أشهر وعشرا ” (قوله ورسمها) أى رسم آية  العدة فى الحول (قوله كتحريم الرضاع الخ) فقد روى مسلم عن عائشة رضى الله   عنها أنها قالت  ” كان فيما أنزل عشر  رضعات  يحرمن ” فتوفى رسول الله صلى الله  عليه  وسلم وهى تتلى فى  القرآن (قوله جميعا) أى فنسخ رسم العشر وحكمه معا، وأماالخمس  فنسخ رسمه وبقى حكمه لأن الصحابة لما جمعوا  القرآن لم يثبتوها رسما، وحكمها باق عندهم (قوله حكمان) أى أمران مستقلان لا تلازم بينهما فى الوجود ولا فى الإنتفاء

 

     (فصل) ويجوز النسخ إلى غير بدل كالعدة نسخ مازاد على أربعة أشهر وعشرا  إلى غير بدل. ويجوز  النسخ إلى بدل كنسخ القبلة من بيت المقدس  إلى الكعبة. ويجوز النسخ إلى أخف من المنسوخ  كنسخ مصابرة الواحد للعشرة نسخ إلى اثنين. ويجوز إإلى ما هو أغلظ منه كالصوم  كان مخيرا بينه وبين الفطر  ثم نسخ إلى الإنحتام بقوله عز وجل ” فمن شهد  منكم  الشهر فليصمه “. ويجوز النسخ  فى الحظر  إلى الإباحة كقوله  تعالى ” علم  الله انكم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن  باشروهن ” حرم عليهم المباشرة ثم أبيح لهم ذلك.<99> وقال بعض أصحابنا لايجوز النسخ الى ما  هو أغلظ من المنسوخ، وهو قول أهل الظاهر. وهذا خطأ لأنا وجدنا ذلك فى الشرع وهو التخيير بين الصوم  والفطر الى انحتام الصوم ولأنه اذا جاز أن يوجب تغليظا لم يكن فلأن يجوز أن ينسخ واجبا بما هو أغلظ أولى  

———————-

[قوله ويجوز الخ] أى وعليه الجمهور (قوله  إلى غير بدل) أى من حكم  شرعى (قوله كالعدة) أى وكصدقة النجوى (قوله ويجوز الخ) وهذا لاخلاف فيه (قوله نسخ القبلة)  أى كنسخ استقبال القبلة، فقد روى البخارى عن  البراء أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم  صلى  نحو  بيت المقدس ستة عشر شهرا وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه الى الكعبة فأنزل الله تعالى ” قد  نرى تقلب وجهك فى السماء  فلنولينك قبلة ترضاها ” الآية (قوله النسخ الى أخف) أى نسخ الأشد الى الأخف (قوله الى اثنين) أى الى مصابرة اثنين للعشرة (قوله ويجوز الخ) وعليه الجمهور خلافا للظاهرية (قوله الى ما هو أغلظ) أى نسخ الأخف الى ما الخ (قوله وبين الفطر)  أى مع الفدية لقوله تعالى ” وعلى الذين يطيقونه  فدية طعام مسكين ” قوله يطيقونه أى لا يطيقونه  (قوله  ثم نسخ) أى كونه مخيرا بين  الصوم والفطر (قوله حرم الخ) أخرج البخارى عن البراء قال كان لما نزل صوم رمضان كانوا لايقربون النساء رمضان كله فكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله ” علم الله ” الخ (قوله والمباشرة) أى مباشرة النساء (قوله لايجوز الخ) أى واستدلوا  على هذا بقوله تعالى ” يريد  الله بكم اليسر و لايريد بكم العسر” والنقل الى الأثقل والأغلظ تعسير.

 

(باب بيان ما يجوز به النسخ ومالايجوز)

     ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب لقوله تعالى  ” ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها “.

——————-

[قوله نسخ الكتاب بالكتاب] أى نسخ بعض آى الكتاب ببعضها (قوله بخير) أى فى النفع والثواب او فى أحدهما فقط

 

     (فصل)  وكذلك يجوز نسخ السنة بالسنة كما يجوز نسخ  الكتاب بالكتاب؛ الآحاد بالآحاد، والتواتر بالتواتر، والآحاد بالتواتر.فأما التواتر بالآحاد فلا يجوز لأن التواتر يوجب العلم فلا يجوز نسخه بما يوجب الظن.

——————–

[قوله الآحاد] أى وهو ما لم يروه جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب (قوله فلا يجوز) أى وقوعه عند الجمهور وأما جوازه  عقلا فلا خلاف (قوله العلم) أى علم اليقين

 

     (فصل) ويجوز نسخ الفعل بالفعل لأنهما كالقول مع القول، <100> وكذلك نسخ القول بالفعل، والفعل بالقول. ومن الناس من قال لايجوز نسخ القول بالفعل. والدليل على جوازه ان الفعل كالقول فى البيان فكما يجوز بالقول جاز بالفعل.

——————–

[قوله نسخ الفعل بالفعل الخ] أى فعل الرسول، مثاله ما ثبت فى الصحيح من قيامه صلى الله  عليه وسلم للجنازة ثم ترك فكان ذلك ناسخا (قوله نسخ القول بالفعل) مثاله أنه صلى الله عليه وسلم قال ” الثيب بالثيب جلد مائة والرجم ” ثم رجم ماعزا ولم  يجلده فكان ذلك ناسخا لجلد من ثبت عليه الرجم (قوله فكما يجوز) أى النسخ أو البيان

 

     (فصل) وأما نسخ السنة بالقرآن ففيه  قولان: أحدهما لايجوز لأن الله تعالى جعل السنة بيانا للقرآن  فقال تعالى ” لتبين للناس مانزل اليهم  ” فلو جوزنا  نسخ السنة بالقرآن لجعلنا القرآن بيانا للسنة. والثانى أنه  يجوز.  وهو الصحيح  لأن القرآن أقوى من السنة، فإذا جاز نسخ السنة بالسنة فلأن يجوز بالقرآن أولى.

——————–

[قوله لجعلنا القرآن بيانا للسنة] أى والشيء الواحد  يكون مبينا ومبينا. قلنا لامانع من كون  القرآن بيانا  للسنة لأنهما معا من عند الله فيجوز ان يكون كل منهما مبينا  للآخر، فالمراد  بالذكر فى الآية المذكورة هو المنزل أعم من أن يكون قرآنا أو سنة وقد   قال تعالى ” ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ” والسنة من جملة الشيء  (قوله والثانى أنه يجوز) أى وعليه جمهور الفقهاء والشافعية كنسخ تحريم مباشرة الصائم أهله ليلا بالسنة بقوله تعالى ” أحل لكم ليلة  الصيام الرفث  الى نسائكم ” (قوله فلأن يجوز) أى نسخ السنة (قوله أولى) أى ولأن الناسخ فى الحقيقة هو الله والكل من عنده

 

     (فصل) وأما نسخ القرآن بالسنة فلايجوز من جهة السمع. ومن أصحابنا من قال لايجوز  من جهة السمع  ولا من جهة العقل. والأول أصح وقال أصحاب أبى حنيفة يجوز بالخبر المتواتر، وهو قول  أكثر المتكلمين، <101> وحكى ذلك  عن أبى العباس  بن سريج. والدليل على ذلك  من جهة العقل  أنه ليس فى العقل ما يمنع جوازه، والدليل  على أنه لايجوز من جهة السمع  قولع  تعالى ” ما ننسخ من  آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ” والسنة ليست مثل القرآن ألا ترى أنه لايثاب على تلاوة السنة كما يثاب على تلاوة القرآن ولا إعجاز فى لفظه كما فى لفظ القرآن، فدل على أنه ليس مثله

———————

[قوله بالسنة] أى مطلقا (قوله من جهة السمع) أى من جهة أدلة السمع، وأما من جهة العقل فيجوز (قوله الأول) أى القول بعدم  الجواز سمعا (قوله أصح) أى للأدلة السمعية على امتناعه منها ما يأتى (قوله ذلك) أى جواز نسخه بها عقلا (قوله فدل) أى هذا الدليل (قوله أنه) أى ماذكر من السنة

 

     (فصل) وأما النسخ  بالإجماع فلا يجوز لأن الإجماع حادث بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم  فلا يجوز أن ينسخ  ما يتقرر فى شرعه، ولكن يستدل بالإجماع على النسخ، فإن الأمة لا تجتمع على الخطأ، فإذا رأيناهم قد أجمعوا على خلاف ما ورد به الشرع  دلنا ذلك على أنه منسوخ.

——————-

[قوله بالإجماع ] أى على حكم معارض لحكم آخر (قوله يستدل الخ) أى فالإجماع حينئذ كاشف عن التأخر والنسخ لا أنه ناسخ (قوله ذلك) أى الإجماع على خلاف ما ورد به الشرع (قوله منسوخ) أى بنص هو مستند اجماعهم

 

     (فصل) ويجوز النسخ بدليل الخطاب لأنه معنى النطق على المذهب الصحيح. ومن أصحابنا من جعله كالقياس، فعلى هذا لايجوز النسخ به، والأول أظهر. وأما النسخ  بفحوى الخطاب وهو التنبيه فلا يجوز لأنه قياس. <102> ومن أصحابنا من قال يجوز النسخ به لأنه كالنطق.

——————-

[قوله بدليل الخطاب] أى بمفهوم المخالفة (قوله لأنه فى معنى النطق) أى لأن اللفظ يدل عليه التزاما (قوله جعله كالقياس) أى فى عدم جواز النسخ به (قوله فعلى هذا) أى جعله كالقياس (قوله والأول) أى القول بجوازه (قوله بفحوى الخطاب) أى بمفهوم الموافقة (قوله التنبيه) أى بالأدنى على الأعلى أو بالمساوى على المساوى (قوله لأنه قياس) أى جلى، والقياس لاينسخ به لأنه إن عارض نصا او اجماعا لم يعتبر به معهما، وإن عارض قياسا فإن كان أحدهما راجحا تعين العمل به وإن استويا وجب الترجيح (قوله كالنطق)  أى بل قد يكون أقوى منه كتحريم  الضرب    

 

     (فصل) ولايجوز  النسخ  بالقياس. وقال بعص أصحابنا يجوز بالجلى منه دون الخفى ومن الناس من قال يجوز بكل دليل يقع  به البيان والتخصيص. وهذا خطأ  لأن القياس إنما يصح اذا لم يعارضه  نص، فإذا كان هناك نص يخالف القياس لم يكن للقياس حكم فلايجوز النسخ به.

——————-

[قوله ولايجوز النسخ] أى للنص أو الإجماع أو القياس، فلا يجوز نسخ شيء من هذه بالقياس حذرا من تقديم على النص الذى هو اصل فى الجملة، ولأنه حينئذ فاسد الوضع لأن شرطه ان لايكون فى الأصل ما يخالفه، ولأنه ظنى ونسخ المقطوع بالمظنون لايجوز (قوله بالجلى) أى وهو ما قطع فيه بنفى الفارق (قوله نص) أى من كتاب وسنة و اجماع 

 

     (فصل) ولايجوز النسخ بأدلة العقل لأن دليل العقل ضربان: ضرب لايجوز أن  يرد الشرع بخلافه، فلايتصور  نسخ  الشرع به. وضرب يجوز أن يرد  الشرع بخلافه، وهو  البقاء  على حكم الأصل، وذلك إنما يوجب العمل به عند عدم الشرع، فإذا وجد الشرع بطلت دلالته فلايجوز النسخ به.

——————-

[قوله ضرب لايجوز الخ] مثاله ما دل عليه العقل من وجوب اتصاف الله تعالى بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص (قوله وضرب يجوز الخ) أى فهذا الضرب من دليل العقل لايجوز النسخ به

 

(باب مايعرف به الناسخ من المنسوخ)

     واعلم أن النسخ قد  يعلم بتصريح النطق كقوله عز وجل ” الآن خفف  الله عنكم  “، وقد يعلم بإجماع وهو أن تجمع  الأمة على خلاف ما ورد من الخبر فيستدل بذلك على أنه منسوخ لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ، <103> وقد يعلم بتأخير أحد اللفظين عن الآخر مع التعارض وذلك مثل ما روى أنه قال ” الثيب بالثيب جلد مائة والرجم ” ثم روى أنه رجم ماعزا ولم يجلده  فدل على ان الجلد منسوخ.

——————–

[قوله النطق] أى لفظ المنطوق (قوله الآن الخ) أى فإنه يقتضى نسخ ثبات  الواحد للعشرة كما مر (قوله على أنه منسوخ) أى فالإجماع على أن له ناسخا لا على انه هو  الناسخ كإجماع الصحابة على نسخ وجوب صوم  عاشوراء (قوله بتأخير احد اللفظين) أى فى الورود والنزول وإن كان متقدما فى التلاوة (قوله تعارض) أى الذى لا يمكن معه الجمع  بينهما (قوله الثيب بالثيب) أى حد زنا الثيب بالثيب (قوله ماعزا) اسمه غريب بن مالك الأسلمى (قوله فدل) أى عدم الجلد

 

     (فصل) ويعلم التأخير فى الأخبار بالنطق كقوله صلى الله عليه  وسلم ”  كنت نهيتكم عن  زيارة القبور فزوروها “، ويعلم بإخبار الصحابة أن هذا نزل بعد هذا و ورد هذا بعد هذا كما روى ” أنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار “. فأما اذا كان راوى أحد الخبرين أقدم صحبة والآخر أحدث صحبة كابن مسعود وابن عباس لم يجز نسخ خبر الأقدم بخبر الأحدث لأنهما عاشا الى ان مات رسول الله صلى الله عليه وسلم،  فيجوز أن يكون الأقدم سمع ما رواه بعد سماع الأحدث، ولأنه يجوز ان  يكون الأحدث أرسله عمن قدمت صحبته ولاتكون روايته متأخرة عن رواية الأقدم فلايجوز النسخ مع الإحتمال. وأما اذا كان راوى أحد الخبرين أسلم بعد موت الآخر أو بعد قصته مثل ماروى طلق بن على ان النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن مس الذكر وهو يبنى مسجد المدينة فلم  يوجب  منه الوضوء وروى أبو هريرة إيحاب الوضوء وهو <104> أسلم عام حنين  بعد بناء المسجد، فيحتمل ان  ينسخ حديث طلق بحديثه لأن الظاهر أنه لم يسمع مارواه  إلا بعد هذه القصة فنسخه ويحتمل أن لاينسخ لجواز ان يكون قد سمعه قبل أن يسلم و أرسله عمن قدم اسلامه. 

——————-

[قوله كنت الخ] تمام الحديث  ” فإنها  تذكر الآخرة ” (قوله ويعلم بإخبار الخ) أى ومنه ما يعرف بالتاريخ وهو كثير (قوله كابن مسعود) أى فإنه أقدم صحبة من  ابن  عباس (قوله يجوز) أى يحتمل (قوله أرسله) أى رواه مرسلا (قوله طلق بن على) أى بن منذر (قوله ايجاب الوضوء) أى من مس الذكر(قوله عام حنين) وهو السنة الثامنة من  الهجرة (قوله بعد بناء المسجد) وهو السنة الأولى من الهجرة 

 

     (فصل) فأما اذا قال الصحابى  هذه الآية منسوخة أو هذا الخبر منسوخ لم يقبل منه حتى يبين الناسخ فينظر فيه. ومن الناس من قال ينسخ بخبره ويقلد فيه. ومنهم من قال إن ذكر الناسخ لم يقلد بل ينظر فيه، وإن لم يذكر الناسخ نسخ وقلد فيه. والدليل على انه لايقبل هو انه يجوز ان يكون قد اعتقد النسخ بطريق لا يوجب النسخ ولا يجوز ان يترك الحكم الثابت من  غير نظر  وبالله التوفيق.

———————

[قوله لم يقبل منه] أى بخلاف ما لو قال هذا بعد ذاك او ورد هذا بعد ذاك فإنه يقبل بالإتفاق لأنه إخبار عدل لا مساغ للرأى فيه (قوله ومن الناس) أى العلماء (قوله من قال) أى وهم الحنفية (قوله فيه) أى فى خبره لأن الناسخ لا يكون الا عن علم بالتاريخ والتعارض (قوله ذكر الناسخ) أى وعينه (قوله انه) أى قول الصحابى المذكور (قوله يجوز الخ) ورد بأن هذا الإحتمال غير ثابت فلا يعارض الظهور

 

(باب الكلام فى نسخ بعض العبادة والزيادة فيها )

     اذا نسخ شيئا يتعلق بالعبادة لم يكن ذلك نسخا للعبادة. ومن الناس من قال إن ذلك  نسخ للعبادة. ومن الناس من  قال إن كان ذلك بعضا من العبادة <105> كالركوع والسجود من الصلاة كان ذلك نسخا لها، وإن كان شيئا منفصلا منها كالطهارة لم  يكن نسخا لها. وقال بعض المتكلمين إن كان ذلك مما لايجزئ العبادة قبل النسخ به إلا به كان نسخا لها سواء كان جزءا منها أو منفصلا عنها، وإن  كان مما تجزئ العبادة قبل النسخ مع عدمه كالوقوف على يمين الإمام ودعاء التوجه وما أشبهه لم يكن ذلك نسخا لها. والدليل  على أن ذلك ليس بنسخ أن الباقى من الجملة على ما كان عليه لم يزل فلم يجز أن يجعل منسوخا كما لو أمر بصوم وصلاة ثم نسخ أحدهما.

——————-

[قوله اذا نسخ] أى الشارع (قوله شيئا) أى سواء كان هذا الشيء شرطا للعبادة كالوضوء للصلاة أو شطرا منها كركعة منها (قوله لم يكن الخ) أى لأنه لوكان نسخا فى العبادة بأجمعها لافتقرت فى وجوبها  الى دليل آخر  غير الأول وهو باطل اتفاقا، بل كان ذلك نسخا لذلك الشيء اتفاقا بيننا وبين الحنفية (قوله ومن قال) أى وهم الحنفية (قوله ذلك) أى المنسوخ (قوله للعبادة)  أى بأجمعها لأن الواجب كان هو الكل ولا وجود ولاصحة له شرعا بدون جزئه وشرطه وبعد نسخ الشرط أو الشطر صار الباقى واجبا موصوفا بالصحة والإجزاء بدون ذلك الشرط أو الشطر  بعد أن كان لايصح بدونه، فقد ارتفع حكم وهو عدم الصحة بدون ذلك وثبت حكم وهو الصحة بدونه (قوله من قال) وهو القاضى عبد الجبار من المعتزلة (قوله ذلك) أى المنسوخ (قوله ان  ذلك) أى نسخ البعض(قوله كان ذلك نسخا لها) أى لان العبادة هى المجموع من الأجزاء لامجرد الباقى (قوله مما لاتجزىء الخ) أى ما يتوقف صحة المشروع عليه داخلا كان فيه أو خارجا عنه (قوله دعاء  التوجه) وهو ما يقوله  المصلى بعد تكبيرة الإحرا م ” إنى وجهت وجهى ” الخ  (قوله ما أشبهه) أى مما لايتوقف عليه  صحة العبادة المشروعة (قوله لها) أى للعبادة بأجمعها (قوله الباقى) أى بعد النسخ (قوله ما كان عليه) أى من الوجوب بالوجوب الأول ولم يتجدد له وجوب (قوله كما لو أمر الخ) أى فلا يكون نسخ أحدهما نسخا للآخر. واعترض بأن هذا قياس مع الفارق فإنه لا خلاف فى أن العبادة المستقلة نسخها وحدها لا يوجب نسخ الأخرى  

 

     (فصل) فأما اذا زاد فى العبادة شيئا لم يكن ذلك نسخا.وقال أهل العراق <106> إن كانت الزيادة توجب تغيير الحكم المزيد عليه كإيجاب النية فى الوضوء والتغريب فى الحد كان نسخا، وإن كان ذلك فى نص القرآن لم  يجز بخبر الواحد والقياس. وقال بعض المتكلمين إن كانت الزيادة  شرطا فى المزيد كزيادة ركعة فى الصلاة  كانت نسخا، وإن لم تكن  شرطا فى المزيد لم تكن نسخا. والدليل على ماقلناه  هو ان النسخ هو الرفع والإزالة، وهذا لم  يرفع شيئا ولم يزله  فلم يكن  ذلك نسخا.

———————

[قوله زاد] أى الشارع (قوله شيئا) أى على انه شرط فيها أو شطر منها وكان متأخرا عن المزيد عليه بزمان يصح القول بالنسخ كزيادة التغريب فى الحد (قوله نسخا) أى للعبادة المزيد عليها لأن حقيقة النسخ وهى رفع أو تبديل لم توجد فى هذه الزيادة لأن الزيادة تقرير للحكم وضم حكم آخر اليه والتقرير ضد الرفع (قوله توجب تغيير الخ) أى كزيادة الجزء والشرط والصفة (قوله تغيير) وفى أكثر النسخ تعيين وهو تحريف (قوله كان نسخا) أى للمزيد عليه لأن النص اذا ورد مطلقا عن الزيادة كان دالا على الإجزاء بدونها أو معها والتقييد بالزيادة ينافيه لأنه يقتضى عدم الإجزاء بدونها فهذا التقييد رافع للحكم الثابت وهو الإجزاء بدونها (قوله نص القرآن) أى المفيد للعلم (قوله لم يجز الخ) أى خلافا للشافعى فإنها لما كانت عنده بيانا محضا جازت بهما كما ذهب اليه فى تخصيص العام (قوله والقياس) أى المفيد للظن (قوله  شرطا) لعله شطرا (قوله كانت نسخا) أى لأنه يلزم من انتفاء الجزء انتفاء الكل (قوله وإن لم تكن شرطا) لعله شطرا كما تقدم أى بأن كانت شرطا (قوله وهذا) أى ماذكر من الزيادة (قوله ذلك) أى الزيادة

 

(باب القول فى شرع من قبلنا وماثبت فى الشرع  ولم  يتصل بالأمة)

     اختلف أصحابنا فى شرع  من قبلنا على ثلاثة أوجه: فمنهم من قال ليس بشرع لنا. ومنهم  من قال هو شرع لنا إلا ماثبت نسخه. <107> ومنهم من قال شرع إبراهيم صلوات الله عليه وحده شرع لنا دون  غيره. ومنهم من قال شرع موسى شرع لنا إلا ما نسخ بشريعة عيسى صلوات الله عليه. ومنهم من قال شريعة  عيسى صلى الله عليه وسلم شرع لنا دون غيره. وقال الشيخ الإمام رحمه الله  ونور ضريحه: والذى نصرت فى التبصرة أن الجميع شرع لنا إلا ماثبت نسخه، والذى يصح الآن  عندى أن شيئا من ذلك ليس بشرع  لنا. والدليل عليه ان رسول الله صلى الله عليه  وسلم لم يرجع  فى شيء من الأحكام  ولا أحد من الصحابة الى شيء من كتبهم و لا الى خبر من  أسلم منهم،  ولو كان ذلك  شرعا لنا لبحثوا عنه ورجعوا إليه، ولما لم يفعلوا ذلك دل ذلك على ماقلناه.

———————-

[قوله فى شرع من قبلنا] أى هل هو شرع لنا أو لا (قوله ولم يتصل بالأمة) أى هل ثبت فى حق الأمة أو لا (قوله ليس بشرع لنا)  أى فلكل نبى شريعة تنتهى بوفاته أو بعثة نبى آخر لقوله تعالى ” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ” أى طريقا واضحا (قوله هو شرع لنا الخ) أى فكل شريعة نبى من الأنبياء السابقين باقية فى حق من بعده الى قيام الساعة  حتى يقوم الدليل على النسخ لقوله تعالى ” اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ” والهدى اسم للإيمان والشرائع (قوله شرع ابراهيم  الخ) أى لقوله تعالى “ان اتبع ملة ابراهيم حنيفا” و “ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه” (قوله شرع موسى الخ) أى لفوله تعالى “انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور ” (قوله شريعة عيسى الخ) أى لأن شريعته آخر الشرائع قبل شريعته صلى الله عليه وسلم(قوله الجميع) أى جميع شرع من قبلنا (قوله أن رسول الله الخ) أى فلو كان متبعدا للزمه مراجعتها والبحث عنها ولكان لاينتظر الوحى (قوله ذلك) أى البحث والرجوع (قوله ما قلناه) أى ليست شريعة من قبلنا بشريعتنا. وأما ما مر من الآيات فالمراد وجوب المتابعة فيما لايختلف باختلاف الشرائع وهو اصول الديانات والكليات الخمس: حفظ النفوس والعقول والأموال والأنساب والأعراض 

 

      (فصل) ما ورد به الشرع أو نزل به الوحى على الرسول صلى الله  عليه وسلم ولم يتصل  بالامة من حكم مبتدأ أو نسخ أمر كانوا عليه فهل يثبت ذلك فى حق الأمة ؟  فيه وجهان: من أصحابنا من قال انه يثبت  فى حق الأمة، <108> فإن  كانت فى عبادة وجب القضاء. ومنهم  من قال لايجب القضاء. وهو الصحيح لأن القبلة قد حولت الى الكعبة وأهل قباء يصلون الى بيت المقدس فأخبروا بذلك وهم فى الصلاة فاستداروا ولم يؤمروا  بالإعادة، فلو كان قد ثبت فى حقهم ذلك لأمروا بالقضاء.

——————-

[قوله ولم يتصل بالأمة] أى فلم يعلموه (قوله فيه) أى فى جواب الاستفهام (قوله قد حولت) أى من بيت المقدس (قوله يصلون) أى صلاة الظهر (قوله بذلك) أى تحويل القبلة

 

(باب القول  فى حروف المعانى)

     واعلم ان الكلام فى هذا الباب كلام فى باب من أبواب النحو غير أنه لما كثر احتياج الفقهاء اليه ذكرها الأصوليون، وأنا أشير الى ما يكثر من ذلك  ان شاء الله تعالى، فمن ذلك (من) ويدخل ذلك فى الإستفهام والشرط والجزاء والخبر تقول فى الإستفهام:  من عندك  ومن جاءك، وتقول فى الشرط والجزاء: من جاءنى أكرمته ومن عصانى عاقبته، وتقول فى الخبر: جاءنى من أحبه. ويختص بذلك من يعقل دون ما لايعقل.

——————–

[قوله فى حروف المعانى] أى الحروف الموضوعة للدلالة على معان مخصوصة (قوله من) وهى تعم الذكور والإناث والأحرار والعبيد (قوله فى الاستفهام) أى كقوله   تعالى ” فمن ربكما يا موسى” (قوله فى الشرط) أى كقوله تعالى ” من يعمل سوء يجز  به ” (قوله وتقول فى الخبر) أى كقوله تعالى “ولله يسجد من  فى السموات والأرض”(قوله بذلك) أى بالإستفهام وما بعده

 

      (فصل) و (أى) تدخل فى الإستفهام والشرط والجزاء والخبر تقول فى الإستفهام <109> أى شيء تحبه و أى شيء عندك، وفى الشرط والجزاء تقول: أى رجل جاءنى أكرمته، وفى الخبر: أيهم قام ضربته. ويستعمل ذلك فيمن يعقل ومالايعقل.

——————–

[قوله الاستفهام ] أى كقوله تعالى ” أيكم زادته هذه إيمانا ” (قوله  وفى الشرط) أى كقوله تعالى ” ايما الأجلين قضيت فلا عدوان على ” (قوله وفى الخبر) أى كقوله تعالى ” لننزعن من كل شيعة أيهم أشد ” (قوله وفيما لايعقل) أى كقولك: أى ثوب لبسته.

 

     (فصل) و(ما) تدخل للنفى والتعجب والإستفهام، تقول فى النفى: ما رأيت زيدا، وفى التعجب تقول: ما أحسن زيدا، وفى الإستفهام: ما عندك، ويدخل  فى الإستفهام عما لايعقل. وقد قيل إنه يدخل أيضا لما يعقل كقوله تعالى ” والسماء وما بناها “.

——————

[قوله ما أحسن زيدا] أى فما نكرة تعجبية مبتدأ ومابعدها خبره ويسوغ الإبتداء بها التعجب

 

     (فصل) و(من) تدخل لابتداء الغاية والتبعيض والصلة، تقول فى ابتداء الغاية : سرت من البصرة  وورد الكتاب من فلان، وفى التبعيض تقول: خذ من هذه الدراهم و أخذت من علم فلان، وفى الصلة تقول: ماجاءنى من أحد وما بالربع من أحد.

——————-

[قوله لابتداء الغاية] أى لابتداء ذى الغاية سواء فى المكان كقوله تعالى ” من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ” أو الزمان كقوله تعالى ” من أول يوم ” او غيرهما كقوله تعالى ” إنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم ” (قوله  الصلة) أى الزيادة  وهى الداخلة  على نكرة (قوله بالربع) أى بالدار

 

     (فصل) و(الى) تدخل لانتهاء الغاية كقولك: ركبت الى زيد. وقد تستعمل بمعنى مع إلا انه لايحمل على ذلك الا بدليل  كقوله عز وجل ” وأيديكم الى المرافق ” والمراد به مع المرافق. وزعم قوم من  أصحاب أبى حنيفة انه يستعمل فى معنى مع على سبيل الحقيقة. وهذا خطأ لأنه لاخلاف انه لو قال: لفلان على من درهم الى عشرة لم يلزمه الدرهم العاشر، وكذلك اذا  قال لامرأته أنت طالق من <110> من واحد الى ثلاث لم تقع الطلقة الثالثة، فدل على انه للغاية

——————–

[قوله لانتهاء  الغاية] أى للدلالة على ان مابعدها منتهى حكم ماقبلها. وهل يدخل ما بعدها فيما قبلها فيه مذاهب: أحدها لا والثانى نعم والثالث إن كان من جنسه دخل وإلا فلا (قوله به) أى بقوله الى المرافق (قوله لاخلاف)  أى بيننا وبين الإمام أبى حنيفة (قوله فدل) أى عدم لزوم العاشر  وعدم وقوع الثالثة (قوله للغاية) أىلا للمعية 

 

 

     (فصل) و(الواو) للجمع والتشريك فى العطف. وقال بعض أصحابنا هى للترتيب، وهذا خطأ لأنه لو كان للترتيب لما جاز أن يستعمل فيه لفظ المقارنة وهو ان تقول: جاءنى زيد وعمرو معا كما لايجوز ان يقال: جاءنى زيد ثم عمرو  معا. وتدخل بمعنى  رب فى ابتداء الكلام كقوله: ومهمه مغبرة أرجاؤه أى ورب مهمه، وفى القسم تقوم مقام الباء تقول والله بمعنى بالله.

——————-

[قوله للجمع الخ] أى لمطلق الجمع والتشريك بين المعطوفين فى الإعراب والحكم من غير تعرض للمعية والتقدم والتأخر (قوله فى العطف) خرج بالعطف واو مع و واو الحال  فإنهما على المعية بلا شك(قوله لما جاز الخ) أى وللزم التكرار فى نحو: جاء زيد وعمرو بعده، ولكن لايعد تكرارا (قوله وهو) أى استعمال لفظ المقارنة  (قوله ومهمه) مجرور برب محذوفة نابت عنها الواو (قوله مغبرة) أى ملونة بالغبرة

 

     (فصل) و(الفاء) للتعقيب والترتيب تقول:جاءنى زيد فعمرو ومعناه:جاءنى عمر عقيب زيد، واذا دخلت السوق فاشتر كذا يقتضى ذلك عقيب الدخول

——————-

[قوله  للتعقيب] أى للدلالة على ان  المعطوف بها متصل بلا مهلة، وتعقيب كل شيء  بحسبه فيقال: تزوج فلان فولد له اذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل ولحظة، ودخل البصرة فبغداد اذا لم يقم فى البصرة ولا بين البلدين

(قوله والترتيب) أى المعنوى، وقد تكون للترتيب الذكرى بأن يكون لحوق المعطوف بها بحسب الذكر واللفظ

 

     (فصل) و(ثم)  للترتيب مع المهلة والتراخى تقول: جاءنى زيد ثم عمر ويقتضى ان يكون بعده بفصل.    

——————-

[قوله أن يكون] أى مجيىء عمرو

 

     (فصل)  و(أم) للإستفهام تقول: أكلت أم لا. وتدخل بمعنى أو تقول: سواء أحسنت أم لم  تحسن.

——————

[قوله أم]  وهى  إما متصلة وهى المسبوقة بهمزة التسوية وإما منقطعة وهى التى لم تسبق باستفهام ولا تسوية اصلا بل بالخبر المحض

 

     (فصل) و(أو) تدخل فى الشك للخبر  تقول: كلمنى زيد أو عمرو. وتدخل  فى التخيير فى الأمر كقوله تعالى ” اطعام عشرة مساكين  من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ” وقال بعضهم فى النهى تدخل للجمع. والأول هو الأصح لأن النهى أمر بالترك كالأمر أمر بالفعل، فإذا لم يقتض الجمع فى الأمر لم يقتض فى النهى.

——————

[قوله أو الخ] وهى مختصة بالإخبارات بخلافها فى الإيجاب والأوامر والنواهى فإنها لاتوجب شكا

 

     (فصل) و(الباء) تدخل للإلصاق كقولك: مررت بزيد وكتبت بالقلم. وتدخل للتبعيض كقوله: مسحت بالرأس. وقال أصحاب أبى حنيفة رحمه الله لاتدخل للتبعيض. وهذا غير صحيح لأنهم أجمعوا  على الفرق بين قوله: أخذت قميصه  وبين قوله: أخذت  بقميصه، فعقلوا من  الأول أخذ جميعه ومن الثانى الأخذ ببعضه، فدل على ماقلناه.

—————–

[قوله للإلصاق] وهو تعليق شيء وإيصاله بشيء آخر (قوله مررت بزيد)  أى ألصقت مرورى بمكان يقرب منه زيد  (قوله مسحت بالرأس) أى ببعضه، وكقوله تعالى ” عينا يشرب بها عباد الله ” (قوله فعقلوا) أى ففهموا (قوله ومن  الثانى) أى ففهموا من الثانى (قوله فدل) أى إجماعهم على الفرق بينهما (قوله ماقلناه) أى من ان الباء للتبعيض

                  

      (فصل) و(اللام) تقتضى التمليك. وقال بعض أصحاب أبى حنيفة رحمه الله تقتضى الإختصاص دون الملك. وهذا غير صحيح لأنه لاخلاف أنه لو قال: هذه الدار لزيد اقتضى انها  ملكه، <112> فدل على أن ذلك مقتضاه. وتدخل أيضا للتعليل كقوله عز وجل ” لئلا يكون للناس على الله حجة بعد  الرسل “. وتدخل للغاية فيه والصيرورة كقوله عز وجل ”  فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا “.

——————-

[قوله اللام تقتضى التمليك] وهى الواقعة بين ذاتين ملكت أخراهما أولاهما كقوله تعالى ” لله ما فى السموات وما فى الأرض ” (قوله الإختصاص) وهى الواقعة بين ذاتين لاتملك أخراهما أولاهما نحو: الجنة للمؤمنين أى نعيمها مختص بهم (قوله فدل) أى الإقتضاء (قوله ذلك) أى الملك (قوله مقتضاه) أى اللام (قوله حجة) أى معذرة يعتذرون بها

 

     (فصل) و(على) للايجاب كقوله: لفلان على كذا، ومعناه واجب.

——————–

[قوله للإيجاب] أى لأن الواجب مستعل والدين يعلو المكلف معنى (قوله ومعناه واجب) أى لفلان واجب على كذا، وتأتى للمصاحبة نحو قوله تعالى ” آتى المال على حبه “

 

     (فصل)  و(فى) للظرف تقول: على تمر فى جراب، معناه ان ذلك فيه.

——————–

[قوله للظرف] أى بأن يشتمل المجرور على متعلقه اشتمالا مكانيا او زمانيا

(قوله فيه) أى مظروف في الجراب

 

     (فصل)  و(متى) ظرف زمان تقول: متى رأيته.

——————–

[قوله ظرف زمان] أى لعموم الأزمنة

 

     (فصل) و(أين) ظرف مكان تقول: أين جلست.

——————–

[قوله ظرف مكان] أى لعموم الأمكنة

 

     (فصل) و(اذ واذا) ظرف للزمان إلا ان اذ لما مضى تقول: أنت طالق إذ دخلت الدار  معناه فى الماض، واذا للمستقبل تقول: أنت طالق اذا دخلت الدار ومعناه فى المستقبل.

——————–

[ قوله للمستقبل] أى غالبا وقد تجيىء للماضى نحو  قوله تعالى ” واذا رأوا تجارة أو لهوا ” الآية فإنها نزلت بعد الرؤية والإنفضاض، وللحال نحو ” والليل اذا يغشى ” فإن الغشيان مقارن لليل 

 

     (فصل) و (حتى) للغاية كقوله تعالى ” حتى مطلع الفجر “. <113> وتدخل للعطف كالواو إلا انه لايعطف به إلا على وجه التعظيم والتحقير تقول فى التعظيم: جاءنى الناس حتى السلطان، وتقول فى التحقير: كلمنى كل أحد حتى العبيد. وتدخل ليبتدأ الكلام بعده كقولك: قام الناس حتى زيد قائم.

——————

[قوله  للغاية] أى لانتهاء ذى الغاية، وهى إما جارة لاسم صريح كما هنا أو مصدر مؤول كقوله تعالى “حتى يرجع الينا موسى ” (قوله كالواو) أى لمطلق الجمع فلا تفيد المعية ولا التقديم ولا التأخير فيجوز أن يقال: مات كل اب لى حتى آدم عليه السلام (قوله إلا أنه الخ) أى فهى  تفيد ترتيب اجزاء ما قبلها ذهنا من الأقوى الى الأضعف وعكسه (قوله ليبتدأ الخ) أى بأن تأتى بعده جملة اسمية أو فعلية نحو: مرض فلان حتى لا يرجونه

 

     (فصل) و(إنما) للحصر، وهو جمع الشيء فيما أشير اليه ونفيه عما سواه  تقول: إنما فى الدار زيد  أى ليس فيها غيره وإنما الله واحد أىلا إله الا واحد. 

——————

[قوله جمع  الشيء  الخ] أى اثبات الحكم للمذكور ونفيه عن غير المذكور (قوله فيما أشير اليه) أى وهو إما مسند اليه إن كان المقصور المسند أو المسند إن كان مسندا اليه والمقصور عليه هو المتأخر (قوله انما فى الدار زيد)  المحصور عليه هو المتأخر والمحصور هو الأول (قوله إنما الله واحد) إنما أتى بالمثالين  هنا للإشارة فى الأول  الى قصر الصفة على  الموصوف والثانى  من باب قصر  الموصوف على الصفة

 

(باب الكلام فى أفعال رسول  الله صلى الله عليه وسلم)

     وجملته ان الأفعال لا تخلو إما ان تكون قربة أو ليست بقربة. فإن لم تكن قربة كالأكل والشرب واللبس والقيام والقعود فهو يدل على الإباحة لأنه لا يقر على الحرام. فإن كان قربة لم يخل من ثلاثة أوجه: أحدها ان يفعل بيانا لغيره  فحكمه مأخوذ من المبين ؛ فإن كان المبين واجبا كان البيان واجبا، وإن كان ندبا كان البيان ندبا. ويعرف بأنه بيان لذلك بأن يصرح بأن ذلك بيان لذلك أو يعلم فى <114> القرآن آية مجملة تفتقر الى البيان ولم يظهر  بيانها بالقول فيعلم ان هذا الفعل بيان لها. والثانى ان يفعل امتثالا لأمر فيعتبر أيضا بالأمر ؛ فإن كان على الوجوب علمنا انه فعل واجبا، وان كان على الندب علمنا انه فعل ندبا. والثالث ان يفعل ابتداء من غير سبب، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها انه على الوجوب إلا ان يدل الدليل على غيره، وهو قول أبى العباس  وأبى سعيد، وهو مذهب مالك واكثر أهل العراق. والثانى انه على الندب إلا ان يدل الدليل على الوجوب. والثالث انه  على الوقف، فلا يحمل على الوجوب ولا على الندب الا بدليل، وهو قول أبى بكر الصيرفى، وهو الأصح.والدليل عليه أن احتمال الفعل للوجوب كاحتماله للندب فوجب  التوقف فيه حتى يدل الدليل.

——————–

[قوله قربة]  أى وطاعة (قوله فإن لم تكن قربة) أى بأن كانت جبلية محضة (قوله والقعود) أى وغير ذلك مما هو جبلى (قوله يدل على الإباحة) أى له ولأمته (قوله بيان لغيره)  أى من مجمل  كفعل الصلوات الخمس (قوله لذلك) أى المبين (قوله آية مجملة) أى كآية الصلاة والزكاة وغيرهما (قوله فيعتبر) أى فى حكمه (قوله ايضا) أى كما يعتبر بحكم المبين فى الأول (قوله من غير سبب) أى من غير وجود المجمل والأمر (قوله أنه على الوجوب) أى لقوله تعالى ” قل ان كنتم تحبون  الله فاتبعونى يحببكم الله” ولأن الإحتياط حمل الشيء على أعلى مراتبه  (قوله أبى العباس) أى ابن سريج (قوله أبى سعيد) أى الإصطخرى (قوله على الندب)  أى لقوله تعالى ” لقد كان فى رسول الله أسوة حسنة ” فإن وصف الأسوة بالحسنة يدل على الرجحان، والوجوب منتف لكونه خلاف الأصل ولقوله ” لكم ” لا “عليكم ” فتعين الندب (قوله قول ابو بكر الصيرفى) أى وأكثر أصحابنا (قوله عليه) وفى نسخة فيه (قوله الدليل) أى على الوجوب أو على الندب

 

     (فصل) اذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وعرف انه فعله على وجه الوجوب أو على وجه الندب كان ذلك شرعا لنا إلا ان يدل الدليل  على تخصيصه بذلك. وقال أبو بكر الدقاق لايكون ذلك شرعا لنا الا بدليل. والدليل على فساد ذلك قوله عز وجل: ” لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ” <115> ولأن الصحابة كانوا  يرجعون فيما أشكل عليهم الى أفعاله فيقتدون به فيها، فدل على انه شرع فى حق الجميع.

———————

[قوله لايكون الخ] أى لاحتمال الخصوصية (قوله فدل) أى اقتداؤهم به فيها (قوله على أنه الخ) أى لأن الأصل المشاركة ولا تثبت الخصوصية الا بدليل

 

     (فصل) ويقع بالفعل جميع أنواع البيان من بيان المجمل وتخصيص العموم وتأويل الظاهر والنسخ. فأما بيان المجمل فهو كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة والحج، فكان فى فعله بيان المجمل الذى فى القرآن. وأما تخصيص العموم فكما روى انه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ثم روى انه  صلى الله عليه وسلم صلى بعد  العصر صلاة لها  سبب فكان فى ذلك تخصيص عموم النهى. وأما تأويل الظاهر فكما روى عنه صلى الله عليه وسلم انه نهى عن القود فى الطرف قبل الإندمال، فيعلم ان المراد بالنهى الكراهية دون التحريم. وأما النسخ فكما روى عنه صلى الله عليه وسلم انه قال ” البكر بالبكر جلد مائة  وتغريب عام والثيب بالثيب جلدة مائة والرجم ” ثم روى انه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده، فدل على ان ذلك  منسوخ.

———————-

[قوله فكان فى فعله الخ] أى فعله صلى الله عليه وسلم للصلاة وقال: صلوا كما رأيتمونى أصلى، فإنه بيان لقوله تعالى ” أقيموا الصلاة “. وفعل صلى الله عليه وسلم للحج وقال: خذوا  عنى مناسككم، الحديث، فإنه بيان لقوله تعالى “ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا” (قوله عموم النهى) أى الشامل مالها سبب وما ليس لها سبب

 

     (فصل) وإن تعارض قول وفعل فى البيان ففيه أوجه: من أصحابنا من  قال القول أولى. ومنهم من  قال  الفعل أولى. ومنهم من  قال هما سواء. <116> والأول أصح لأن الأصل فى البيان هو القول، ألا تراه يتعدى بصيغته  والفعل لايتعدى إلا بدليل فكان القول أولى.

———————

[قوله وان تعارض الخ] أى بأن كان كل منهما صالحا لبيان المجمل السابق عليهما (قوله ففيه) أى فى تعارضهما (قوله القول أولى) أى بالأخذ من الفعل لأنه يدل بنفسه بخلاف الفعل (قوله الفعل أولى) أى من القول لأن الفعل أوضح اذ ليس الخبر كالمعاينة ولذا يبين به القول كالصلاة

 

(باب القول فى الإقرار والسكت عن الحكم)

     والإقرار أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فلاينكره أو يرى فعلا فلاينكره مع عدم الموانع، فيدل ذلك على جوازه مثل ماروى انه سمع رجلا يقول الرجل يجد مع امرأته رجلا إن قتل قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ أم كيف يصنع ؟ ولم ينكر عليه  فدل ذلك على انه اذا قتل قتل واذا قذف جلد، وكما روى انه صلى الله عليه وسلم رأى قيسا يصلى ركعتى الفجر بعد  الصبح فلم ينكر عليه فدل على جواز ما لها سبب بعد الصبح لأنه لا يجوز ان يرى منكرا فلاينكره مع القدرة عليه لأن فى ترك الإنكار إيهام ان ذلك جائز.

——————–

[قوله فعلا] أى ممن يقبل حكمه بالقلب واللسان لا من الكافر (قوله الموانع) أى كما لوفعل الكافر  فعلا عاصيا فسكت النبى صلى الله عليه وسلم فإنه لايدل سكوته على أن ذلك الفعل جائز (قوله تكلم) أى قذف (قوله رأى قيسا الخ)  تمامه فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ما هذا ياقيس فقال هاتان ركعتا الصبح، فيدل فعله مع قول النبى ” لاصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ” على جواز فعل الصلاة لها سبب بعد الصبح (قوله ذلك) أى المنكر

 

 

     (فصل) وأما ما فعل فى زمانه صلى الله عليه وسلم فلم ينكره فإنه ينظر فيه ؛ فإن كان ذلك مما لايجوز ان يخفى عليه من طريق العادة كان بمنزلة ما لو رآه فلم ينكره، وذلك مثل ماروى ان معاذا كان يصلى العشاء مع النبى صلى الله عليه وسلم ثم يأتى قومه فى بنى سلمة فصلى بهم هى له تطوع ولهم فريضة العشاء، <117> فيدل ذلك على جواز الإفتراض  خلف المتنفل، فإن مثل ذلك لايجوز ان يخفى عليه، فإن كان لايجوز لأنكر.وأما ما يجوز خفاؤه عليه وذلك مثل ماروى عن بعض الأنصار انه قال كنا نجامع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكسل ولانغتسل فهذا لايدل على الحكم لأن ذلك يفعل سرا ويجوز ان لايعلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لايغتسلون لأن الأصل ان لايجب الغسل فلا يحتج به فى إسقاط  الغسل، ولهذا قال عمر  كرم الله وجهه حين  روى له ذلك أو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقركم عليه فقالوا لا فقال فمه.

———————

[قوله كان بمنزلة ما الخ] أى فيدل على الجواز (قوله معاذا) أى بن جبل (قوله فيصلى) أى العشاء (قوله الإفتراض) أى الإقتداء فى صلاة الفرض (قوله المتنفل) أى الإمام المتنفل (قوله لايجوز) أى عادة (قوله لأنكر) أى فلمالم ينكر دل على جوازه. وقد استدل امامنا الشافعى بهذا  الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناء على ان معاذا كان ينوى بالصلاة الأولى الفرض وبالثانية النفل (قوله نكسل) يقال أكسل الرجل فى جماعه اذا ضعف عن الإنزال (قوله فهذا) أى عدم انكاره (قوله لايدل علىالحكم) أى على عدم وجوب الغسل فيه (قوله ذلك) أى الجماع (قوله به) أى بسكوته (قوله ذلك) أى ما قاله بعض الأنصار (قوله عليه) أى على ما فعلتم (قوله فمه) أى انكفوا عن القول به. قال النووى وقد أجمع على وجوب الغسل متى غابت الحشفة الفرج

 

     (فصل) وأما السكت عن الحكم فهو ان يرى رجلا يفعل فعلا  فلا يوجب فيه حكما فينظر فيه ؛ فإن لم يكن ذلك موضع حاجة لم يكن فى سكوته دليل على الإيجاب ولا على إسقاط لجواز ان يكون قد أخر البيان الى وقت الحاجة <118> وإن كان موضع حاجة مثل الأعرابى الذى سأله عن الجماع فى رمضان فأوجب عليه العتق ولم يوجب على المرأة دل سكوته على انه غير واجب عليها لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز

——————-

 [قوله فيه] أى فى رؤيته ذلك (قوله موضع حاجة) أى الى بيان حكمه (قوله الى وقت الحاجة) وهو جائر، بخلاف التأخير الى وقت العمل. (قوله مثل الأعرابى الخ) روى انه جاء رجل الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال هلكت قال ما أهلكك قال واقعت امرأتى فى رمضان قال هل تجد ما تعتق رقبة قال لا قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد ماتطعم ستين مسكينا قال لا ثم جلس فأتى  النبى بعرق فيه تمر فقال  تصدق بهذا فقال أأفقر منا يارسول الله ما بين لابتيها أهل أحوج اليه منا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال اذهب فأطعمه أهلك (قوله غير واجب) أى فإن الشافعية لايوجبون الكفارة علىالمرأة لأن جماعها غير تام

 

(باب القول  فى الأخبار)

     والخبر هو الذى لايخلو من ان يكون صدقا أو كذبا. وله صيغة موضوعة فى اللغة تدل عليه، وهو قوله زيد قائم وعمرو قاعد وما أشبههما. وقالت الأشعرية لاصيغة له  والدليل على فساد ذلك ان أهل اللغة قسموا الكلام أربعة أقسام فقالوا : أمر ونهى وخبر واستخبار، فالأمر قولك افعل، والنهى قولك لاتفعل، والخبر قولك زيد فى الدار، والإستخبار أزيد فى الدار، فدل على ماقلناه <119>

——————–

[قوله فى الأخبار] وهو يطلق على صيغته وعلى معناها وهو المعنى القائم بالنفس (قوله لايخلوا الخ) أى من حيث مضمونه الذى هو النسبة (قوله صدقا)  هو مطابقة النسة للواقع (قوله كذبا)  هو غير مطابقة النسبة للواقع (قوله و هو) أى ما ذكر من الصيغة (قوله لا صيغة له) أى خاصة به لأن صيغتها ترد فى الإنشاء أيضا (قوله ذلك) أى قول الأشعرية (قوله فدل) أى هذا التقسيم، ولو لم يدل لما فائدة فى التقسيم (قوله على ما قلناه) أى من ان له صيغة موضوعة له.

 

(باب القول فى الخبر المتواتر)

     اعلم ان الخبر ضربان: متواتر وآحاد. فأما الآحاد فله باب يأتى الكلام فيه ان  شاء الله تعالى وبه الثقة. وأما المتواتر فهو كل خبر علم مخبره ضرورة، وذلك ضربان ؛ تواتر من جهة اللفظ كالأخبار المتفقة عن القرون الماضية والبلاد النائية، وتواتر من طريق المعنى  كالأخبار المختلفة عن سخاء حاتم وشجاعة على رضى الله عنه وما أشبه ذلك، ويقع الكلام بكلا الضربين. وقال البراهمة لايقع العلم بشيء من الأخبار. وهذا جهل فإنا نجد أنفسنا عالمة بما يؤدى اليها الخبر المتواتر من أخبار مكة وخراسان وغيرهما كما نجدها عالمة بما تؤدى اليه الحواس، فكما لايجوز انكار العلم الواقع بالحواس لم  يجز انكار العلم الواقع بالأخبار

——————-

[قوله واما المتواتر] أى اصطلاحا وأما لغة فهو المتتابع (قوله علم مخبره) أى علم وجوده (قوله من جهة اللفظ) أى كحديث ” من كذب على متعمدا فليتبوء مقعده من النار ” (قوله عن القرون الماضية) أى عن أهل القرون الماضية كقوم موسى وقوم هود وغيرهما (قوله النائية) أى البعيدة (قوله كالأخبار الخ) أى من جهة المعنى كأن نقل عن حاتم مثلا أنه أعطى جملا وآخر أنه أعطى فرسا وآخر أنه أعطى دينارا وهلم فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء (قوله يقع  العلم) أى الضرورى (قوله البراهمة) هى ديانة من الديانات الهندية نسبة الى رجل من الهند يقال له برهام من رأيه نفى النبوة أصلا (قوله لايقع الخ) أى لجواز الكذب على كل من المخبرين بتعمد أو نسيان (قوله وهذا) أى قول البراهمة

 

     (فصل) والعلم  الذى يقع به  ضرورى. وقال البلخى من المعتزلة العلم الواقع به نظرى، وهو قول ابى بكر الدقاق. وهذا  خطأ لأنه لايمكن نفى مايقع به <120> من العلم عن نفسه بالشك والشبهة، فكان ضروريا كالعلم الواقع عن الحواس

——————-

[قوله يقع به] أى يحصل بالمتواتر  (قوله ضرورى) أى من غير احتياج الى نظر (قوله البلخى) وهو أبو القاسم عبد الله الكعبى (قوله نظرى) وفى غالب النسخ الكتاب بدل قوله نظرى ولا يخفى أنه تحريف. وقد فسر إمام الحرمين كونه نظريا كما أفصح به الغزالى التابع له أخذا من كلام البلخى الكعبى بتوقفه على مقدمات حاصلة عند السامع وهى المحققة لكون الخبر متواترا من كونه خبر جمع وكونهم بحيث يمتنع تواطؤهم على الكذب وكونه عن محسوس، فلا خلاف فى المعنى فى أنه ضرورى لأن توقفه على تلك المقدمات لاينافى كونه ضروريا(قوله عن نفسه وبالشك)  كلاهما يتعلقان بقوله نفى الخ

 

     (فصل) ولايقع العلم الضرورى بالتواتر الا بثلاث شرائط: احداها ان يكون المخبرون عددا لايصح منهم التواطؤ على الكذب، وان يستوى طرفاه ووسطه فيروى هذا العدد عن مثله الى ان يتصل بالمخبر عنه، وان يكون الخبر فى الاصل عن مشاهدة او سماع. فأما اذا كان عن نظر واجتهاد مثل ان يجتهد العلماء فيؤديهم الإجتهاد الى شيء لم يقع العلم الضرورى بذلك. ومن أصحابنا من اعتبر ان يكون العدد  مسلمين. ومن الناس من قال لايجوز ان  يكون العدد أقل من  اثنى عشر. ومنهم من قال أقله سبعون. ومنهم من قال ثلاثمائة  وأكثر. وهذا كله خطأ <121> لأن وقوع العلم به لايختص بشيء مما ذكروه  فسقط اعتبار ذلك

——————-

[قوله لايصح الخ] تفسير للعدد بمعنى أن المعتبر فى ذلك العدد بلوغهم حتى يمتنع عند العقل تواطؤهم  على الكذب (قوله وأن يستوى) أى فى الكثرة لا فى العدد بعينه فلا يضر اختلاف الطبقات فى العدد (قوله طرفاه) أى الطبقة المشاهدة للمخبر عنه والطبقة التى أخبرتنا بوجوده (قوله ووسطه) أى الطبقة الواسطة بين المخبرين (قوله عن مشاهدة أو سماع) أى فلا تواتر فى العقليات (قوله  اذا كان) أى مستند روايتهم (قوله بذلك) أى بما كان عن نظر واجتهاد (قوله من اعتبر الخ) أى لئلا يرد إخبار النصارى بقتل المسيح ابن مريم (قوله العدد) أى عدد المخبرين  (قوله من اثنى عشر) أى كعدد النقباء لموسى عليه السلام فى قوله تعالى ” وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا  ” (قوله سبعون) أى لقوله تعالى ” واختار موسى سبعين رجلا لميقاتنا ” فكونهم على هذا العدد ليس إلا لأنه اقل ما يفيد العلم فى ذلك (قوله ثلاثمائة وأكثر) وهذا العدد عدد أهل غزوة بدر وهو ثلاثمائة وبضعة عشر. وقيل أربعة قياسا على شهود الزنا، وقيل خمسة قياسا على اللعان (قوله لأن وقوع الخ) أى وللقطع بحصول العلم به بإخبار الجماعة من غير علم بعدد مخصوص (قوله ذلك) أى ما ذكروه

 

(باب القول فى اخبار الآحاد)

     واعلم ان خبر الواحد ما انحط عن حد التواتر. وهو ضربان: مسند ومرسل. فأما المرسل فله باب يجيء ان  شاء الله تعالى. وأما المسند فضربان: احدهما يوجب العلم، وهو على أوجه ؛ منها خبر الله عز وجل وخبر رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ومنها ان يحكى الرجل بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ويدعى علمه فلاينكر عليه فيقطع به على صدقه، ومنها ان يحكى الرجل شيئا بحضرة جماعة كثيرة ويدعى علمهم فلاينكرونه فيعلم بذلك صدقه، ومنها خبر الواحد الذى تلقته الأمة بالقبول فيقطع بصدقه سواء عمل الكل به او عمل البعض وتأوله البعض، فهذه الأخبار توجب العمل ويقع العلم بها استدلالا.<122> والثانى يوجب العمل ولايوجب العلم، وذلك مثل الأخبار المروية والسنن والصحاح  وما أشبهها. وقال بعض اهل العلم توجب العلم. وقال بعض المحدثين  مايحكى اسناده أوجب العلم. وقال النظام يجوز ان  يوجب العلم اذا قارنه سبب مثل ان يرى رجل مخرق الثياب فيجيء ويخبر بموت قريب له. وقال القاشانى وابن داود  لايوجب العلم، وهو مذهب الرافضة. ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال العقل يمنع العمل به، ومنهم من قال العقل  لايمنع الا ان الشرع لم يرد به. فالدليل على انه لايوجب العلم انه لو كان يوجب العلم لوقع العلم بخبر كل مخبر ممن يدعى النبوة او مآلا على غيره، ولما لم يقع العلم بذلك دل على انه لايوجب العلم. وأما الدليل على ان العقل لايمنع من التعبد به هو انه اذا جاز التعبد بخبر المفتى وشهادة <123> الشاهد ولم يمنع العقل منه جاز بخبر المخبر. وأما الدليل على وجوب العمل به من حهة الشرع ان الصحابة رضى الله عنهم رجعت اليها فى الأحكام، فرجع عمر الى حديث حمل بن مالك فى دية الجنين وقال لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره، ورجع عثمان كرم الله وجهه فى السكنى الى حديث فريعة بنت مالك، وكان على كرم الله وجهه يرجع الى اخبار الآحاد ويستظهر فيها باليمين وقال: اذا حدثنى احد عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  احلفته فإذا حلف لى صدقته الا أبا بكر وحدثنى ابو بكر وصدق ابو بكر، ورجع ابن عمر الى خبر رافع بن خديج فى المخابرة، ورجعت الصحابة الى حديث عائشة رضى الله غنها فى التقاء الختانين فدل على وجوب العمل به

——————–

[قوله ما انحط الخ] أى لم تبلغ رواته فى الكثرة مبلغ عدد التواتر، سواء كان المخبر واحدا أو أكثر (قوله مسند) هو ما اتصل كل واحد من رواته (قوله ومرسل) وهو ما اسقط بعض رواته واحدا كان أو أكثر (قوله يوجب العلم) أى بصدقه (قوله خبر الله) المراد به هو القرآن (قوله خبر رسول الله) المراد به السنة من أقواله وأفعاله وتقريراته (قوله بحضرة رسول الله) أى بمستمع منه (قوله عليه) أى فيما حكاه وادعاه به (قوله شيئا) أى أمرا محسوسا (قوله بحضرة الخ) أى بمسمع منهم (قوله كثيرة) أى بحيث يبلغ عددهم عدد التواتر (قوله فلاينكرونه) أى ولايكذبونه  (قوله بذلك) أى بعدم انكارهم (قوله فيقطع بصدقه) أى فهو قريب من افادة العلم الضرورى (قوله فهذه الأخبار) أى الأخبار المسندة الأربعة (قوله العمل) أى بها (قوله فى السنن) أى كالسنن الأربعة لأبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجه (قوله الصحاح) أى كصحيح البخارى ومسلم وكالصحاح الثلاثة لابن حبان والخزيمة والحاكم (قوله ما اشبهها) أى كمساند الائمة الثلاثة  أبى حنيفة والشافعى وأحمد بن حنبل (قوله مايحكى الخ)  أى وما لا فلا. وهذا بعيد جدا فإن السند قد يكون رجاله ضابطين عدولا وقد لا، ولأنا نعلم ضرورة أنا لانصدق كل خبر نسمعه (قوله رجل مخرق الثياب الخ) أى معروف بالمحافظة للمروآت، فإن كل عاقل سمع هذا الخبر وشاهد هذه القرائن قاطع بصحة خبره وحاصل له العلم به (قوله القشانى) هو ابو محمد بن أحمد المروزى الشافعى (قوله لا يوجب العمل) أى بل يمتنع به (قوله هؤلاء) أى القائلون بعدم جواز العمل به (قوله العقل يمنع الخ) أى لأنه لوكان حجة فى العمليات لكان حجة ايضا فى الإعتقادات قياسا على العمليات، وليس كذلك باتفاق (قوله لايمنع) أى العمل به (قوله لم يرد به) أى بل ورد الشرع بالمنع منه فى قوله تعالى ” ولاتقف ماليس لك به علم ” الآية. ورد بأن المتبع هو الإجماع على وجوب اتباع الظواهر، وبأنه مؤول بما المطلوب فيه اليقين من أصول الدين لا العمل من الشرائع (قوله مآلا) أى رجوعا (قوله رجعت اليها) أى أخبار الآحاد فكان اجماعا منهم على قبولها والإحتجاج بها (قوله الى حديث حمل بن مالك) وهو ان عمر أنشد الناس من حديث النبى صلى الله عليه وسلم فى دية الجنين فقال حمل بن مالك كنت بين امرأتين فضربت احداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله فى ديتها بغرة وأن تقتل (قوله فى السكنى) أى فى أن عدة الوفاة فى منزل الزوج (قوله فريعة) بضم الفاء مصغرا صحابية جليلة أخت أبى سعيد الخدرى (قوله باليمين) والتحليف إنما هو للإحتياط فى سياق الحديث لا لتهمة الكذب (قوله الا أبا بكر) أى فإنه كان لا يكذب (قوله فدل) أى رجوعهم اليه

 

     (فصل) ولافرق بين ان يرويه واحد او اثنان. وقال أبو على  الجبائى لايقبل حتى يرويه اثنان عن اثنين. وهذا خطأ لأنه إخبار عن حكم شرعى، فجاز قبوله من واحد كالفتيا

———————

[قوله لافرق الخ] أى فى  قبول  خبر الواحد ووجوب العمل به (قوله حتى يرويه) أى وهكذا

 

     (فصل) ويجب العمل به فيما تعم به البلوى وفيما لاتعم. وقال أصحاب <124> أبى حنيفة رحمه الله لايجوز العمل به فيما تعم به البلوى. والدليل على فساد  ذلك انه حكم شرعى يسوغ فيه الإجتهاد فجاز اثباته بخبر الواحد قياسا على ما لاتعم به  البلوى

———————

[قوله به] أى بخبر الواحد (قوله فيما تعم به البلوى) أى فيما تمس حاجة الناس اليه فى عموم الأحوال  كجديث ” من مس ذكره فليتوضأ ” رواه  الإمام أحمد وصححه (قوله لايجوز الخ) أى لأن ما تعم به البلوى يكثر السؤال عنه فتقتضى العادة بنقله متواترا لتوفر الدواعى على نقله فلا يعمل بالآحاد به

 

     (فصل) ويقبل ان خالف القياس ويقدم عليه. وقال أصحاب مالك رحمه الله اذا خالف القياس لم يقبل. وقال أصحاب أبى حنيفة رضى الله عنه اذا خالف القياس والأصول لم يقبل، وذكروا ذلك فى خبر التفليس والقرعة والمصراة <125> والدليل على أصحاب مالك ان الخبر يدل على قصد صاحب  الشرع بصريحه والقياس يدل على قصده بالاستدلال  والصريح أقوى فيجب ان يكون بالتقديم أولى. وأما أصحاب أبى حنيفة رحمه الله فإنهم ان  ارادوا بالأصول القياس على ماثبت بالأصول فهو الذى قاله أصحاب  مالك، وقد دللنا على فساده، وان أرادوا نفس الأصول التى هى الكتاب والسنة والإجماع فليس معهم فى المسائل التى ردوا فيها خبر الواحد كتاب ولاسنة ولا إجماع، فسقط ماقالوه

———————-

[قوله ويقبل الخ] أى اذا لم يمكن معه الجمع، فيقدم خبر الواحد (قوله لم يقبل) أى خبر الواحد (قوله و الأصول) الواو ليست فى جميع النسخ وقد زادها شيخنا محمد  ياسين الفادانى وهى لازمة كما هو ظاهر (قوله الأصول) أى الثلاثة التى هى الكتاب والسنة والإجماع (قوله لم يقبل) أى  لايعمل به (قوله ذلك) أى مخالفة خبر الواحد للأصول الثلاثة (قوله خبر التفليس) وهو ما رواه الشيخان عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من أدرك ماله بعينه فهو أحق به من غيره ” وهو مخالف لقوله تعالى ”  وان كان ذو عسرة   فنظرة الى ميسرة ” (قوله القرعة) وهو ما أخرج أبو داود وغيره عن عمران بن حسين ان رجلا أعتق ستة أعبد عند موته لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال له قولا شديدا ثم دعاهم فجزءهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين  وأرق أربعة، فهذا الحديث مخالف للإجماع لأن الإجماع انعقد على أن العتق بعد ما نزل فى المحل لم يمكن رده والعتق قد دخل فى ذلك العبيد (قوله والمصراة) وهو ما مارواه البخارى وغيره عن أبى هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” لاتصروا الغنم ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد ان يحتلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها مع صاع من تمر ” فهذا مخالف للحديث الآخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم  “الخراج بالضمان “.  

 

(باب القول فى المراسيل)

     والمرسل ما انقطع اسناده، وهو ان يروى عمن لم يسمع منه فيترك بينه وبينه واحد فى الوسط. فلا يخلو ذلك من احد امرين  ؛ إما ان يكون من مراسيل الصحابة أو من غير ها، فإن كان من مراسيل  الصحابة وجب العمل به لأن الصحابة رضى  الله عنهم مقطوع بعدالتهم

——————-

[قوله المرسل ما انقطع الخ] أى فالمرسل عند الأصوليين مرادف للمنقطع. والمرسل عند أهل الحديث قول التابعى قال رسول الله، والمنقطع ما سقط منه واحد (قوله أو من غيرها) أى كمراسيل التابعين (قوله مقطوع بعدالتهم) أى لأنه إما سمع بنفسه أو من صحابى آخر وهم عدول فلا اعتداد بمن خالف لأنه إنكار للواضح

 

     (فصل) وان كان من مراسيل غيرهم نظرت ؛ فإن  كان من  مراسيل  غير سعيد بن المسيب لم يعمل به. وقال مالك وأبو حنيفة رضى الله عنهما يعمل به  كالمسند. وقال عيسى بن أبان ان كان من مراسيل التابعين وتابعى التابعين قبل،  وان  كان من مراسيل غيرهم لم يقبل الا ان  يكون المرسل إماما.<126> فالدليل على ماقلناه  ان  العدالة شرط فى صحة الخبر والذى ترك تسميته  يجوز ان يكون عدلا ويجوز  ان لايكون  عدلا، فلايجوز قبول خبره حتى يعلم

———————

[قوله غيرهم] أى غير الصحابة (قوله لم يعمل به) أى وإن اتفق أن ما أرسله كان لا يروى إلا عن ثقة لأن التوثيق المبهم غير كاف (قوله قبل) أى مطلقا (قوله إماما) أى من ائمة هذا الشأن العارفين بشرائط القبول (قوله ما قلناه) أى من أن مراسيل غير سعيد بن المسيب لم يعمل بها (قوله حتى يعلم) أى أن الذى ترك  تسميته  عدل، ولأن العدل قد يروى عن غير العدل ايضا

 

     (فصل) وان كان من مراسيل ابن المسيب فقد قال الشافعى رضى الله عنه مراسيله عندنا حسن، فمن أصحابنا من  قال مراسيله  حجة لأنها تتبعت فوجدت كلها مسانيد. ومنهم من قال هى كغيرها، وانما استحسنها الشافعى رضى الله عنه استئناسا بها لا انها حجة. فأما اذا  قال أخبرنى الثقة عن الزهرى فهو كالمرسل لأن الثقة مجهول عندنا فهو بمنزلة من لم يذكره أصلا. وأما خبر العنعنة اذا قال أخبرنا مالك  عن  الزهرى  فهو مسند. ومن الناس من قال حكمه حكم المرسل. وهذا خطأ لأن الظاهر انه سماع عن الزهرى وان كان بلفظ العنعنة، فوجب ان يقبل

———————-

[قوله ابن المسيب] بكسر الياء وفتحها وهو سعيد بن المسيب المخزومى رأس علماء التابعين، ولد سنة 15 هـ وتوفى سنة 93 هـ (قوله مراسيله  عندنا حسن) أى بخلاف مراسيل غيره (قوله مسانيد) أى مروية بأسانيد صحيحة، وهى فى الغالب عن صهره أبى هريرة(قوله كغيرها) أى فى عدم الإحتجاج بها اذلم توجد بأسانيد  صحيحة للجهل بالساق(قوله استحسنها الخ) أى لأن فى مراسيله مالم يوجد مسندا بحال من وجه صحيح (قوله اذا قال) أى الراوى (قوله الثقة) أى أو نحوه من غير أن يسميه لأن فى ترك التسمية ريبة توقع ترددا فى القلب (قوله بمنزلة من لم يذكره أصلا) أى لأنه وإن كان ثقة عند الراوى المرسل فربما لو سماه  لكان ممن جرحه غيره (قوله العنعنة) أى مارواه بعن (قوله حكمه حكم المرسل) أى لأن عن لاتشعر بشيء من أنواع التحمل والسمع

     

 

     (فصل) وأما اذا قال أخبرنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى  <127> صلى الله عليه وسلم فيحتمل ان يكون ذلك عن الجد الأدنى وهو محمد بن عبد  الله بن عمرو فيكون مرسلا ويحتمل ان يكون عن جده الأعلى فيكون مسندا فلايحتج به لأنه يحتمل الإرسال والإسناد، فلايجوز اثباته بالشك الا ان يثبت انه ليس يروى الا عن جده  الأعلى فحينئذ يحتج  به

———————-

[قوله اذا قال] أى الراوى (قوله عمرو بن شعيب) أى بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص(قوله ذلك) أى الخبر المروى (قوله فيكون مرسلا) أى لأن محمد بن عبد الله تابعى  (قوله عن جده الأعلى) أى وهو عبد الله بن عمرو (قوله فلا يحتج به) أى ولا يجوز إثباته بالشك

 

(باب صفة الراوى ومن يقبل خبره)

     واعلم انه لايقبل الخبر حتى يكون الراوى فى حال السماع مميزا ضابطا لأنه اذا لم يكن بهذه الصفة عن السماع لم يعلم مايرويه. وان لم يكن بالغا عند السماع جاز.ومن الناس من قال يعتبر ان يكون فى حال السماع بالغا.وهذا خطأ لأن المسلمين أجمعوا على قبول خبر أحداث الصحابة والعمل بما سمعوه فى حال الصغر كابن عباس وابن  الزبير والنعمان بن بشير  وغيرهم، فدل على ماقلناه <128>

——————–

[قوله مميزا] وقد اختلف فى أقل السن الذى يحصل به التمييز والأصح عدم التقدير بالسن (قوله ضابطا) أى متيقظا غير مغفل (قوله وإن لم يكن بالغا) أى لأن الصبى لايضبط غالبا فيما تحمله فى صباه (قوله عند السماع) أى لا عند الأداء (قوله يعتبر الخ) أى لأن الصبى لا يضبط غالبا ما تحمله فى صباه بخلاف الكافر (قوله كابن عباس) هو عبد  الله بن عباس رضى الله  عنهما فإنه ولد لثلاث سنين  قبل الهجرة فيكون عمره حين وفاة الرسول ثلاث عشرة سنة فلا يتحقق البلوغ عند التحمل(قوله ابن زبير) هو عبد الله بن زبير بن العوام السدى ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا  وتوفى مقتولا بمكة سنة 73 هـ (قوله والنعمان بن بشير) توفى الرسول  صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان  وتوفى  مقتولا بالشام  سنة 64 هـ، فمجموع مسموعاته كانت قبل البلوغ، فإن مدة إقامته مع النبى بالمدينة عشر سنين (قوله وغيرهم) أى كأنس بن مالك الأنصارى، كان ابن عشر سنين لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وابن عشرين لما توفى صلى الله عليه وسلم (قوله فدل) أى إجماعهم على قبول أحداث الصحابة (قوله ماقلناه) أى من انه يقبل المميز الضابط

      (فصل) وينبغى ان  يكون عدلا  مجتنبا للكبائر متنزها عن كل مايسقط المروءة من المجون والسخف والأكل فى السوق والبول فى قارعة الطريق لأنه اذا لم يكن بهذه الصفة لم  يؤمن من ان يتساهل فى رواية ما لا اصل له. ولهذا رد  امير المؤمنين على كرم الله وجهه حديث أبى سنان الأشجعى وقال: بوال على عقيبه

——————-

 [قوله ينبغى] أى يجب (قوله أن يكون) أى الراوى (قوله مجتنبا الخ)  تفسير للعدالة بمعنى ما يدل عليها وأما هى نفسها فملكة فى النفس تمنعها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة (قوله للكبائر) أى لكل فرد من أفرادها فبارتكاب فرد منها تنتفى العدالة، والكبيرة ما توعد عليه بخصوصه أو كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة (قوله متنزها عن كل ما الخ) أى لأن حفظها من الحياء ومن ليس  له حياء يصنع ما شاء (قوله من المجون) أى عدم المبالاة بالنفس  (قوله والسخف) أى ضعف العقل (قوله والأكل فى السوق) أى فى طريقه لغير سوقى، أما لو أكل فى السوق داخل حانوت أو مطعم مستترا فلا يخل المروءة (قوله ولهذا) أى هذا الشرط (قوله حديث ابن سنان الأشجعى) وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى بروع بنت واشق بمهر مثل نسائها حين مات عنها زوجها هلال بن مرة الأشجعى ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقها (قوله وقال بوال على عقيبه) تمامه: حسبها الميراث لا مهر لها

      (فصل) وينبغى ان يكون ثقة مأمونا لايكون كذابا ولا ممن  يزيد فى الحديث ماليس منه. فإن عرف بشيء من ذلك لم يقبل حديثه لأنه  لايؤمن  <129> ان يضيف الى رسول  الله صلى الله عليه وسلم مالم يقله

——————-

[قوله ثقة] أى لايكون كذابا (قوله من ذلك) أى الكذب والزيادة

      (فصل) وكذلك يجب ان يكون غير مبتدع يدعو الناس الى البدعة، فإنه  لايؤمن ان يضع الحديث على وفق بدعته. وأما اذا لم يدع الناس  الى البدعة فقد قيل ان روايته تقبل. قال الشيخ  الإمام رحمه الله والصحيح  عندى انها لاتقبل لأن المبتدع فاسق فلايجوز ان يقبل خبره

——————–

[قوله غير مبتدع] أى غير كافر ببدعته كمنكرى حدوث العالم (قوله فلا يجوز الخ) أى لقوله تعالى ” إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ” والفاسق عام فى الكافر وفى الفاسق فى عرفنا وهو المؤمن المرتكب للكبيرة. والجواب عن الأول أن دينه لايصده عن الكذب مطلقا بل عن الكذب الذى يضر هواه

      (فصل) وينبغى ان يكون غير مدلس. والتدليس هو ان  يروى عمن  لم يسمع منه ويوهم انه سمع منه ويروى عن رجل يعرف بنسب أو اسم فيعدل عن ذلك الى مايعرف به من اسمائه يوهم انه  غير ذلك الرجل المعروف. وقال كثير من  اهل العلم يكره ذلك الا انه لايقدح ذلك روايته، وهو قول بعض اصحابنا  لأنه لم يصرح بكذب. ومن الناس من قال برد حديثه لأنه  فى الإيهام  عمن لم يسمع توهيم ما لا أصل له فهو كالمصرح بالكذب، وفى العدول عن الإسم المشهور الى غيره تغرير عمن لعله غير مرضى، فوجب التوقف عن حديثه <130>

———————

[قوله ان يكون] أى الراوى (قوله غير مدلس) أى فلا يقبل ممن  عرف بذلك إلا ماصرح به بالإتصال كسمعت(قوله الى ما لايعرف به) أى ولا يشتهر به (قوله ذلك) أى التدليس

     (فصل) ويجب ان يكون ضابطا حال الرواية محصلا لما يرويه. فأما اذا كان مغفلا لم يقبل خبره فإنه لايؤمن ان يروى بما لم يسمعه. فإن كان له حال غفلة وحال تيقظ فما يرويه فى حال تيقظه مقبول، وان روى عنه حديثا ولم يعلم انه رواه فى حال التيقظ أو الغفلة لم يعمل به 

———————

[قوله محصلا] أى تحصيل صدر أو كتاب

 

((باب القول فى الجرح والتعديل))

     وجملته ان الراوى لايخلو إما  ان يكون معلوم العدالة أو معلوم الفسق أو مجهول الحال.فإن كانت عدالته معلومة كالصحابة رضى الله عنهم أو أفاضل التابعين كالحسن وعطاء والشعبى والنخعى واجلاء الأئمة كمالك وسفيان وابى حنيفة والشافعى وأحمد وإسحق ومن يجرى مجراهم وجب قبول خبره ولم يجب البحث عن عدالته. وذهبت المعتزلة والمبتدعة الى ان فى الصحابة فساقا، وهم الذين  قتلوا عليا كرم  الله  وجهه من أهل العراق واهل الشام، حتى اجترءوا ولم يخافوا الله عز وجل وأطلقوا هذا القول على طلحة والزبير وعائشة رضى الله عنهم.

وهذا قول عظيم فى السلف. والدليل على فساد قولهم ان عدالتهم  قد ثبتت <131> ونزاهتهم قد عرفت، فلايجوز ان تزول عما عرفناه  الا  بدليل قاطع، ولأنهم لم  يظهر منهم  معصية اعتمدوها وإنما دارت بينهم حروب كانوا فيها متأولين. ولهذا امتنع خلق كثير من خيار الصحابة والتابعين عن معاوية فى قتال على كرم  الله وجهه على ذلك واستعفوا عن القتال معه لما دخل عليهم من الشبهة فى ذلك كسعد بن  ابى وقاص وأصحاب ابن مسعود وغيرهم. ولهذا كان على رحمة الله عليه يأذن فى قبول شهادتهم والصلاة معهم، فلا يجوز ان يقدح ذلك فى عدالتهم.

——————–

[قوله أومجهول الحال] أى غير معلوم عدالته ولا فسقه (قوله كالصحابة) أى فإنهم عدول كما عليه السلف وجمهور الخلف  قال تعالى ” وكذلك جعلناكم أمة وسطا ” (قوله الحسن) أى البصرى ولد سنة 21 هـ  وتوفى سنة  110 هـ (قوله عطار) هو أبو محمد عطاء بن أبى رباح توفى بمكة سنة 114 هـ (قوله الشعبى) هو أبو عمرو عامر بن شراحيل الحميرى الشعبى ولد فى خلافة عمر وتوفى سنة 103 هـ (قوله النخعى) هو أبو عمران النحعى  ولد سنة 50 هـ وتوفى  سنة 96 هـ (قوله مالك) أى بن انس بن مالك (قوله السفيان) أى الثورى وهو ابو عبد الله سفيان بن سعيد ولد سنة 77 هـ  وتوفى  بالبصرة 161 هـ (قوله أبى حنيفة) هو النعمان بن  ثابت ولد سنة 80 هـ  وتوفى سنة 150 هـ (قوله الشافعى) هو أبو عبد الله محمد بن ادريس بن العباس الشافعى  (قوله احمد) هو أبو عبد الله أحمد بن محمد الحنبلى (قوله إسحاق) هو اسحاق بن ابراهيم بن مخلد ولد سنة 161 هـ وتوفى سنة 238 هـ (قوله قبول خبره) أى من عدالته معلومة (قوله لم يجب الخ) أى لحديث ” خير القرون  قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم  ” (قوله طلحة) هو أبو محمد طلحة بن عبد الله  أحد العشرة المبشرين بالجنة (قوله قول عظيم) أى وبهتان وهذيان، فإن ممن قاتل عليا أم المؤمنين عائشة الصديقة والزبير بن العوام وطلحة وعدالتهم جلية ظاهرة كظهور الشمس فى رابعة النهار (قوله متأولين) أى مجتهدين فأدى اجتهادهم الى ما ارتكبوه (قوله واستعفوا) أى امتنعوا (قوله كسعد الخ) والذى اعتزل الفتنة فلم يحارب مع على ولا مع معاوية عدد قليل(قوله سعد بن وقاص) وهو أحد العشرة  المبشرة بالجنة (قوله ولهذا) أى عدالة الصحابة (قوله يأذن الخ) أى ولو كانوا غير عدول لما قبل شهادتهم

 

     (فصل) فأما أبو بكرة ومن جلد معه فى القذف فإن أخبارهم تقبل لأنهم لم يخرجوا مخرج القذف  بل أخرجوه مخرج الشهادة، وإنما جلدهم عمر كرم الله وجهه باجتهاده، فلم يجز ان يقدح بذلك فى عدالتهم ولم يرد خبرهم <132>

——————–

[قوله ابو بكرة] وهو نفيع بن الحارث الثقفى توفى سنة 51 هـ

(قوله ومن جلد معه) أى ممن شهد على المغيرة بن شعبة بالزنا وهو سهل بن معبد ونافع بن الحارث، فإن هؤلاء وزياد بن الحارث أربعتهم شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا، فلما أبطأ وتوقف زياد فى الشهادة جلد عمر بن الخطاب الثلاثة الباقين ثم استتابهم فتابوا الا أبا بكرة فإنه صمم على الشهادة فكان خير هؤلاء الشهود

(قوله فلم يجز الخ) أى لأنهم انما جلدوا وهم قد شهدوا بالزنا دون أربعة شهداء لعدم  نصاب الشهادة وعدم كمال نصابها ليس من فعل الشاهد المحدود حتى يعاقب برد شهادته وعدم قبول خبره

 

     (فصل) وان كان معلوم الفسق لم يقبل خبره سواء كان فسقه بتأويل أو بغير تأويل. وقال بعض المتكلمين يقبل الفاسق بتأويل اذا كان أمينا فى دينه حتى الكافر. والدليل  على ماقلناه قوله عز وجل: ” ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ” ولم  يفرق، ولأنه اذا لم  يخرجه  التأويل عن كونه كافرا أو فاسقا لم يخرجه عن  ان يكون مردود الخبر

———————

  [قوله وإن كان] أى الراوى (قوله سواء الخ) أى سواء علم أن ما أتى به فسق أو لا (قوله بتأويل) أى كمن شرب النبيذ مثلا معتقدا اباحته أوغير معتقد شيئا (قوله اذا كان أمينا) أى بأن كان يحرم الكذب مطلقا على الناس وعلى الله ورسوله (قوله حتى الكافر) أى حتى من كان من لوازم بدعته أنه كافر عندنا. والفرق بين لزوم الكفر والإلتزام أن الملتزم كافر دون من لزمه وهو لايرى ذلك ولايعتقد كفسق الخوارج المبيحة دماء المسلمين (قوله ماقلناه) أى من أنه لايقبل خبر الفاسق مطلقا (قوله ولم يفرق)  أى فيه بين أن يكون بتأويل أو لا

 

     (فصل) فإذا كان مجهول الحال لم يقبل حتى تثبت عدالته. وقال أصحاب أبى حنيفة رحمه الله يقبل. والدليل على ما  قلناه ان كل خبر لم يقبل من الفاسق لم يقبل من  مجهول العدالة كالشهادة

———————

[قوله لم يقبل] أى لانتفاء تحقق الشرط (قوله يقبل) أى اكتفاء بظن حصول الشرط فإنه يظن من عدالته فى الظاهر عدالته  فى الباطن

 

     (فصل) ويجب البحث عن العدالة الباطنة كما يجب ذلك فى الشهادة. ومن أصحابنا من قال يكفى السؤال عن  العدالة فى الظاهر، فإن مبناه على الظاهر وحسن الظن، <133> ولهذا يجوز قبوله من العبد

———————-

[قوله عن العدالة الباطنة] وهى ما فى نفس الأمر، وهى التى ترجع الى أقوال المزكين (قوله وحسن الظن) أى بالراوى بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحكام فلا يتعذر عليهم معرفة عدالتهم فى الباطن (قوله ولهذا يجوز الخ) أى ولأنه قد ثبت بالإجماع جواز رجوع العامى فى الفتوى الى من رآه منتصبا للفتوى ورأى المسلمين يأخذون عنه (قوله قبوله من العبد) أى قبول الخبر المروى من العبد

 

    (فصل) فإن اشترك رجلان فى الإسم والنسب واحدهما عدل والآخر فاسق فروى خبر عن هذا الإسم لم يقبل حتى يعلم انه عن عدل

 

     (فصل) ويثبت التعديل والجرح فى الخبر بواحد. ومن أصحابنا من قال لايثبت الا من نفسين كتزكية الشهود. والأول أصح لأن الخبر يقبل من واحد فكذلك تزكية المخبر

———————

[قوله بواحد] أى وإن كان عبدا أو امرأة لأن التزكية بمنزلة الحكم وهولايشترط فيه العدد

 

     (فصل) ولايقبل التعديل الا ممن يعرف شروط العدالة وما يفسق به الانسان لأنا لو قبلنا ممن لايعرف لم  نأمن ان نشهد بعدالة من هو فاسق أو فسق من هو عدل

 

     (فصل) ويكفى فى التعديل ان يقول هو عدل. ومن أصحابنا من قال يحتاج ان يقول هو عدل على ولى. ومن  الناس من قال لابد من ذكر ما صار به عدلا. والدليل على انه يكفى قوله عدل ان قوله عدل يجمع انه  عدل عليه وله ولايحتاج الى الزيادة عليه. والدليل على انه لايحتاج  الى ذكرما يصير به عدلا أنا لانقبل الا قول من  تعرف فيه شروط  العدالة فلا يحتاج  الى بيان شروط العدالة

———————

[قوله ان يقول] أى المزكى (قوله هو عدل)  أى من غير  ذكر  أسباب التعديل لأنها كثيرة فيشق ذكرها (قوله على) أى عندى (قوله لابد من ذكر الخ) أى لاحتمال ان يبادر الى التعديل عملا بالظاهر (قوله عدل) أى هو عدل (قوله أنا لانقبل الخ) أى ومقتضى هذا أنه يكتفى بقول العدل من غير ذكر السبب اكتفاء بعلمه بخلاف الجرح

 

     (فصل) ولايقبل الجرح الا مفسرا فأما اذا قال هو ضعيف أو فاسق <134> لم يقبل. وقال أبو حنيفة رحمه الله اذا قال هو فاسق قبل من  غير تفسير. وهذا غير صحيح لأن الناس يختلفون فيما يرد به الخبر ويفسق به الإنسان، فربما اعتقد فى أمر انه جرح وليس بجرح فوجب بيانه

———————

[قوله الا مفسرا] أى مذكورا سبب الجرح لاختلاف الناس فيما يجرح به (قوله اذا قال) أى الجارح (قوله لم يقبل) أى لاحتمال انه فسقه بما لم يكن مفسقا (قوله فوجب بيانه)  أى ما يرد به الخبر وما يفسق به الإنسان

 

     (فصل) فإن عدله واحد  وجرحه آخر قدم الجرح على التعديل لأن مع شاهد الجرح  زيادة علم فقدم على المزكى

——————–

[قوله عدله] أى الراوى للحديث (قوله قدم الجرح الخ) أى وان كان عدد المعدلين اكثر. وقيل ان كان عدد المعدلين أكثر قدم التعديل

 

     (فصل) فإن روى عن المجهول عدل لم يكن ذلك تعديلا. وقال بعض أصحابنا ان ذلك تعديل. والدليل على فساد  ذلك هو أنا نجد العدول يروون عن المدلسين والكذابين. ولهذا قال الشعبى: أخبرنى الحارث الأعور وكان والله كذابا، فلم  يكن فى الرواية عنه دليل على التعديل

——————–

[قوله عن المجهول] أى مجهول العدالة (قوله ذلك) أى رواية عدل عن المجهول (قوله تعديلا) أى لذلك المجهول (قوله ان ذلك  تعديل) أى كما صححه شيخ الإسلام فى اللب (قوله انا نجد الخ) أى ولاحتمال أن يترك عادته (قوله الحارث) هو أبو زهير الحارث بن عبد الله الهمدانى من كبار الشيعة

 

      (فصل) فأما اذا عمل العدل بخبره وصرح بأنه عمل بخبره فهو تعديل لأنه لايجوز ان  يعمل به الا وقد قبله. وإن  عمل بموجب خبره ولم يسمع منه  انه عمل بالخبر لم يكن ذلك تعديلا لأنه قد يعمل بموجب الخبر من جهة القياس ودليل غيره، فلم يكن ذلك  تعديل

——————-

[قوله فهو] أى العمل بخبره (قوله تعديل) أى لذلك المجهول. وقيل لا إذ العمل بخبره يحتمل أن يكون احتياطا أو لدليل آخر (قوله بموجب خبره)  أى بمقتضى خبره

 

(باب القول فى حقيقة الرواية وما يتصل به)

     والإختيار فى الرواية ان يروى الخبر بلفظه لقوله صلى الله عليه وسلم:”  نضر الله امرأ سمع مقالتى فوعاها ثم أداها كما سمع رب حامل فقه الى من هو تفقه منه “. فإن اورد الرواية بالمعنى نظرت ؛ فإن كان ممن لايعرف معنى الحديث  لم يجز لأنه لايؤمن ان  يغير معنى الحديث. وإن  كان ممن  يعرف معنى الحديث نظرت ؛ فإن كان ذلك فى خبر محتمل لم  يجز ان يروى بالمعنى لأنه ربما نقل بلفظ لايؤدى مراد الرسول صلى الله عليه  وسلم  فلا  يجوز ان   يتصرف  فيه، وان كان خبرا ظاهرا ففيه وجهان: من أصحابنا من  قال لايجوز لأنه ربما كان التعبد باللفظ كتكبير الصلاة. والثانى انه يجوز، وهو الأظهر لأنه يؤدى معناه فقام مقامه، ولهذا روى عن  النبى صلى الله عليه وسلم انه  قال ” اذا اصبت فلا بأس “.

——————–

[قوله كما سمع] أى بلفظه (قوله لم يجز) أى أن يرويه إلا بلفظه (قوله ذلك) أى الرواية بالمعنى (قوله فى خبر محتمل) أى بأن كان مشتركا أو مجملا أو مشكلا (قوله فيه) أى فى الخبر المحتمل (قوله وان كان خبرا ظاهرا) أى إن كان اللفظ ظاهر المعنى (قوله لايجوز) أى روايته بالمعنى 

 

     (فصل) والأولى ان يروى الحديث بتمامه. فإن روى البعض وترك البعض لم  يجز ذلك على قول من يقول ان  نقل الحديث بالمعنى لايجوز، وأما على قول من قال ان ذلك جائز فقد اختلفوا فى هذا ؛  فمنهم من قال ان  كان قد  نقل ذلك هو او غيره بتمامه مرة جاز ان ينقل البعض، وان  لم يكن قد  نقل ذلك لاهو ولا غيره لم  يجز. <136> ومنهم من قال ان كان يتعلق بعضه ببعض لم يجز. فإن كان الخبر يشتمل على حكمين لايتعلق احدهما بالآخر جاز نقل احد  الحكمين بترك  الآخر، وهو الصحيح. ومن  الناس من قال لايجوز  بكل حال. والدليل على الصحيح هو انه اذا  تعلق بعضه ببعض كان فى ترك  بعضه تغرير لأنه ربما عمل بظاهره فيخل بشرط من  شروط الحكم، واذا لم يتعلق بعضه  ببعض فهو كالخبرين يجوز نقل احدهما دون الآخر

——————–

[قوله لم يجز ذلك] أى رواية البعض وترك البعض لأن حذف الحديث ورواية بعضه ربما أحدث خللا فيه (قوله ذلك) أى الحديث (قوله جاز أن ينقل البعض) أى ويترك البعض الآخر. ومحل الجواز فيما اذا كان الراوى رفيع المنزلة مشهورا بالضبط والإتقان بحيث لا يظن به زيادة ما لم يسمعه أو نقصان ما سمعه بخلاف من ليس كذلك (قوله لم يجز) أى نقل البعض وترك البعض (قوله إن كان) أى الحديث المروى (قوله لم يجز) أى سواء  كان تعلقه لفظيا كالتقييد  بالإستثناء والشرط والغاية والصفة أو معنويا كالخاص بالنسبة الى العام والمقيد بالنسبة الىالمطلق والمبين بالنسبة الى المجمل والناسخ بالنسبة الى المنسوخ (قوله لايتعلق الخ) أى بأن يكون الباقى مستقلا بمفهوم الحكم كقوله صلى الله عليه وسلم فى البحر: الطهور ماؤه الحل ميتته (قوله بكل حال) أى سواء  نقل هو أو غيره بتمامه أولا وسواء تعلق بعضه ببعض أو لا (قوله فيخل) أى العمل به

 

     (فصل) وينبغى لمن لايحفظ الحديث ان يرويه من الكتاب. فإن كان يحفظ فالأولى ان يرويه من كتاب لأنه أحوط. فإن رواه من  حفظه جاز.وأما اذا لم  يحفظ وعنده كتاب وفيه سماعه بخطه وهو يذكر انه سمع جاز ان يرويه وان لم يذكر كل حديث فيه. وان لم يذكر انه سمع هذا الخبر فهل يجوز ان يرويه فيه وجهان: احدهما يجوز، وعليه يدل قوله فى الرسالة. والثانى لايجوز، وهو الصحيح لأنه لايأمن ان يكون  قد زور على خطه، فلا تجوز الرواية بالشك <137>

——————–

[قوله فإن كان يحفظ] أى بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء وهو المسمى بضبط الصدر (قوله فيه) أى فى جواب هذا الإستفهام (قوله يدل قوله) أى الإمام الشافعى (قوله فى الرسالة) أى فى أصول الفقه (قوله لايجوز) أى أن يرويه اذا لم يذكر سماعه

 

     (فصل) فأما اذا روى عن شيخ  ثم نسى الشيخ الحديث لم يسقط الحديث. وقال الكرخى من أصحاب أبى حنيفة رحمه الله يسقط الحديث.وهذا غير صحيح لأن الراوى عنه ثقة، ويجوز ان يكون الشيخ قد نسى فلا تسقط رواية صحيحة فى الظاهر.فأما اذا جحد الشيخ الحديث وكذب الراوى عنه سقط الحديث لأنه قطع بالجحود ورد  الحديث فتعارض روايته وجحود الشيخ فسقطا، ولايكون هذا التكذيب قدحا فى الرواية عنه لأنه كما يكذبه الشيخ فهو ايضا يكذب الشيخ

——————–

[قوله اذا روى] أى الثقة (قوله عن شيخ) أى ثقة (قوله ثم نسى الخ) أى ولم ينكره ولم يكذبه بأن قال لا أعرفه أو لا أذكره (قوله لم يسقط الحديث) أى عن الإحتجاج به بل هو حجة يعمل بها (قوله جحد) أى أنكر (قوله ولايكون الخ) أى ولا يثبت جرحه (قوله لأنه كما يكذبه الخ) أى ولأن الظاهر من حالهما عدم تعمد الكذب اعتقادا بل ظنا وهو لايضر العدالة

 

     (فصل) فإذا قرأ الشيخ الحديث عليك جاز ان تقول سمعته وحدثنى وأخبرنى وقرأ على سواء قال اروه عنى أو لم يقل. وان أملى عليك  جاز جميع ماذكرنا. ويجوز ان يقول أملى على لأن جميع ذلك صدق. فأما اذا قرأت عليه الحديث وهو ساكت يسمع لم يجز ان تقول سمعته ولاحدثنى ولا أخبرنى. ومن الناس من قال يجوز ذلك. وهذا خطأ لأنه لم يوجد شيء من ذلك. فإن قال له  هو كما  قرأت عليك فاقرأ به جاز ان يقول أخبرنى ولا يقول حدثنى لأن  الإخبار يستعمل فى كل ما يتضمن  الإعلام، والحديث لايستعمل الا فيما سمعه مشافهة. فأما اذا  أجازه لم يجز ان يقول حدثنى ولا أخبرنى ويجوز ان يقول أجازنى وأخبرنى إجازة، <138> ويجب العمل به. وقال بعض أهل الظاهر لايجب العمل به. وهذا خطأ لأن القصد ان يثبت ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم، فلا فرق بين النطق وبين مايقوم مقامه. فأما اذا كتب اليه رجل وعرف  خطه جاز ان يقول كتب الى به فأخبرنى كتابة. ومن أصحابنا من قال لايقبل بالخط كما لايعمل فى الشهادة. وهذا غير صحيح  لأن  الأخبار مبناها على حسن الظن

———————-

[قوله فاذا قرأ الشيخ] أى من حفظه أو كتابه (قوله أن تقول) أى فى روايتك (قوله أملى) أى الحديث (قوله فأما اذا قرأت) أى سواء من حفظك أو من كتابك وكذا  لو  قرأ عليه غيرك  (قوله أن تقول) أى فى روايته (قوله من ذلك) أى السماع والتحديث والإخبار (قوله الإعلام) أى سواء كان بمشافهة أو كتاب أو رسول أو غيرها (قوله اذا أجازه) وقد اخنلف فى جواز الرواية بالإجازة، والصحيح جوازه (قوله العمل به) أى بالمروى بالإجازة (قوله مايقوم مقامه) أى وهو الإجازة (قوله وعرف خطه) أى وإن لم تقم بينة عليه.ومنهم من شرط البينة عليه لأن الخط يشبه بالخط (قوله ان يقول) أى المكتوب اليه

 

(باب بيان مايرد به  خبر الواحد)

     اذا روى الخبر ثقة رد بأمور: احدها ان يخالف موجبات العقول، فيعلم بطلانه لأن  الشرع إنما يرد بمجوزات العقول، وأما بخلاف العقول فلا. والثانى ان يخالف نص كتاب أو سنة متواترة، فيعلم انه لا أصل له أو منسوخ. والثالث ان يخالف الإجماع، فيستدل به على انه منسوخ او لا أصل له لأنه لايجوز ان يكون صحيحا غير منسوخ وتجمع الأمة على خلافه. والرابع ان ينفرد الواحد برواية ما يجب على الكافة علمه، فيدل ذلك على انه لا أصل له لأنه لايجوز ان يكون  له أصل وينفرد هو بعلمه من بين  الخلق العظيم. <139> والخامس ان  ينفرد برواية ماجرت  به العادة ان ينقله أهل التواتر، فلا يقبل لأنه لايجوز ان  ينفرد فى مثل هذا بالرواية. فأمااذا ورد  مخالفا للقياس او انفرد الواحد برواية ما تعم به البلوى لم  يرد، وقد حكينا الخلاف فى ذلك، فأغنى عن  الإعادة.

——————–

[قوله موجبات العقول] أى مقتضيات العقول (قوله فلا) أى فلا يرد الشرع. ومن المخالف للعقل مارواه الجوزى: ان سفينة نوح طافت بالبيت العتيق سبعا وصلت عند المقام ركعتين  (قوله نص كتاب) أى كخبر مدعى الرسالة بعد النبى صلى الله عليه وسلم، فإنه يخالف قوله تعالى ” ولكن رسول الله وخاتم النبيين ” وقوله صلى الله عليه وسلم ” أنا خاتم النبيين ولانبى بعدى ” (قوله الإجماع) أى كخبر قتل شارب الخمرة فى المرة الرابعة، فإنه منسوخ بالإجماع على ترك العمل به (قوله ان ينفرد الخ) أى مثل ما نقله الشيعة من قوله صلى الله عليه وسلم لعلى ” أنت الخليفة بعدى “، فمثل هذا  تتوفر الدواعى الى معرفته لأنه يتعلق به كافة الناس على ما يجب علمه وقد أجمعوا  على خلافة أبى بكر بعد رسول الله صلى الله   عليه  وسلم، ولو صح وثبت ماذكروه لعلمه الصحابة ولما عدلوا عنه الى خلافته (قوله أن ينفرد) أى الواحد (قوله ماجرت الخ) أى كما لو انفرد بالخبر عن سقوط الخطيب عن المنبر بمشهد من اهل المدينة لأنه يقطع بتكذيبه (قوله ورد) أى خبر الواحد (قوله الخلاف) أى فى أوائل الباب، والأصح أنه مقبول ويقدم على القياس (قوله ذلك) أى وروده مخالفا للقياس 

 

      (فصل) فأما اذا انفرد بنقل حديث  واحد لايرويه غيره لم يرد خبره. وكذلك لوانفرد بإسناد ما أرسله غيره او رفع ما وقفه غيره او بزيادة لا ينقلها غيره. وقال بعض أصحاب الحديث يرد. وقال أصحاب أبى حنيفة رحمه الله اذا لم ينقل نقل الأصل لم يقبل. وهذا خطأ لأنه يجوز ان  يكون  أحدهم سمع الحديث كله والآخر سمع  بعضه أو احدهم سمعه مسندا او مرفوعا فلا نترك رواية الثقة لذلك <140>

——————

[قوله ما أرسله غيره] أى ما رواه غيره مرسلا (قوله لو رفع الخ) أى رفع الى النبى ما وقفه غيره على الصحابى أو من دونه(قوله أو بزيادة) أى أو انفرد بزيادة (قوله لم ينقل غيره) أى من العدول. هكذا فى جميع  النسخ، والظاهر أنه محرف ولعل صوابه: اذا لم يغفل غيره عادة، يعنى اذا كان غير من زاد  مما تقتضى العادة ان لايغفل مثلهم عن مثلها لم تقبل، وأما اذا اقتضت العادة ان يغفل مثلهم عن مثلها فإنها تقبل سواء كانت  معارضة أو غير معارضة  فتدبر (قوله لذلك)  أى لإرسال غيره أو وقفه او عدم زيادته

 

(باب القول فى ترجيح احد الخبرين على الآخر)

     وجملته اذا تعارض خبران وأمكن الجمع بينهما وترتيب احدهما على الآخر فى الإستعمال فعل. وان لم  يمكن  ذلك و أمكن نسخ  احدهما بالآخر فعل على ما بينته فى  باب بيان الأدلة التى يجوز التخصيص لها وما لايجوز. فإن لم يمكن ذلك رجح احدهما على الآخر بوجه من وجوه  الترجيح. والترجيح يدخل فى موضعين احدهما فى الإسناد والآخر فى المتن.فأما  الترجيح فى الإسناد فمن وجوه: احدها ان  يكون احد  الراوين صغيرا والآخر كبيرا، فيقدم الكبير لأنه أضبط، ولهذا قدم ابن عمر روايته فى الإفراد على رواية انس فقال ان  أنسا كان  صغيرا يتولج على النساء وهن متكشفات وانا آخذ بزمام  ناقة رسول الله  صلى الله عليه  وسلم يسيل على لعابها. والثانى ان يكون احدهما أفقه من الآخر، فيقدم على من دونه  لأنه اعرف بما يسمع. والثالث ان يكون احدهما أقرب الى رسول الله صلى الله  عليه وسلم، فيقدم لأنه أوعى. والرابع ان  يكون احدهما مباشرا للقصة او تتعلق  القصة به لأنه  اعرف من الأجنبى. والخامس ان يكون  احد  الخبرين اكثر رواة <141> فيقدم على الخبر الآخر. ومن  أصحابنا من قال لايقدم كما لاتقدم  الشهادة بكثرة العدد. والأول أصح لأن قول الجماعة أقوى فى الظن وأبعد عن  السهو، ولهذا قال الله  تعالى ”  ان  تضل احداهما فتذكر احداهما  الأخرى “. والسادس ان  يكون احد الراوين أكثر صحبة، فروايته أولى لأنه أعرف بما دام من  السنن. <142> والسابع ان يكون  احدهما أحسن سياقا للحديث، فيقدم لحسن عنايته  بالخبر. والثامن ان يكون احدهما متأخر الإسلام فيقدم لأنه  يحفظ آخر الأمرين من النبى صلى الله  عليه وسلم، وكذلك اذا  كان  احدهما متأخر الصحبة كابن  عباس وابن  مسعود، فرواية المتأخر منهما تقدم. وقال بعض اصحاب أبى حنيفة رحمه  الله لايقدم  بالتأخير لأن المتقدم عاش حتى مات رسول الله صلى الله  عليه  وسلم فساوى المتأخر فى الصحبة وزاد عليه  بالتقدم. وهذا غير صحيح لأنه وان كان قد  ساوى المتأخر فى الصحبة الا ان  سماع المتأخر متحقق التأخر وسماع المتقدم يحتمل التأخر والتقدم، فما تأخر بيقين أولى.ولهذا قال ابن عباس كنا نأخذ من  أوامر رسول  الله صلى الله عليه وسلم بالأحدث فالأحدث. والتاسع ان  يكون احد الراويين  أورع أو أشد  احتياطا فيما  يروي، فتقدم روايته لاحتياطه فى النقل. والعاشر ان يكون احدهما قد  اضطرب لفظه والآخر لم يضطرب، فيقدم من لم   يضطرب لفظه لأن اضطراب لفظه يدل على ضعف حفظه. <143> والحادى عشر ان  يكون احد الخبرين من  رواية اهل المدينة، فيقدم على رواية غيرهم لأنهم يرثون افعال رسول الله صلى الله  عليه وسلم وسنته التى مات عليها، فهم اعرف بذلك من غيرهم. والثانى عشر ان يكون راوى احد الخبرين قد  اختلفت الرواية عنه والآخر تختلف عنه فاختلف اصحابنا فى ذلك ؛ فمنهم من  قال تتعارض الروايتان عمن اختلفت الرواية عنه وتسقطان وتبقى رواية من لم  تختلف عنه  الرواية. ومنهم من  قال ترجح احدى الروايتين عمن اختلفت الرواية عنه على الرواية الأخرى برواية من لم تختلف الرواية عنه

——————–

[قوله وجملته] أى جملة القول (قوله اذا تعارض) أى فى الظاهر بحسب ظن  المجتهد (قوله و أمكن الخ) أى بأن حمل أحدهما على مالم يحمل عليه الآخر (قوله وأمكن نسخ الخ) أى بأن علم المتأخر منهما فى الواقع (قوله فى الإسناد) المراد بالإسناد هنا رجال الرواة بالحديث (قوله صغيرا) أى حين التحمل والسماع (قوله كبيرا) أى بالغا حين التحمل (قوله لأنه اضبط) أى وأفهم للمعانى (قوله فى الإفراد) أى بالحج (قوله رواية أنس) أى التى تمسك بها الحنفية فى أن القران أفضل من الإفراد، وهى أنه سمع النبى  يلبى بالحج والعمرة جميعا (قوله يتولج) أى يدخل (قوله أحدهما) أى الراويين  (قوله أفقه) المراد بالفقه هنا الذى يتعلق به المروى حتى اذا كان متعلقا بالبيوع قدم خبر الفقيه بها على خبر الفقيه بما عداها (قوله مباشرا للقصة) أى كترجيخ خبر أبى رافع أنه صلى الله عليه وسلم تزوح ميمونة حلالا رواه الترمذى على خبر ابن عباس أنه صلى الله  عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم رواه الشيخان. وذلك لكون أبى رافع مباشرا للقصة حيث قال وكنت السفير بينهما (قوله أو تتعلق القصة به) أى كترجيح الصحابة خبر عائشة رضى الله عنها ان رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل وعائشة جالسة فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إنى لا أفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل، رواه مسلم على خبر ابن عباس: إنما ان الماء من الماء. وذلك لكون عائشة تتعلق القصة بها فيجب الغسل بالجماع وإن لم ينزل (قوله فيقدم) أى خبر الراوى المباشر على الأجنبى وإن  كان أكثر (قوله فيقدم على الخبر الآخر) أى الذى رواته أقل، كترجيح حديث الوضوء: من مس الذكر، إذ رواه نفر من الصحابة عن النبى. وأما حديث الرخصة فلا يحفظ الا من حديث طلق بن على اليمامى (قوله لايقدم) أى ماكان رواته أكثر (قوله كما لاتقدم الخ) أى فإن شهادة اثنين كما تعارض شهادة اثنين آخرين تعارض شهادة الأربعة (قوله لأن قول الجماعة الخ) أى مع أن المقصود من الدليل ظن الحكم وكلما  كان الظن اقوى كان اعتباره أولى  بخلاف الشهادة فإن مقصودها فصل الخصومات فضبطت بنصاب معين لأن اعتبار الكثرة يفضى الى تطويل  الخصومة (قوله فروايته الخ) أى كترجيح حديث أم سلمة: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا ثم يصوم، على حديث أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: من أصبح جنبا فلا صوم له. وذلك لأن أم سلمة أدوم صحبة فتكون أعرف بما  يدوم من السنن (قوله أحسن سياقا) أى وأبلغ استقصاء (قوله فيقدم لحسن الخ) أى كترجيح  حديث جابر فى الإفراد. قال إمامنا الشافعى أخذت برواية جابر لتقدم صحبته وحسن سياقه لابتداء الحديث لأنه وصف خروج النبى من المدينة مرحلة مرحلة ودخوله بمكة وحكى مناسكه على ترتيب انصرافه، وغيره لم يضبط ماضبطه (قوله فيقدم لأنه الخ) أى لظهور تأخر خبره عن معارضه (قوله أحهما متأخر الصحبة) أى اذا علم ان سماع المتأخر بعد اسلامه والا فلا يقدم(قوله كابن عباس) هو عبد الله بن عباس، فإنه أحدث صحبة ومتأخر من ابن مسعود (قوله متحقق التأخر) أى حيث أن تأخر إسلامه قرينة ظاهرة فى تأخر مرويه فى الخارج اذا علم أن سماعه بعد إسلامه عن متقدم الإسلام فيكون ناسخا له فيقدم عليه(قوله أورع) الورع هو الإعتناء بالإتيان بالمستحبات والإجتناب عن المكروهات (قوله أن يكون احد الخبرين الخ) أى كتقديم صاع أهل المدينة على غيرهم (قوله لأنهم يرثون الخ) أى ولأنها دار هجرة ومجمع المهاجرين والأنصار (قوله وتبقى) أى سالمة عن المعارض فيعمل بها

 

     (فصل) وأما ترجيح المتن فمن وجوه: احدها ان يكون احد الخبرين موافقا لدليل آخر من كتاب أو سنة أو قياس، فيقدم على الآخر لمعاضدة الدليل له. <144> والثانى  ان يكون احد الخبرين عمل به  الأئمة، فهو أولى لأن عملهم به يدل على انه آخر الأمرين و أولاهما، وهكذا  اذا عمل بأحد الخبرين أهل الحرمين فهو أولى لأن عملهم به يدل على انه قد استقر عليه الشرع وورثوه. والثالث ان يكون احدهما يجمع  النطق والدليل، فيكون أولى مما يجمع احدهما لأنه أبين. والرابع ان  يكون احدهما نطقا والآخر دليلا فالنطق أولى من الدليل لأن النطق مجمع عليه والدليل مختلف  فيه. والخامس ان يكون احدهما قولا وفعلا والآخر احدهما فالذى يجمع القول والفعل أولى لأنه اقوى لتظاهر الدليلين وان كان احدهما قولا والآخر <145> فعلا ففيه اوجه قد  مضت فى الأفعال. والسادس ان  يكون احدهما قصد به  الحكم والآخر لم يقصد به الحكم فالذى قصد به الحكم أولى لأنه ابلغ فى بيان الغرض وافادة المقصود. والسابع ان يكون احدهما ورد على سبب والآخر ورد على غير سبب فالذى ورد على غير سبب أولى لأنه متفق على عمومه والوارد على سبب مختلف فى عمومه. والثامن ان يكون احد الخبرين قضى به على الآخر فالذى قضى به منهما أولى لأنه  ثبت له حق التقدم. والتاسع ان يكون احدهما اثباتا والآخر نفيا فيقدم الإثبات لأن مع المثبت زيادة علم فالأخذ بروايته اولى. والعاشر ان يكون <146> احدهما ناقلا والآخر مبقيا فالناقل أولى لأنه يفيد حكما شرعيا. والحادى عشر ان يكون احدهما يقتضى الحظر والآخر الإباحة ففيه وجهان: احدهما انهما سواء. والثانى ان الذى يقتضى الحظر أولى، وهو الصحيح  لأنه أحوط

——————-

[قوله من كتاب] أى كترجيح حديث: من نام عن صلاة فليصلها اذا ذكرها، على نهيه صلى  الله عليه وسلم عن الصلاة فى الأوقات المكروهة لأن الحديث الأول يعضده قوله تعالى ” حافظوا على الصلوات ” الآية فلايكون قضاء الصلوات منهيا عنه فى الأوقات المكروهة (قوله أو سنة) أى كجديث:لا نكاح الا بولى. فإنه يعارضه حديث: ليس للولى مع الثيب امرة. إلا أن الحديث الأول يرجح لموافقته لحديث آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل (قوله أو قياس) أى كحديث أبى هريرة عن النبى صلى اله عليه وسلم قال: ليس على المسلم صدقة فى عبده ولا فرسه. فإنه يعارضه حديث ابى هريرة أيصا قال قال صلى الله عليه وسلم  فى الخيل: ثم لم ينس حق الله فى ظهورها. إلا أن الأول أرجح لأنه يوافق القياس وهو لأن الذكور الخلص من الخيل متفق على عدم وجوب الزكاة فيها فيقال: ما لاتجب الزكاة فى ذكوره لاتجب فى إناثه كسائر الحيوانات (قوله فيقدم على الآخر) أى الذى لم يوافق لأن الظن فى الموافق أقوى (قوله أن يكون احد الخبرين الخ) كترجيح رواية من روى فى تكبيرات صلاة العيدين سبعا فى الأولى وخمسا فى الثانية على رواية من روى أربعا فيهما كالجنائز، وذلك لأن ما فى الأولى قد عمل به أبو بكر وعمر وغيرهما وهم أكثر  اهل العلم  من الصحابة والتابعين والأئمة (قوله قد استقر به الشرع) أى دون الآخر (قوله النطق والدليل) أى المنطوق ومفهوم المخالفة (قوله فيكون أولى) أى كترجيح حديث جابر ان النبى صلى الله عليه وسلم: قضى بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلاشفعة، على حديث سمرة بن جندب ان النبى صلى الله عليه وسلم  قال: جار الدار أحق  بالدار من غيره. وذلك لأن الأول يدل بمنطوقه على ان الشفعة فيما لم يقسم ويدل بمفهومه على أنه لاشفعة فيما قد قسم وقد صرح بهذا المفهوم فقال فإذا وقعت الحدود الخ وأما  الحديث الثانى فيدل بمنطوقه على ان الشفعة للجار المجاور (قوله دليلا) أى دليل الخطاب (قوله والدليل مختلف فيه) أى مفهوم المخالفة المسمى بدليل الخطاب  بخلاف مفهوم الموافقة فلا خلاف (قوله فالذى يجمع  الخ) أى كما روى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يسعى ويقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعى، فإنه أدل على المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: الحج عرفة. (قوله لتظاهر الدليلين) أى لتعاونهما وتعاضدهما (قوله اوجه قد مضت) أى من الأصحاب من قال القول أولى لأنه أقوى فى الدلالة على الشرع والفعل يحتمل التخصيص بالنبى وهو الأصح، منهم من قال الفعل أولى، و منهم من قال هما سواء  (قوله فالذى قصد به الحكم أولى) أى كترجيح حديث إمامة جبريل وفيه ان جبريل صلى  بالنبى صلى الله عليه وسلم العصر حين صار ظل كل شيء مثليه على حديث ابن عمر فى ان وقت العصر مصير طل كل شيء مثله. وذلك لأن حديث إمامة جبريل قصد به بيان الحكم بخلاف حديث ابن عمر فإنه ورد فى غير مقصود (قوله ورد) أى عاما على سبب خاص (قوله عمومه) أى الوارد على غير السبب (قوله فالذى قضى الخ) أى كحديث: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، فإنه يعارضه حديث: فيما سقت السماء العشر. والتعارض فيما دون خمسة أوسق فإنه يقدم الخاص فلا تجب الزكاة فيما دون خمسة أوسق (قوله  فيقدم الإثبات) أى كترجيح حديث بلال ان النبى صلى الله عليه وسلم دخل البيت وصلى فيه على حديث أسامة أنه  صلى الله عليه وسلم دخل البيت أى بيت الله ولم يصل فيه، وكترجيح ما روى أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، على خبر: أفطر الحاجم والمحجوم (قوله فيقدم الإثبات) وقيل عكسه لاعتضاد النافى بالأصل اذ الأصل فى كل شيء عدمه(قوله ناقلا) أى عن البراءة الأصلية (قوله مبقيا) أى على البراءة الأصلية ومؤيدا لها (قوله فالناقل أولى) أى كترجيح حديث أبى هريرة فى ايجاب الوضوء من مس الذكر على حديث طلق بن على فى عدم الإيجاب لأن الأول ناقل عن الأصل الذى هو براءة الذمة (قوله لأنه الخ) أى ولأن الناقل يستفاد منه ما لايعلم من غيره (قوله الإباحة) أى جواز الفعل والترك فدخل المكروه والمندوب والمباح (قوله أنهما سواء) أى لأنهما حكمان شرعيان، وهذا قول القاضى والغزالى

 

((القول فى الإجماع))

(باب ذكر معنى الإجماع واثباته)

     الإجماع فى اللغة يحتمل  معنيين: احدهما الإجماع على الشيء، والثانى العزم  على الأمر والقطع به من قولهم أجمعت على الشيء اذا  عزمت عليه. وأما  فى الشرع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة

——————

[قوله الإجماع على الشيء] أى اتفاق طائفة عليه سواء كان من الأمورالدينية أوالدنيوية(قوله العزم الخ) أى لقوله تعالى ” فأجمعوا أمركم” أى  اعزموا (قوله اتفاق علماء العصر) أى مجتهدى زمان من الأزمان بعد وفاة الرسول

 

     (فصل) وهو حجة من حجج الشرع ودليل من أدلة الأحكام مقطوع على مغيبه. وذهب النظام والرافضة الى انه ليس بحجة.<147> ومنهم من قال لايتصور انعقاد الإجماع ولاسبيل الى معرفته. فالدليل  على انه  يتصور انعقاده هو ان الإجماع انما ينعقد عن دليل  من نص او استنباط وأهله مأمورون بطلب ذلك  الدليل ودواعيهم  متوفرة فى الإجتهاد وفى اصابته، فصح اتفاقهم على ادراكه والإجماع موجبه كما يصح اجتماع الناس على  رؤية الهلال والصوم والفطر بسببه. والدليل على امكان معرفة ذلك من جهتهم صحة السماع ممن حضروا الإخبار عمن غاب يعرف بذلك اتفاقهم كما تعرف أديان اهل الملل مع تفرقهم فى البلاد وتباعدهم فى الأوطان. والدليل على انه حجة قوله عز وجل: ” ومن  يشاقق الرسول من بعد  ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل   المؤمنين نوله  ماتولى  ونصله جهنم وساءت  مصيرا  ” فتوعد على اتباع غير سبيلهم، فدل على ان  اتباع سبيلهم واجب ومخالفتهم حرام، وايضا قوله صلى الله عليه وسلم ” لاتجتمع امتى على خطأ ” وروى ”  لاتجتمع  امتى على  الضلالة ” وقوله صلى الله  عليه وسلم ” من  فارق  الجماعة ولو قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من  عنقه ” ونهى عن الشذوذ وقال ” من شذ شذ فى النار ” فدل على وجوب العمل بالإجماع

——————–

[قوله على مغيبه] أى الحادث الذى حدث بعده بعيدا عن زمان الإجماع (قوله النظام) وهو أول من أنكر الإجماع والقياس الشرعى (قوله الى أنه ليس بحجة) يعنى أنه يتصور ويمكن وجوده الا أنه ليس بحجة لأن المجتهدين غير معصومين (قوله لايتصور انعقاد الإجماع) أى فهو ممتنع عادة. وأجيب بأن المجتهدين لهم داع الى الإجتماع على حكم واحد فى وقت واحد وهو النص القاطع أو الظن الغالب (قوله ولا سبيل الى معرفته) أى سلمنا بتصوره لكن لاطريق الى معرفته (قوله عن دليل) أى عن مستند فلا بد منه (قوله أو استنباط) أى قياس جلى أو خفى (قوله دواعيهم) أى أسبابهم وشروطهم (قوله وفى إصابته) أى فى ان يكون الإجتهاد صوابا (قوله ذلك) أى الإجماع (قوله فدل) أى مجموع هذه الأحاديث

 

     (فصل)  والإجماع حجة من جهة الشرع. ومن الناس من  قال هو حجة  من جهة العقل والشرع جميعا. وهذا  خطأ لأن العقل لايمنع اجماع الخلق الكثير <148> على الخطأ. وبهذا اجمع اليهود على كثرتهم والنصارى على كثرتهم على ما هم عليه  من الكفر والضلال، فدل على ان  ذلك  ليس بحجة من جهة العقل

——————–

[قوله من قال] أى منهم إمام الحرمين (قوله من جهة العقل والشرع جميعا) أى لأن الإجماع يدل على وجود دليل قاطع فى الحكم وامتناع اجتماع مثلهم على مظنون (قوله أجمع اليهود الخ) أى وكم أجمع الفلاسفة على قدم العالم (قوله على كثرتهم) أى مع كثرتهم (قوله فدل) أى هذا التعليل (قوله ليس بحجة من جهة العقل) أى بل من جهة الشرع

 

(باب ما ينعقد به الإجماع وماجعل حجة فيه)

     اعلم ان الإجماع لاينعقد الا عن دليل فإذا رأيت اجماعهم على حكم علمنا ان هناك دليلا جمعهم سواء عرفنا ذلك الدليل او لم نعرفه. ويجوز ان ينعقد عن كل دليل يثبت به  الحكم كأدلة العقل فى الأحكام ونص الكتاب والسنة وفحواهما وافعال رسول  الله صلى الله  عليه  وسلم واقراره والقياس وجميع وجوه  الإجتهاد. وقال داود وابن جرير لايجوز ان  ينعقد الإجماع من جهة القياس. فأما داود فبناه على ان القياس ليس بحجة، ويجيء الكلام عليه ان شاء الله  تعالى. وأما ابن جرير  فالدليل على فساد قوله هو ان القياس دليل من أدلة الشرع، فجاز ان ينعقد الإجماع من جهته كالكتاب  والسنة

——————-

[قوله وماجعل الخ] أى من الأمور التى جعل الإجماع حجة فيها من الدينيات والعقليات والدنيويات وغيرها (قوله عن دليل) أى قطعى أو ظنى (قوله علمنا ان الخ) أى لأن القول فى الدين بلا مستند خطأ، كإجماعهم على جواز الإجارة و بيع المعاطاة (قوله فحواهما) أى مفهومهما الموافق (قوله ابن جرير) هو محمد بن جرير الطبرى ولد سنة 224 هـ وتوفى  سنة 310 هـ وهو من القائلين بجواز القياس  وحجيته (قوله فجاز الخ) أى وليست الظنية مانعة من صلاحيته لذلك كخبر الآحاد فإنه ينعقد به الإجماع وهو ظنى

 

     (فصل) والإجماع حجة فى جميع  الأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات واحكام الدماء والفروج وغير ذلك من الحلال والحرام والفتاوى والأحكام <149> فأما الأحكام العقلية فعلى ضربين: احدهما يجب تقديم العمل به على العلم بصحة الشرع كحدوث العالم واثبات الصانع واثبات صفاته واثبات النبوة وما أشبهها، فلا يكون الإجماع حجة فيه لأنا  قد بينا ان الأجماع دليل شرعى ثبت بالسمع  فلا يجوز ان يثبت حكما يجب معرفته قبل السمع كما لايجوز ان يثبت الكتاب بالسنة  والكتاب يجب العمل به قبل السنة. والثانى ما  لايجب تقديم العمل به على السمع، وذلك مثل جواز الرؤية وغفران الله تعالى للمذنبين وغيرهما مما يجوز ان يعلم بعد السمع، فالإجماع حجة فيها لأنه  يجوز ان يعلم  بعد الشرع والإجماع من أدلة الشرع، فجاز اثبات ذلك  به. وأما  أمور الدنيا كتجهيز الجيوش  وتدبير الحروب والعمارة والزراعة وغيرها من مصالح الدنيا فالإجماع ليس بحجة فيها لأن الإجماع فيها ليس بأكثر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبت ان قوله انما هو حجة فى اجماع الشرع دون مصالح الدنيا، ولهذا روى انه صلى الله عليه وسلم <150> نزل منزلا فقيل له انه  ليس برأى فتركه.

——————-

[قوله المعاملات] أى معاملات الخلق كالبيع (قوله أحكام الدماء) أى والجنايات (قوله والفروج) أى والمناكحات (قوله تقديم العمل به) المراد بالعمل هنا مايشمل عمل الجوارح وعمل القلب وهو العلم(قوله بصحة  الشرع) أى بوروده (قوله واثبات الصانع الخ) أى لأن اصول الأحكام تنبنى عليها (قوله وما أشبهها) أى من وجوب صدق الرسل وأمانتهم وفطانتهم وتبليغهم (قوله ثبت) أى كونه دليلا شرعيا (قوله فلا يجوز أن يثبت الخ) أىاذ لو جاز لزم المحال. ووجه ذلك أن صحة الإستدلال بالكتاب والسنة موقوفة على وجود الصانع وعلى كونه متكلما وعلى النبوة، فلو اثبتنا هذه الأشياء بالإجماع لزم الدور لأن صحة الإجماع متوقفة على النص الدال علىعصمة الأمة عن الخطاء الموقوف على صدق الرسل الموقوف على دلالة المعجزة على صدقهم الموقوف على وجود البارى وإرساله، فلو توقفت صحة هذه الأشياء على صحة الإجماع لزم الدور (قوله جواز الرؤية) أى رؤية الله تعالى فى الآخرة (قوله روي أنه إلخ) وقال فى تلقيح النخل: أنتم أعلم بأمر دنياكم (قوله إنه ليس برأى) أى مصيب.

 

(باب ما يعرف به  الإجماع)

     اعلم ان الإجماع يعرف بقول وفعل وقول وإقرار وفعل وإقرار. فأما القول فهو ان  يتفق قول الجميع على الحكم بأن يقولوا كلهم هذا حلال او حرام. والفعل ان  يفعلوا كلهم الشيء. وهل يشترط انقراض العصر فى هذا أم لا ؟ فيه وجهان  من اصحابنا من قال يشترط فيه  انقراض العصر، واذا  لم ينقرض العصر لم يكن  اجماعا  ولاحجة. ومنهم من  قال انه  اجماع، ولايشترط فيه انقراض العصر. وهو الأصح لقوله صلى الله عليه وسلم: ”  لاتجتمع امتى على ضلالة ” ولأن من جعل قوله حجة لم  يعتبر موته فى كونه حجة كالرسول صلى الله  عليه وسلم. فإذا قلنا ان ذلك اجماع فإذا  اجمعت الصحابة  على قول ولم ينقرضوا لم  يجز لأحد منهم ان  يرجع عما اتفقوا عليه، وان  كبر منهم صغير وصار من اهل  الإجتهاد بعد اجماعهم لم يعتبر قوله ولم تجز له مخالفتهم. <151> واذا  قلنا انه ليس بإجماع وان انقراض العصر شرط جاز لهم الرجوع عما اتفقوا عليه، وجاز لمن  كبر منهم وصار من اهل الإجتهاد ان يخالفهم

———————

[قوله يعرف] أى يتحقق (قوله وقول وإقرار) أى وفعل وإقرار (قوله قول الجميع) أى جميع مجتهدى العصر (قوله انقراض العصر) أى عصر المجمعين بأن يموتوا جميعا بعد اتفاقهم على الحكم(قوله فى هذا) أى الإجماع القولى والفعلى (قوله يشترط فيه) أى فى انعقاد الإجماع وحجيته بأن يموتوا كلهم بعده لتمكين المجمعين من الرجوع (قوله إنه إجماع) أى وحجة (قوله ولا يشترط الخ) أى بل لو اتفقت كلمة المجمعين ولو فى لحظة واحدة انعقد الإجماع (قوله ان ذلك) أى الإتفاق قبل الإنقراض (قوله ولم ينقرضوا) أى لم يموتوا جميعا (قوله لم يعتبر قوله) أى لأن الإجماع قد انعقد (قوله لم تجز له مخالفتهم) أى لأنه لو جوزنا المخالفة لتعذر الإجماع مطلقا مع كونه حجة متبعة (قوله إنه) أى الإجماع قبل الإنقراض (قوله الرجوع) أى الى ماينافيه

 

     (فصل) وأما القول والإقرار فهو ان يقول بعضهم قولا فينتشر ذلك فى الباقين فيسكتوا عن مخالفته. والفعل والإقرار هو ان يفعل بعضهم شيئا فيتصل بالباقين فيسكتوا عن الإنكار عليه ؛ فالمذهب ان ذلك حجة واجماع بعد انقراض العصر. وقال الصيرفى هو حجة ولكن لايسمى اجماعا. وقال أبو على بن أبى هريرة ان كان ذلك فتيا فقيه  فسكتوا عنه فهو حجة، وان كان حكم  إمام أو حاكم <152> لم  يكن  حجة. وقال داود ليس بحجة بحال. والدليل على ما قلناه ان العادة ان اهل الإجتهاد اذا سمعوا جوابا فى حادثة حدثت اجتهدوا فأظهروا ما عندهم، فلما لم يظهروا الخلاف فيه دل على انهم راضون بذلك. وأما قبل انقراض العصر ففيه طريقان: من  اصحابنا من قال ليس بحجة وجها واحدا. ومنهم من قال هو على وجهين كالإجماع من جهة القول والفعل     

——————–

[قوله بعضهم] أى بعض المجمعين والمجتهدين (قوله فينشر) أى بحيث يبلغهم فيمضى زمان يتمكنون فيه عادة من النظر (قوله فيسكتوا) أى الباقون بأن لم ينكروه ولا تظهر أمارة رضا  أو سخط منهم. ولاينافى ذلك قول الشافعى: لا ينسب إلى ساكت قول، لأنه محمول على الإجماع القطعى فلا ينافى كونه إجماعا ظنيا (قوله فيتصل) أى فينتشر (قوله فالمذهب) أى الصحيح (قوله ذلك) أى قول البعض أو فعله وسكوت الباقين (قوله حجة) أى لأن هؤلاء الساكتين لولم يساعدوا البعض القائل أو الفاعل لاعترضوا عليه (قوله وإجماع) أى لأن سكوتهم فى مثل ذلك يظن منه موافقتهم عادة فكان كالنطق حتى يتم به الإجماع غير أنه يسمى مقيدا  فيقال إجماع سكوتى كما يسمى مطلقا (قوله بعد انقراض العصر) أى بعد انقراض عصر بعض القائل أو الفاعل وانقراض الساكتين جميعهم بأن يموتوا. وذلك لجواز ان يكون من لم ينكر إنما لم ينكر لإنه لم يجتهد بعد فلا رأى له فى المسألة (قوله لايسمى إجماعا) أى لاختصاص مطلق الإجماع بالقطعى والإجماع السكوتى ظنى، وعلى هذا فلايسمى إجماعا إلا مقيدا بالسكوتى (قوله حجة) أى وإن لم يكن إجماعا لأن الفتيا يبحث فيها عادة، فالسكوت عنها رضا بها (قوله حكم إمام) أى فسكتوا عنه (قوله لم يكن حجة) أى لأن الإعتراض على الإمام أو الحاكم يعد سوء أدب، فلعل سكوتهم كان لذلك (قوله ليس بحجة بحال) أى بكل حال. وهذا موافق بقول الإمام الشافعى: لاينسب الى ساكت قول (قوله ليس بحجة بحال) أى ولا إجماعا لاحتمال السكوت لغير الموافقة (قوله وأما قبل الخ) أى أما قول البعض أو فعله وسكوت الباقين قبل الخ (قوله ماقلناه) أى من أنه حجة أو اجماع (قوله جواب) أى من بعض المجتهدين (قوله فيه) أى فى ذلك الجواب (قوله فدل) أى عدم اظهارهم الخلاف (قوله ففيه) أى قول البعض أو فعله مع سكوت الباقين (قوله وجها واحدا) أى بلا خلاف (قوله على  وجهين) وقد تقدم فيه انه اذا لم ينقرض العصر فيه وجهان: احدهما ليس اجماعا ولاحجة، والثانى انه اجماع وحجة

 

(باب مايصح من  الإجماع ومالايصح ومن يعتبر قوله ومن  لايعتبر)

     واعلم ان اجماع سائر الأمم سوى هذه  الأمة ليس بحجة. وقال بعض الناس اجماع كل امة حجة، وهو اختيار الشيخ أبى اسحق الإسفرائينى. والدليل على فساد ذلك مابينا ان الإجماع انما صار حجة بالشرع، والشرع  لم  يرد الا بعصمة هذه <153> الأمة، فوجب جواز الخطأ على من سواها من الأمم

——————–

[قوله هذه الأمة] أى المحمدية (قوله حجة) اى فى ملتنا بناء على ان شرعهم شرع لنا مالم يرد ناسخ (قوله وهو) أى قول البعض (قوله أبى اسحق الإسفرئينى) هو ابراهيم بن محمد بن ابراهيم الإسفرائينى الأصولى الشافعى توفى فى شهر عاشوراء سنة 418 هـ (قوله بالشرع) أى بطريق الشرع من الكتاب والسنة (قوله بعصمة الخ) أى لحديث “ان امتى لاتجتمع على ضلالة “رواه ابن ماجه وغيره(قوله فوجب جواز الخ) أى فلايكون اجماعهم حينئذ حجة فى حق احد من هذه الأمة.

 

     (فصل) وأما هذه الأمة فإجماع علماء كل عصر منهم حجة على العصر الذى  بعدهم وقال داود اجماع غير الصحابة ليس بحجة. والدليل على ما قلنا قوله تعالى: ” ومن يشاقق الرسول من بعد  ما  تبين له  الهدى” الآية ولم يفرق قوله صلى الله عليه وسلم: “لايخلو عصر من  قائم لله عز وجل بحجة” ولأنه اتفاق من علماء العصر على حكم الحادثة فأشبه الصحابة

——————–

[قوله فإجماع علماء الخ] أى فيشمل عصرالصحابة وعصر من بعدهم الى آخر الزمان(قوله حجة) أى لأن الأدلة الدالة على حجية الإجماع لم تفصل  بين عصر وعصر، فهى عامة  لعلماء كل عصر (قوله على العصر) أى على الناس الذين حدثوا بعد انعقاد الإجماع او بعد انقراض عصر المجمعين وغيرهم، فيمتنع خلاف من حدث من  المجتهدين  من بعد اجماعهم(قوله ليس بحجة) أى لأن الإجماع انما يكون عن توقيف والصحابة هم الذين شاهدوا التوقيف (قوله على ما قلناه) أى اجماع كل عصر الخ (قوله ولم يفرق) أى لأن “من” من صيغ العموم وقد توعد على ذلك، فدل على ان اتباع سبيلهم واجب ولايكون اتباع سبيلهم واجبا الا اذا  كان حجة فى نفسه (قوله فأشبه) أى فأشبه اتفاقهم اتفاق الصحابة على مسئلة حادثة، فلا معنى لاختصاصه بهم

 

     (فصل) ويعتبر فى صحة الإجماع اتفاق جميع علماء العصرعلىالحكم. فإن خالف بعضهم لم يكن ذلك اجماعا. ومن  الناس من قال ان كان المخالفون  اقل  عددا من الموافقين لم يعتد  بخلافهم. وقال بعضهم ان كان المخالفون <154> عددا لايقع العلم بخبرهم لم  يعتد بهم. ومن الناس من قال اذا اجمع اهل الحرمين مكة ومدينة والمصرين والبصرة والكوفة لم يعتد بخلاف غيرهم. وقال مالك اذا اجتمع اهل المدينة لم  يعتد بخلاف غيرهم. وقال الأبهرى من اصحابه انما أراد به فيما طريقه الإخبار كالأجناس والصاع، وقال بعض أصحابه انما اراد به الترجيح بنقلهم، وقال بعضهم انما أراد به فى زمن الصحابة والتابعين وتابعى التابعين. وقال بعض الفقهاء اذا اجمع الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم لم  يعتد بغيرهم. وقال الرافضة اذا قال على كرم الله وجهه شيئا لم يعتد بغيره. والدليل على فساد هذه الأقاويل ان الله تعالى سبحانه  انما أخبر عن عصمة جميع  الأمة، فدل على جواز الخطأ على بعضهم.

———————

[قوله فإن خالف الخ] أى ولو كان البعض واحدا (قوله ذلك) أى  الإتفاق الذى خالف فيه البعض (قوله لم يعتد بخلافهم) أى العبرة بقول الأكثر لقوله صلى الله عليه وسلم “عليكم بالسواد الأعظم” (قوله قال بعضهم) وهم المالكية والمعتزلة (قوله عددا الخ) أى عدد التواتر (قوله والبصرة)  لعله بإسقاط الواو  (قوله الأبهرى) نسبة الى أبهر اسم قرية، وهو القاضى ابو بكر محمد بن عبد الله التميمى شيخ المالكية فى العراق توفى فى شوال سنة 375 هـ (قوله الإخبار)  أى والنقل (قوله بنقلهم) أى روايتهم (قوله بعض الفقهاء) وهو القاضى أبو خازم من أصحاب أبى حنيفة والإمام أحمد فى احدى الروايتين عنه (قوله لم يعتد بغيرهم) وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم ” عليكم بسنتى  وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى تمسكوا بها وعضوا عليها  بالنواجذ ” رواه ابو داود والترمذى وصححه الحاكم

 

     (فصل) ويعتبر فى صحة الإجماع اتفاق كل من كان من اهل الإجتهاد سواء كان مدرسا  مشهورا أو خاملا مستورا وسواء كان عدلا أمينا أو فاسقا متهتكا لأن المعول فى ذلك على الإجتهاد، والمحجور كالمشهور والفاسق كالعدل فى ذلك    <155>

———————

[قوله مشهورا] أى  بأنه من اهل الإجتهاد (قوله مستورا) أى انه لايعرف من المجتهدين (قوله أمينا) أى صادقا (قوله فى ذلك) أى فى انعقاد الإجماع (قوله المحجور الخ) أى ان المجتهد المحجور كالمجتهد المشهور فى اهلية الإجتهاد والإجماع (قوله والفاسق كا لعدل) أى والمجتهد الفاسق  كالمجتهد العدل فى اهلية الإجتهاد والإجماع

 

    (فصل) ولا فرق بين ان يكون المجتهد من اهل عصرهم أو لحق بهم من العصر الذى بعدهم وصار من اهل الإجتهاد عند الحادثة،كالتابعى اذا ادرك الصحابة فى حال حدوث الحادثة وهو من اهل الإجتهاد. ومن اصحابنا من قال لايعتد  بقول التابعين مع  الصحابة. والدليل على ماقلناه هو ان سعيد بن المسيب والحسن واصحاب عبد الله بن مسعود كشريح والأسود وعلقمة كانوا يجتهدون  فى زمن  الصحابة ولم ينكرعليهم احد ولأنه من اهل الإجتهاد عند حدوث الحادثة فاعتد بقوله كأصاغر الصحابة  رضى  الله  عنهم.

——————

[قوله صار] أى المجتهد اللاحق (قوله عند الحادثة) أى عند حدوث الحادثة (قوله وهو من اهل الخ) أى فإن التابعى معتبر معهم ويكون اجماعهم لاينعقد مع مخالفته (قوله مع الصحابة) أى مع اجماع الصحابة فلو خالفهم لايعتبر الإختلاف (قوله على ما قلناه) أى من عدم الفرق بين المجتهدين فى العصرين (قوله الحسن) أى البصرى الإمام المشهور (قوله كالشريح) أى ابن الحرث بن قيس الكندى توفى سنة 80 هـ (قوله الأسود) أى بن زيد بن قيس النخعى توفى سنة 74 هـ روى انه حج ثمانين حجة وعمرة  (قوله علقمة) أى بن قيس بن عبد الله النخعى توفى سنة 63 هـ (قوله يجتهدون) أى ويفتون (قوله احد) أى من الصحابة، فلو كان قول التابعى باطلا لما ساغ للصحابة تجويزه

 

 

     (فصل) وأما من خرج من الملة بتأويل أو من غير تأويل فلايعتد  بقوله فى الإجماع. فإن اسلم وصار من اهل الإجتهاد عند الحادثة اعتبر قوله. وان  انعقد  الإجماع وهو كافر ثم اسلم وصار من اهل الاجتهاد ؛ فإن قلنا ان انقراض العصر ليس بشرط لم يعتبر قوله، <156> وان قلنا انه  شرط اعتبر قوله ؛ فإن خالفهم  لم  يكن اجماعا.

——————

[قوله من الملة] أى الاسلامية (قوله فى الإجماع) أى فى انعقاد الإجماع (قوله أعتبر قوله) أي لأن اسم الأمة يتناوله فهو من أهل الكرامة (قوله لم يعتبر قوله) أي قول كافر أسلم في انعقاد الإجماع وحجيته (قوله وإن قلنا إلخ) لكن هذا على القول بأن فائدة الإشتراط جواز رجوع البعض ودخول مجتهد قبل انقراضهم وأما على القول بأن فائدته جواز الرجوع فقط فينبغى أن لا يعتبر أيضا (قوله إنه شرط) أي في انعقاد الإجماع (قوله فإن خالفهم) أي أهل الإجتهاد (قوله لم يكن) أي إجماعهم. 

 

     (فصل) وأمامن لم يكن من اهل الإجتهاد فىالأحكام كالعامة والمتكلمين والأصوليين لم يعتبر قولهم فى الإجماع. وقال بعض المتكلمين يعتير قول العامة فى الإجماع. وقال بعضهم يعتبر قول المتكلمين والأصوليين. وهذا غير صحيح لأن العامة لايعرفون طرق الإجتهاد، فهم كالصبيان. وأما المتكلمون والأصوليون فلايعرفون جميع طرق الأحكام، فلايعتبر قولهم كالفقهاء اذا لم  يعرفوا  اصول  الفقه

——————

[قوله كالعامة] أىعامة المسلمين (قوله الأصوليين) أى الذين لايتمكنون من الإجتهاد و الا فكل مجتهد أصولى والا لما أمكنه الإجتهاد فيعتبر قولهم حينئذ (قوله بعض المتكلمين) وهو القاضى أبو بكر الباقلانى (قوله وهذا) أى المذكور من القولين (قوله كالفقهاء) أى فإنه لايعتد قولهم لعدم الشروط المعتبرة

(باب الإجماع  بعد  الخلاف)

      اذا اختلف الصحابة فى المسئلة على قولين وانقرض العصر جاز للتابعين ان يتفقوا على احدهما. ومن  اصحابنا من قال لايتصور ذلك لأن  اختلافهم <157> على قولين حجة فى جواز الأخذ بكل واحد منهما لايجوزعليها الخطأ واجماع التابعين على تحريم احدهما حجة لايجوز عليها الخطأ، فلا يصح اجتماعهما. وهذا غير صحيح لأن الصحابة اذا اجتمعت على جواز الأخذ بكل واحد من القولين صار التابعون فى القول بتحريم احدهما بعض الأمة، والخطأ جائز على بعض  الأمة

——————

[قوله فى المسئلة] أى فى حكمها (قوله جاز للتابعين) هذا ليس مخصوصا  للتابعين مع الصحابة. وذلك كاتفاق التابعين على منع بيع الأمهات بعد اختلاف الصحابة فيه  (قوله من قال) أى كأبى بكر الصيرفى وأبى الحسن الأشعرى، وبه قال الإمام احمد بن حنبل (قوله لايتصور ذلك) أى الإتفاق على احدهما، لأنه يؤدى الى انعقاد نقيضين (قوله حجة) أى اجماع منهم (قوله على تحريم احدهما) أى على احد القولين (قوله اجتماعهما) أى لأنهما نقيضان واجتماعهما محال

 

      (فصل) واذا اجتمع التابعون على احد القولين لم يزل بذلك خلاف الصحابة، ويجوز لتابع التابعين الأخذ بكل واحد من القولين. وقال  ابن خيرون والقفال يزول الخلاف وتصير المسئلة اجماعا، وهو قول المعتزلة. والدليل على ما قلناه ان اختلافهم على قولين اجماع على جوازالأخذ بكل واحد من القولين وما اجتمعت الصحابة على جوازه لايجوز تحريمه بإجماع التابعين كمااذا اجمعوا على تحليل شيء لم يجز تحريمه بإجماع التابعين

——————-

[قوله اذا اجتمع] أى اذا اجمع (قوله على احد القولين) أى قولى الصحابة (قوله خلاف الصحابة) أى فى المسئلة على قولين (قوله ابن خيران) وهو الإمام أبو على الحسين بن صالح بن خيران البغدادى توفى يوم الثلاثاء من ذى الحجة سنة 320 هـ (قوله القفال) أى الكبير محمد بن  على الشاشى (قوله بزوال الخلاف) أى خلاف الصحابة (قوله على ما قلناه) أى من عدم زوال خلاف الصحابة بإجماع التابعين على احد القولين (قوله على جوازه) أى على جواز الأخذ به (قوله لايجوز الخ) أى لأن اجماع عصر الثانى على  احد القولين يستلزم امتناع الأخذ

بالآخر فينافى اجماع اهل العصر الأول

 

     (فصل) وأما اذا اختلفت الصحابة على قولين  ثم اجتمعت على احدهما نظرت ؛ فإن كان ذلك <158> قبل ان يبرد الخلاف ويستقر كخلاف الصحابة لأبى بكر  رضى الله عنهم فى قتال مانعى الزكاة واجماعهم بعد ذلك زال الخلاف وصارت المسئلة بعد ذلك اجماعا بلا خلاف، و ان كان ذلك بعد   ما برد الخلاف واستقر ؛ فإن قلنا انه  اذا اجتمع التابعون زال الخلاف بإجماعهم فبإجماعهم أولى ان يزول، واذا قلنا بإجماع التابعين لايزول الخلاف بنيت  على  انقراض العصر ؛ فإن قلنا ان  ذلك شرط فى  صحة  الإجماع جاز لأن اختلافهم على قولين ليس  بأكثر من  اجتماعهم على قول واحد، فإذا جاز لهم ان يرجعوا قبل انقراض العصر فرجوعهم عما اختلفوا  فيه أولى،  واذا قلنا ان انقراض  العصر ليس بشرط لم  يجز  ان  يجمعوا لأن اختلافهم على قولين حجة لا يجوز عليها الخطأ فى تجويز الأخذ بكل واحد من  القولين، فلا يجوز الإجماع على  ترك حجة لايجوز عليها  الخطأ 

——————-

[قوله نظرت] أى المسئلة (قوله ذلك) أى الإجماع على احد القولين بعد اختلاف

(قوله قبل ان يبرد الخلاف) أى بأن كانوا فى مهلة النظر وتبادل الآراء ولم يستقر لهم قول (قوله زال الخلاف) أى لأنه ليس لواحد قبل استقرارالخلاف قول بل لكل واحد منهم مجرد نظر وبحث لإصابة القول (قوله اذا اجتمع التابعون) أى على احد القولين (قوله فبإجماعهم الخ) أى وتصير المسئلة اجماعية (قوله على انقراض العصر) اى على الخلاف فى اشتراط الإنقراض في الإجماع (قوله جاز) أى اجماعهم بعد الإختلاف (قوله ان يرجعوا) أى عن القول الواحد الذي اتفقوا عليه (قوله أولى) أى بالجواز (قوله بشرط) أى فى صحة الإجماع (قوله لم يجزأن يجمعوا) أى على احد القولين لهم بعد استقرار خلافهم ومضي مهلة النظر

 

(باب القول فى اختلاف الصحابة على قولين)

     واعلم اذا اختلفت الصحابة فى المسئلة على قولين وانقرض العصر عليه لم يجز للتابعين إحداث قول ثالث. وقال بعض أهل الظاهر <159> يجوز ذلك. والدليل على فساد ذلك هو ان اختلافهم على قولين اجماع على إبطال كل قول سواهما كما ان اجماعهم على قول كل واحد اجماع على ابطال كل قول سواه، فلما لم يجز احداث قول ثان فيما اجمعوا فيه على قول واحد لم يجز احداث قول ثالث فيما اجمعوا  فيه  على قولين

——————–

[قوله فى المسئلة] أى الواحدة (قوله عليه) أى على هذا الإختلاف (قوله لم يجز الخ) أى لاستلزام الإحداث إبطال ما اجمعوا عليه لأن اختلافهم على قولين يقتضى وجوب الأخذ بأحدهما واحداث ثالث يرفع ذلك كله (قوله يجوز ذلك) أى احداث قول ثالث مطلقا لأن اختلافهم على قولين دليل تسويغ الإجتهاد فى احداث ثالث (قوله اختلافهم) أى اختلاف الصحابة او الأمة فى أى عصر من الأعصار (قوله اجماع) أى من جهة المعنى (قوله لم يجز احداث الخ) أى لأن تجويزه مبطل لوجوب الأخذ بأحد القولين وكان مبطلا للإجماع المنعقد أولا وذلك باطل

 

     (فصل) فأما اذا اختلفت الصحابة  فى مسئلتين على قولين فقالت طائفة بالتحليل، وقالت  طائفة بالتحريم ولم  يصرحوا  بالتسوية بينهما فى الحكم  جاز  للتابعى ان يأخذ فى احدى المسئلتين بقول طائفة وفى المسئلة الأخرى بقول الطائفة الأخرى فيحكم بالتحليل فى احدى  المسئلتين وبالتحريم فى المسئلة الأخرى. ومن الناس من زعم ان هذا إحداث قول ثالث. وهذا خطأ لأنه وافق فىكل واحد من  المسئلتين فريقا من الصحابة.وأما اذا صرح الفريقان بالتسوية بين المسئلتين فقال احد الفريقين الحكم فيهما واحد وهو التحريم وقال الفريق الآخر الحكم  فيهما واحد وهو التحليل واخذ بقول  فريق فى احداهما وبقول فريق فى <160> الأخرى فقال شيخنا القاضى أبو الطيب  رحمه  الله يحتمل ان يجوز  ذلك لأنه لم يحصل الإجماع على التسوية  بينهما فى حكم. والأول أصح لأن  الإجماع قد حصل من الفريقين على التصريح بالتسوية بينهما، فمن فرق بينهما فقد   خالف الإجماع، وذلك  لايجوز 

———————

[قوله فى الحكم] أى كما هنا، أو فى العلة كتوريث العمة أو الخالة ؛ فإن من ورثهما جعل علة التوريث كونهما من ذوى الأرحام، ومن منعه جعله علة المنع فلا يجوز التفصيل لأنه رفع مجمع عليه (قوله فيحكم الخ) مثال ذلك اختلاف العلماء  فى تعاطى الأكل وفعل  الجماع ناسيا ؛ فقال بعضهم يفطران وقال بعضهم لايفطران، ثم  فصل السفيان  الثورى بينهما مع اتحادهما فى العلة فقال الجماع ناسيا يفطر والأكل ناسيا لايفطر لبعد النسيان فى الجماع دون الأكل (قوله ومن الناس من زعم الخ) أى فهو ممنوع مطلقا لأنهم أجمعوا على عدم التفصيل (قوله بالتسوية) أى فى الحكم والعلة (قوله أبو الطيب) هو طاهر بن عبد الله توفى سنة 450 هـ (قوله يحتمل الخ) أى كما يحتمل ان لايجوز ذلك (قوله والأول) أى القول بعدم جواز احداث التفصيل فيما صرحوه بالتسوية

 

(باب القول فى قول الواحد من الصحابة وترجيح  بعضهم على بعض)

     اذا قال بعض الصحابة قولا ولم  ينتشر ذلك فى علماء الصحابة ولم  يعرف له مخالف لم يكن ذلك اجماعا، وهل هو حجة ؟ فيه قولان: قال  فى القديم هو حجة  ويقدم على القياس، وهو  قول جماعة من  الفقهاء، وهو قول أبى  على الجبائى. وقال فى الجديد ليس بحجة، وهو الصحيح. وقال اصحاب أبى حنيفة اذا خالف القياس فهو توقيف يقدم على القياس، وذكروا ذلك من كل وجه فى  قول ابن  عباس فيمن نذر ذبح ابنه، وفى قول عائشة رضى الله  عنها فى <161> قصة زيد بن أرقم وغير ذلك من  المسائل. والدليل على انه ليس بحجة ان الله  سبحانه  وتعالى إنما أمر باتباع سبيل جميع المؤمنين، فدل على ان اتباع بعضهم لا يجب ولأنه قول عالم يجوز اقراره على الخطأ فلم  يكن حجة كقول التابعى. والدليل على انه ليس بتوقيف انه  لو كان توقيفا  لنقل فى وقت من الأوقات عن  رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما لم ينقل دل على انه  ليس  بتوقيف

———————-

[قوله له] أى لهذا القول (قوله ذلك) أى قول بعض الصحابة بعد انتشاره، فلا يلحق بالإجماع السكوتى (قوله فيه) أى فى جواب هذا الإستفهام (قوله حجة) أى مطلقا (قوله وهو) أى قول الشافعى فى القديم (قوله جماعة من الفقهاء) منهم مالك واحمد وجماعة من الحنفية (قوله الجبائى) وهو ابو على بن عبد الوهاب الجبائى المعتزلى (قوله ليس بحجة) أى الا فى الحكم التعبدى لظهور ان مستنده فيه التوقيف من النبى(قوله الصحيح) أى لإجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم لبعض (قوله فهو) أى قول بعض الصحابة المخالف للقياس (قوله لتوقيف) أى تعليم من الشارع فيكون حجة يجب العمل به (قوله فى قول ابن عباس الخ) أى عبد الله بن عباس قال انه يذبح شاة. وقيل لايصح لأن النذر على ذبح الإبن معصية  (قوله زيد بن الأرقم) أى الخزرجى (قوله فدل)  أى هذا الدليل (قوله كقول االتابعى) أى بعض التابعين (قوله توقيفا) أى تعليما من الرسول (قوله دل) أى عدم النقل

 

     (فصل) واذا قلنا بقوله القديم وانه حجة قدم على القياس ويلزم التابعى العمل به  ولايجوز له مخالفته، وهل  يخص العموم به ؟ فيه وجهان: احدهما يخص به لأنه اذا قدم على القياس فتخصيص العموم أولى. والثانى لايخص به لأنهم كانوا يرجعون  الى العموم ويتركون ماكانوا عليه، فدل على انه لايجوز التخصيص به. واذا قلنا انه ليس بحجة فالقياس مقدم عليه  ويسوغ  للتابعى مخالفته. وقال الصيرفى ان كان معه قياس ضعيف كان  قوله مع  القياس الضعيف أولى من قياس قوى. وهذا خطأ لأن قوله ليس بحجة والقياس الضعيف ليس بحجة فلا يجوز ان  يترك بمجموعهما قياس هو حجة <162>

———————–

[قوله بقوله] أى الإمام الشافعى (قوله وانه) أى قول بعض الصحابة  (قوله قدم على القياس) أى عند معارضته له (قوله يلزم التابعى العمل) أى لأنه فى حكم المرفوع فى غير الصحابى مثله (قوله لايجوز) أى لأنه ملحق بالسنة بالنسبة للتابعى (قوله فيه) أى فى جواب هذا الإستفهام (قوله تخصيصا لعموم) أى به أى قول بعض الصحابة (قوله أولى) أى من تخصيص العموم بالقياس لأنه حجة فوق القياس فقدم عليه (قوله فدل) أى هذا الدليل من رجوعهم الىالعموم (قوله التخصيص به) أى تخصيص العام بقول بعض الصحابة (قوله وهذا) أى قول الصيرفى (قوله مجموعهما) أى مجموع قول بعض الصحابة مع القياس الضعيف (قوله قياس هو حجة) وهو القياس القوى

 

     (فصل) فأما اذا اختلفوا على قولين بنيت على القولين فى انه حجة أو ليس بحجة ؛ فإذا قلنا انه ليس بحجة لم  يكن قول بعضهم حجة على البعض ولم يجز تقليد واحد فى الفريقين بل يجب الرجوع الى الدليل. واذا قلنا انه حجة فهما دليلان تعارضا فيرجح احد القولين على الآخر بكثرة العدد ؛ فإذا كان على احد القولين اكثر اصحابه وعلى القول الآخر الأقل قدم  عليه الأكثر لقوله صلى الله عليه وسلم ”  عليكم بالسواد  الأعظم “، فإن  استويا فى العدد قدم بالأئمة ؛ فإن   كان على احدهما امام وليس على الآخر قدم الذى عليه الإمام لقوله صلى الله عليه  وسلم: ” عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى “، فإن كان على احدهما الأكثر وعلى الآخر الأقل الا ان مع الأقل إماما فهما سواء لأن مع احدهما زيادة عدد ومع الآخر إماما فتساويا، وان استويا فى العدد والأئمة الا ان فى احدهما احد الشيخين وفى الآخر غيرهما ففيه  وجهان: احدهما انهما سواء لقوله صلى الله عليه وسلم:”أصحابى كالنجوم بأيهم  اقتديتم  اهتديتم”، والثانى ان الذى فيه احد الشيخين أولى لقوله صلى الله  عليه وسلم: ” اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر ” فخصهما بالذكر <163> 

———————–

[قوله اذا اختلفوا] أى الصحابة (قوله بنيت) أى مسئلة الإختلاف (قوله فى انه)  أى قول الصحابى (قوله فإذا قلنا) أى جرينا على القول (قوله فهما) أى القولان للصحابة (قوله الأقل) أى من الصحابة (قوله قدم الخ) أى على ما عليه الأقل (قوله فإن استويا) أى القولان (قوله قدم) أى احدهما (قوله الأكثر) أى عددا (قوله احد الشيخين) وهما أبو بكر وعمر، اذا اطلق فى الصحابة الشيخان فالمراد بهما ابو بكر وعمر (قوله ففيه) أى فى استوائهما فى العدد والائمة الخ (قوله ان الذى فيه احد الخ) أى من الذى ليس فيه احدهما (قوله اقتدوا الخ) أى وفى رواية زيادة فانهما حبل   الله المحدود فمن تمسك بهما تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.

 

((الكلام فى  القياس))

(باب بيان حد القياس)

     واعلم أن القياس حمل فرع  على أصل فى بعض أحكامه بمعنى  يجمع بينهما. وقال بعض أصحابنا القياس هو الأمارة على الحكم. وقال بعض الناس هو فعل القائس. وقال بعضهم القياس هو الإجتهاد. والصحيح  الأول لأنه يطرد  وينعكس، ألا ترى أنه يوجد بوجوده وبعدمه يعدم القياس، فدل على  صحته. فأما الأمارة فلا تطرد، ألا ترى أن  زوال الشمس أمارة على دخول الوقت وليس بقياس. وفعل القائس أيضا لامعنى له، لأنه لوكان ذلك صحيحا لوجب أن  يكون كل فعل يفعله القائس من المشى والقعود قياسا، وهذا لايقوله أحد، فبطل تحديد  بذلك. وأما الإجنهاد فهو أعم من القياس لأن الإجتهاد بذل المجهود فى طلب الحكم، وذلك يدخل فيه حمل المطلق على المقيد وترتيب العام على الخاص  وجميع الوجوه التى يطلب منها الحكم، وشيء من ذلك ليس بقياس فلامعنى لتحديد القياس به.

——————–

[قوله حمل فرع على أصل] أى ويسمى الفرع مقيسا والأصل مقيسا عليه (قوله بمعنى) أى علة (قوله الأمارة) أى العلامة على ثبوت الحكم، فإنه غير مثبت حقيقة اذا المثبت حقيقة هو الله (قوله القائس) المراد به الفقيه المجتهد (قوله والصحيح) أى فى تعريف القياس (قوله فدل)  أى قوله مطردا و منعكسا (قوله فلاتطرد) أى لايوجد بوجودها القياس (قوله صحيحا) أى حدا صحيحا للقياس (قوله وهذا) أى ان يكون كل فعل الخ (قوله بذل المجهود)  أى الوسع

 

(باب إثبات القياس وماجعل حجة فيه)

     وجملته أن القياس حجة فى إثبات الأحكام العقلية وطريق من طرقها <164> وذلك مثل حدوث العالم وإثبات الصانع وغير ذلك.ومن الناس من أنكر ذلك. والدليل على فساد قوله أن إثبات هذه الأحكام لا يخلو إما أن يكون بالضرورة أو الإستدلال، والقياس لايجوز أن يكون بالضرورة لأنه لو كان كذلك لم يختلف  العقلاء فيها فثبت أن إثباتها بالقياس والإستدلال بالشاهد على الغائب.

——————–

[قوله وجملته] أى جملة الكلام فيه أى اثبات القياس (قوله وذلك) أى كون القياس حجة فى إثبات الأحكام العقلية (قوله من أنكر ذلك) لاستغناء العقليات عن القياس بالعقل (قوله بالشاهد) وهو المخلوقات (قوله الغائب) وهو الخالق

 

     (فصل) وكذلك هو حجة فى الشرعيات وطريق لمعرفة الأحكام ودليل من أدلتها من جهة الشرع. وقال أبو بكر الدقاق هو طريق  من  طرقها يجب العمل به من جهة العقل والشرع. وذهب النظام والشيعة وبعض المعتزلة البغداديين الى أنه ليس بطريق للأحكام الشرعية ولايجوز ورود التعبد به من جهة العقل.  وقال داود وأهل الظاهر يجوز أن  يرد التعبد به من جهة  العقل إلا أن الشرع ورد بحظره  والمنع منه.<165> والدليل على أنه لايجب  العمل به من جهة  العقل ان   تعليق تحريم  التفاضل على الكيل  أو الطعم فى العقل ليس بأولى من تعليق التحليل عليهما  ولهذا  يجوز أن يرد الشرع بكل واحد من الحكمين بدلا عن  الآخر، واذا استوي  الأمران فى التجويز بطل أن يكون العقل موجبا لذلك. وأما الدليل على جواز ورود التعبد به من جهة العقل هو أنه  اذا جاز أن يحكم فى الشيء بحكم لعلة منصوص عليها جاز أن يحكم فيه  بعلة غير منصوص عليها وينصب عليها دليلا يتوصل به  اليها  ألا ترى انه لما جاز ان يؤمر من عاين القبلة بالتوجه اليها جاز أيضا أن يؤمر من غاب عنها أن يتوصل بالدليل اليها. وأما الدليل على ورود الشرع به ووجوب العمل فإجماع الصحابة، وروى أن أبا  بكر الصديق  رضى الله  عنه كان اذا ورد عليه حكم نظر  فى كتاب  الله عز وجل ثم  فى  سنة  رسول الله صلى الله  عليه وسلم فإن لم يجد جمع  رؤساء الناس فاستشارهم، فإذا اجتمع  رأيهم على شيء قضى به،  وكتب عمر رضى الله  عنه الى أبى موسى الأشعرى  رحمه الله  فى الكتاب  الذى اتفق الناس على صحته: الفهم الفهم فيما أدى اليك  مما ليس فى  قرآن ولا سنة، ثم  قس  الأمور عند دلك. وقال  لعثمان رضى الله عنه : إنى  رأيت فى الجد رأيا فاتبعونى، فقال  عثمان ان نتبع رأيك فرأيك رشيد وإن  نتبع رأى من قبلك فنعم ذا الرأى كان. وقال على كرم الله وجهه: كان رأيى  ورأى  أمير المؤمنين عمر رضى الله  أن لاتباع أمهات  الأولاد ورأيى الآن أن  يبعن <166> فقال له عبيدة السلمانى: رأى  ذوى عدل أحب الينا من  رأيك وحدك، وفى بعض الروايات من رأى عدل واحد، فدل  على جواز  العمل  بالقياس

——————–

[قوله من جهة الشرع] أى والعمل به فى الشرعيات جائز عقلا وواجب شرعا (قوله من جهة العقل) أى لأنه لولم يكن التعبد بالقياس واجبا لخلا أكثر الوقائع عن الأحكام لأن النصوص لا تفى بجميع الأحكام لتناهيها وعدم تناهى الأحكام (قوله أنه ليس الخ) أى لأن النصوص تستوعب جميع الحوادث بالأسماء اللغوية من غير حاجة الى قياس (قوله ولا لايجوز ورود الخ) أى لأن القياس طريق غير مأمون من الخطأ والعقل يمنع من سلوكه (قوله التعبد) أى التكليف (قوله ان الشرع ورد الخ) أى بالكتاب والسنة والإجماع أما بالكتاب فكقوله تعالى ” ولاتقف ما ليس لك به علم” وقوله تعالى “وان  الظن لايغنى من الحق شيئا” فقد نهى عن اتباع ماليس بعلم ومن جملته الظن والقياس يفيد الظن، وأما السنة فكقوله صلى الله عليه وسلم “ستفترق أمتى على بضع وسبعين فرقة أعظمها على أمتى فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله” وأما بالإجماع فقد نقل عن بعض الصحابة من ذم الرأى من غير نكيرفكان اجماعا (قوله ووجوب العمل) أى به (قوله فان لم نجد الخ) أى فى الكتاب والسنة حكما (قوله أبى موسى) هو عبد الله بن قيس الأشعرى (قوله فى الكتاب الذى الخ) أى ولاينكره أحد من الصحابة (قوله الفهم الخ)  تمام الكتاب “واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى الى أحبها الى الله وأشبهها بالحق” (قوله رأيا) أى وهو أنه أولى بالإرث من الإخوة (قوله من قبلك) أى وهو أبو بكر الصديق (قوله عبيدة) بفتح العين المهملة هو ابن عمر السلمانى توفى سنة 72 هـ (قوله ذوى عدل) أى وهما أبو بكر وعمر  (قوله فدل) أى إجماعهم

 

      (فصل) ويثبت بالقياس جميع الأحكام الشرعية جملها وتفصيلها وحدودها وكفاراتها ومقدراتها. وقال أبو هاشم لايثبت بالقياس الا تفصيل ماورد النص عليه وأما إثبات جمل لم  يرد بها النص فلايجوز بالقياس، وذلك كميراث الأخ لايجوز ان يبتدأ ايجابه بالقياس، ولكن اذا ثبت بالنص  ميراثه جاز اثبات ارثه مع الجد بالقياس. وقال اصحاب ابى حنيفة لم يدخل للقياس فى اثبات الحدود والكفارات والمقدرات كالنصب فى الزكوات والمواقيت  فى الصلوات، وهو قول الجبائى. ومنهم  من قال يجوز ذلك  بالإستدلال دون القياس. والدليل على ماقلناه ان هذه الأحكام يجوز اثباتها بخبر الواحد، فجاز اثباتها بالقياس كسائر الأحكام  <167>

——————-

[قوله جميع الأحكام الخ] أى إلا ما لامجال للقياس فيه من المسموعات والمرويات والأعداد (قوله وحدودها) أى كحد النباش بالقياس على السارق فى أخذ المال خفية (قوله كفاراتها) أى كإيجاب كفارة قاتل النفس عمدا قياسا على القاتل خطأ (قوله مقدراتها) أى كتقدير نفقة الزوجة على الموسر بمدين مثلا بالقياس على فدية الحج(قوله أبو هاشم) هو عبد السلام بن أبى على البصرى الجبائى من كبار المعتزلة توفى ببغداد فى شعبان سنة 312 هـ (قوله لامدخل) أى لامجال (قوله والمقدرات) أى لأن العقل لايدرك المعنى فى اعتبار خصوص المقدار وما لايعقل معناه لايجوز القياس عليه والحدود والكفارات مشتملة على التقدير (قوله كالنصب) جمع نصاب (قوله ومنهم) أى من أصحاب أبى حنيفة (قوله ذلك) أى إثبات الحدود والمكفارات والمقدرات (قوله بالإستدلال) أى كمفهوم الموافقة (قوله ماقلناه) أى من ثبوت جميع الأحكام الشرعية بالقياس (قوله بخبر الواحد) أى وهو ظنى

 

     (فصل) فأما الأسماء واللغات فهل يجوز اثباتها بالقياس فيه وجهان: أصحهما أنه  يجوز وقد  مضى فى أول الكتاب 

——————-

[قوله الأسماء واللغات] أى كقياس النبيذ على الخمر (قوله فيه) أى فى جواب الإستفهام (قوله يجوز) أى لأن اللغات لاتستوعب جميع الحوادث (قوله فى أول الكتاب) أى فى بيان الوجوه التى تؤخذ منها الأسماء واللغات

 

     (فصل) وأما ماطريقه العادة والخلقة كأقل الحيض وأكثره وأقل النفاس واكثره وأقل  الحمل وأكثره فلامجال للقياس فيه لأن معناها لايعقل، بل طريق اثباتها خبر الصادق، وكذلك ماطريقه الرواية  والسماع كقران  النبى صلى الله عليه وسلم وإفراده ودخوله  الى مكة صلحا او عنوة، فهذا كله لامجال للقياس  فيه

——————–

[قوله الخلقة] أى الفطرة (قوله لامجال) أى لامدخل (قوله لأن معناه لايعقل) أى والقياس مبنى على ادراك معنى الأصل والفرع (قوله خبر الصادق) أى الموثوق به كخبر الإمام الشافعى بإثباته على أقل الحيض بيوم وليلة باستقرائه (قوله فهذا) أى ما طريقه الرواية والسماع

 

(باب اقسام القياس)

      قال الشيخ الإمام  الأوحد نور الله  قبره وبرد مضجعه قد ذكرت فى الملخص فى الجدل أقسام القياس مشروحا وأنا اعيد ذلك ههنا على مايقتضيه هذا الكتاب ان  شاء الله تعالى فأقول وبالله التوفيق: إن القياس على  ثلاثة اضرب قياس علة وقياس دلالة وقياس شبه. فأما قياس العلة فهو ان يرد  الفرع الى الأصل بالبينة التى علق الحكم عليها فى الشرع، وقد يكون  ذلك معنى يظهر وجه  الحكمة فيه  للمجتهد كالفساد  الذى فى الخمر ومافيها من  الصد عن <168> ذكر الله عز وجل وعن الصلاة، وقد  يكون معنى استأثر الله عز وجل بيانه  فيه بوجه الحكمة كالطعم فى تحريم الربا والكيل. وهذا الضرب من القياس ينقسم قسمين: جلى وخفى. فأما الجلى فهو مالايحتمل إلامعنى واحدا وهو ماثبتت عليته بدليل  قاطع لايحتمل التأويل، وهو أنواع بعضها أجلى من  بعض  فأجلاها ماصرح فيه بلفظ التعليل   كقوله تعالى :” كيلا يكون دولة بين  الأغنياء منكم ” وكقوله صلى الله  عليه  وسلم: “انما نهيتكم لأجل الدافة ” فصرح بلفظ التعليل، ويليه مادل عليه التنبيه من جهة  الأولى كقوله  تعالى:” فلاتقل لهما أف ” فنبه على ان الضرب أولى بالمنع وكنهيه عن التضحية بالعوراء فإنه  يدل على ان العمياء  اولى بالمنع، ويليه مافهم من اللفظ من غير جهة  الأولى كنهيه عن البول فى الماء الراكد الدائم والأمر بإراقة السمن الذائب اذا  وقعت  فيه الفأرة فإنه  يعرف من لفظه ان الدم مثل البول والشيرج مثل السمن، وكذلك كل ما استنبط من العلل وأجمع المسلمون عليها فهو جلى كإجماعهم على أن الحد للردع والزجرعن ارتكاب المعاصى ونقصان حد العبد عن  حد الحر لرقه، فهذا الضرب من  القياس لايحتمل الا معنى واحدا وينقض به حكم  الحاكم اذا خالفه كما ينقض اذا خالف  النص والإجماع

——————–

[قوله الشيخ] أى أبو إسحاق الشيرازى (قوله ان يرد الفرع الخ) يجعل الفرع راجعا اليه ومساويا له فى الحكم (قوله بالبينة) أى بالعلة بأن تكون العلة مقتضية للحكم بحيث لايحسن تخلف الحكم عنها عقلا فى الفرع (قوله ما لايحتمل الخ) أى أو ما قطع فيه بنفى الفارق (قوله التنبيه) أى من الأدنى الى الأعلى (قوله من جهة الأولى) أى ما فهم من اللفظ بطريق مفهوم الموافقة الأولى (قوله من غير جهة الأولى) أى ما فهم من اللفظ بطريق مفهوم الموافقة المساوى (قوله ان الدم) أى ومثل ذلك سائر النجاسات (قوله به) أى القياس فى هذا الضرب

 

     (فصل) وأما الخفى فهو ما كان محتملا، وهو ماثبت بطريق محتمل وهو أنواع بعضها أظهر من  بعض، فأظهرها مادل عليه ظاهر مثل  الطعم فى الربا فإنه <169> علم من  نهيه صلى الله  عليه وسلم عن  بيع المطعوم فى قوله:” لاتبيعوا الطعام بالطعام الا مثلا بمثل ” فإنه علق النهى على الطعم فالظاهر أنه علة وكما روى ان بريرة  أعتقت فكان زوجها عبدا فخيرها رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فالظاهر أنه خيرها لعبودية  الزوج، ويليه ماعرف بالإستنباط ودل عليه  التأثير كالشدة المطربة فى الخمر فإنه لما وجد التحريم بوجودها وزال بزوالها دل على أنه هى العلة. وهذا الضرب من القياس محتمل لأنه يحتمل أن يكون الطعام أراد به مايطعم ولكن حرم فيه التفاضل لمعنى غيرالطعم، وكذلك حديث بريرة يحتمل أنه ثبت الخيار  لرقه ويحتمل أن يكون  لمعنى آخر ويكون ذكر رق الزوج تعريفا، وكذلك التحريم فى الخمر يجوز أن يكون للشدة المطربة ويجوز أن يكون لاسم الخمر، فإن الإسم يوجد بوجود الشدة ويزول بزوالها، فهذا  لاينقض به حكم الحاكم <170>

——————-

[قوله محتملا] أى لغير العلية احتمالا مرجوحا (قوله ماثبت الخ) أى ما ثبتت عليته بطريق محتمل لغير العلية احتمالا مرجوحا (قوله فإنه) أى كون الطعم علة (قوله مثلا بمثل) نصبهما على الحال أى متماثلين (قوله فإنه علق الخ) أى فهذا دليل على أن غير الطعم ليس بعلة (قوله فالظاهر الخ) أى من هذا التعليق وهو ان الطعم علة للنهى. وذلك لأن الطعام مشتق من الطعم ومتى ترتب الحكم على اسم مشتق كان مأخذ الإشتقاق علة له (قوله ان بريرة) هى مولاة عائشة رضى الله عنها صحابية جليلة (قوله أعتقت) أى أعتقها السيدة عائشة (قوله فخيرها) أى بين فسخ نكاحها ودوامه (قوله فالظاهر) أى من تخيير النبى صلى الله عليه وسلم بين فسخ النكاح ودوامه (قوله لعبودية) أى لكون الزوج عبدا (قوله ويليه) أى  مادل عليه الظاهر (قوله عليه) أى ما عرف بالإستنباط (قوله المطربة) أى المزيلة للعقل (قوله دل) أى وجود التحريم وزواله (قوله وهذا الضرب) أى الخفى من قياس العلة (قوله غير طعم) أى وهو القوت والإدخار كما هو مذهب المالكية (قوله لمعنى آخر) أى وهو ملكها بضعها كما هو قول الحنفية (قوله تعريفا) أى بيانا لوصف الزوج (قوله لاسم الخمر) أى لكونه خمرا عند من يقول بمفهوم اللقب (قوله فهذا) أى الضرب

 

     (فصل) وأما  الضرب الثانى من القياس وهو قياس الدلالة فهو أن ترد الفرع الى الأصل بمعنى غير المعنى الذى علق عليه الحكم فى الشرع إلا أنه يدل على وجود علة الشرع. وهذا  على أضرب: منها أن يستدل بخصيصة من خصائص الحكم على الحكم، وذلك مثل أن يستدل على منع وجوب سجود التلاوة بجواز فعلها على الراحلة فإن جوازه على الراحلة من أحكام النوافل، ويليه مايستدل  بنظير الحكم على الحكم كقولنا فى وجوب الزكاة فى مال الصبى أنه  يجب العشر فى زرعه فوجبت الزكاة فى ماله كالبالغ وكقولنا فى ظهار الذمى أنه يصح طلاقه فيصح ظهاره، فيستدل بالعشر على ربع العشر وبالطلاق على الظهار لأنهما نظيران فيدل احدهما على  الآخر وهذا الضرب من القياس يجرى مجرى  الخفى من قياس العلة فى الاحتمال الا ان يتفق فيه مايجمع على دلالته فيصير كالجلى  فى نقض  الحكم  به <171>       

———————–

(قوله ان ترد الخ) أى تجعل الفرع راجعا الى الأصل ومساويا له فى الحكم (قوله  (قوله وهذا) أى الضرب الثانى (قوله بخصيصة) أى بخاصة من خواص الحكم وخاصة الشيء ما يوجد فيه ولايوجد فى غيره (قوله من خصائص الحكم) أى فى الأصل (قوله على الحكم) أى فى الفرع (قوله من أحكام النوافل) أى ومن خصائصها (قوله ويليه) أى هذا الضرب (قوله على الحكم) أى على ثبوته بالنظير الآخر (قوله فى مال الصبى) أى الزكوى كالذهب الفضة والزرع وغيرها من أموال الزكاة(قوله فى ماله) أى فى مال الصبى غير الزرع (قوله انه يجب الخ) هذا هو الأصل المقيس عليه (قوله كالبالغ) أى كما يجب العشر فى زرعه فتجب الزكاة فى ماله (قوله العشر) أى فى المال (قوله لأنهما) أى العشر وربع العشر والطلاق والظهار (قوله نظيران) أى شيئان مشتركان فى الأوصاف (قوله فيه) أى فى المعنى الجامع بين الفرع والأصل (قوله على دلالته) أى على الحكم فى الفرع (قوله فيصير) أى ما يجمع على دلالته (قوله نقيض الحكم) أى حكم الحاكم (قوله به) أى هذا الضرب

 

     (فصل) والضرب الثالث هو قياس الشبه وهو أن تحمل فرعا على الأصل بضرب من الشبه، وذلك مثل أن يتردد الفرع بين أصلين يشبه أحدهما فى ثلاثة أوصاف ويشبه الآخر فى وصفين فيرد  الى أشبه الأصلين به وذلك كالعبد يشبه الحر  فى أنه آدمى مخاطب   مثاب  معاقب ويشبه البهيمة فى أنه مملوك مقوم فيلحق بما هو أشبه  به  وكالوضوء يشبه التيمم  فى إيجاب النية  من جهة أنه طهارة عن   حدث ويشبه إزالة النجاسة فى أنه طهارة بمائع فيلحق بما هو أشبه به، فهذا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال إن ذلك  يصح، وللشافعى مايدل عليه. ومنهم من قال لايصح  وتأول   ماقال الشافعى على أنه أراد  به أنه  يرجح به قياس العلة بكثرة الشبه. واختلف القائلون  بقياس الشبه. فمنهم من قال الشبه الذى يرد الفرع الى الأصل  يجب أن  يكون حكما. ومنهم من قال يجوز أن يكون حكما ويجون أن يكون صفة. قال   الشيخ الإمام رحمه الله: والأشبه عندى قياس الشبه لايصح لأنه ليس بعلة الحكم عند الله تعالى ولادليل على العلة، فلايجوز تعليق  الحكم عليه 

——————

(قوله على الأصل) أى المقيس عليه (قوله فيرد الخ) أى فيجعل مساويا له (قوله مقوم) أى يباع ويوهب ويشترى ويوصى به وغير ذلك مما يصح تعليقه بالمال (قوله فيلحق الخ) أى من غير اعتقاد علية الأوصاف التى شابه الفرع بها الأصل (قوله ان ذلك يصح) أى إلا انه أضعف مراتب القياس ولايصار اليه إلا اذا لم يمكن المصير الى رتبة فوقه (قوله لايصح) أى ولا يكون حجة (قوله واختلف) أى فيماذا يعتبر الشبه (قوله الشيخ الإمام) أى الشيرازى (قوله والأشبه) أى والأقرب الى الصواب

         

      (فصل) وأما الإستدلال فإنه يتفرع على ماذكرناه من أقسام القياس، وهوعلى أضرب: منها الإستدلال ببيان العلة، وذلك ضربان أحدهما أن  يبين علة الحكم فى الأصل ثم يبين أن الفرع يساويه فى العلة مثل أن يقول <172> إن علة إيجاب القطع الردع   والزجر عن أخذ  الأموال، فهذا المعنى موجود  فى سرقة الكفن، فوجب أن يجب فيها القطع. والثانى أن  يبين علة الحكم فى الأصل ثم يبين أن الفرع  يساويه  فى العلة  ويزيد عليه مثل أن يقول إن  الكفارة انما وجبت فى القتل بالقتل الحرام، وهذا  المعنى يوجد  فى العمد  ويزيد  عليه الإثم فهو بإيجاب الكفارة  أولى. فهذا حكمه حكم  القياس  فى جميع  أحكامه. وفرق أصحاب أبى حنيفة رحمه الله بين القياس وبين الاستدلال، فقالوا الكفارة لايجوز إثباتها بالقياس ويجوز إثباتها بالإستدلال، وذكروا فى إيجاب الكفارة بالأكل ان الكفارة تجب بالإثم ومأثم الأكل كمأثم  الجماع، وربما قالوا هو أعظم، فهو بالكفارة أولى. وهذا سهو عن معنى القياس، وذلك أنهم حملوا الأكل على الجماع لتساويهما فى العلة التى تجب فيها  الكفارة، وهذا حقيقة القياس. ومنها الإستدلال بالتقسيم، وذلك ضربان: أحدهما أن يذكر جميع أقسام الحكم فيبطل جميها ليبطل الحكم له، كقولنا فى الإيلاء انه لايوجب وقوع الطلاق   بانقضاء   المدة، لأانه لايخلو إما ان يكون صريحا أو كناية فلايجوز ان يكون  صريحا ولا  يجوز ان يكون كناية، فاذا لم  يكن صريحا ولاكناية فلا يجوز إيقاع الطلاق به. <173> والثانى ان يبطل جميع الأقسام الا واحدا  ليصح ذلك الواحد، وذلك مثل ان يقولان القذف يوجب رد  الشهادة لأنه اذا حد ردت شهادته فلا يخلو إما ان يكون ردت شهادته للحد أو للقذف أولهما، فلايجوز ان يكون للحد ولالهما فثبت انه  إنما رد للقذف وحده. ومنها الإستدلال بالعكس، وذلك مثل ان يقول لو كان دم الفصد ينقض الوضوء لوجب ان يكون قليله ينقض  الوضوء كما نقول فى البول والغائط والنوم وسائر الأحداث. واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال انه لايصح لأنه استدلال على الشيء بعكسه ونقضه. ومنهم من قال يصح. وهو الأصح لأنه قياس مدلول على صحته بشهادة الأصول.

———————-

(قوله أن يبين) أى المستدل (قوله فى الأصل) أى المقيس عليه  (قوله إن علة إيجاب القطع) أى فى السرقة (قوله عن أخذ الاموال) أى أموال الناس (قوله فهذا المعنى) أى الردع والزجر (قوله فوجب الخ) وقال الحنفية لايجب قطع النباش لعدم حرز المثل لأن القبر ليس حرزا (قوله الثانى) أى الضرب الثانى (قوله يزيد عليه) أى فى العلة قوة (قوله فى القتل) أى خطأ (قوله فهذا المعنى) أى القتل الحرام (قوله أولى) أى من الخطأ (قوله والكفارة) أى وكذلك الحدود والمقدرات (قوله بالأكل) أى فى نهار رمضان (قوله كمأثم الجماع) أى فى نهار رمضان (قوله أولى) أى من الجماع. (قوله وهو) أى قول أصحاب أبى حنيفة (قوله ذلك) أى سهوهم (قوله وهو) أى الحمل (قوله بانقضاء المدة) أى وهى أربعة اشهر كما عليه الحنفية (قوله كناية) أى عن الطلاق (قوله صريحا) أى فى الطلاق (قوله به) أى بانقضاء المدة خلافا للحنفية حيث قالوا فيه بانقضاء المدة تقع الفرقة بائنا (قوله ذلك) أى إبطال جميع الأقسام الا واحدا  (قوله رد الشهادة) أى كما فى قوله تعالى ” ولاتقبلوا لهم شهادة أبدا ” (قوله انما رد للقذف وحده) وهذا متفق عليه قبل التوبة، وأما بعدها ففى قبول شهادته قولان فعند الشافعى ومالك وأحمد تقبل وأما عند أبى حنفية فلا (قوله دم الفصد) أى الكثير من دم الفصد (قوله لوجب الخ) أى لكنه لاينقض الوضوء باتفاق (قوله كما يقول الخ) أى كما يقول بنقض الوضوء بكل من البول  الخ سواء كان قليلا أوكثيرا (قوله وهو) أى القول بالصحة (قوله بشهادة الأصول) أى كما فى قياس الدلالة

 

(باب الكلام فى بيان مايشتمل القياس عليه على التفصيل)

     وجملته ان القياس  يشتمل على أربعة أشياء: على الأصل  والفرع  والحكم. فأما الفرع فهو ماثبت حكمه بغيره، وقد بينا ذلك فى باب إثبات القياس وماجعل القياس حجة فيه، والكلام هنا فى بيان الأصل والعلة وفى كل واحد من ذلك باب مفرد.<174>

——————-

(قوله وجملته) أى جملة الكلام (قوله الأصل) أى المقيس عليه (قوله والفرع) أى المقيس (قوله والحكم) أى حكم الأصل (قوله ماثبت الخ) أى المحل المشبه بالأصل وثبت حكمه به كالنبيذ المشبه بالخمر فإنه يثبت حكمه وهو الحرمة بحرمة الخمر

 

(باب بيان الأصل ومايجوز ان يكون أصلا ومالايجوز)

     اعلم  ان الأصل تستعمله الفقهاء فى أمرين: احدهما فى اصول الأدلة وهى الكتاب والسنة والإجماع، ويقولون هى الأصل وما سوى  ذلك من القياس  ودليل الخطاب وفحوى الخطاب معقول الأصل، وقد بينت هذا فى الملخص  فى الجدل ويستعملونه فى الشيء  الذى يقاس عليه كالخمر اصل للنبيذ والبر اصل للأرز. وحده ماعرف حكمه بنفسه. وقال بعض اصحابنا ماعرف  به حكم غيره. وهذا  لايصح لأن الأثمان اصل فى الربا وإن لم يعرف بها حكم غيرها.

——————–

(قوله تستعمله) أى لفظ الأصل (قوله دليل الخطاب) أى مفهوم المخالفة (قوله وفحوى الخطاب) أى مفهوم الموافقة (قوله معقول الأصل) أى ما عقل وأخذ منه  (قوله ويستعملونه فى الشيء الخ) قيل الأصل حكم المحل (قوله حده) أى الأصل فى باب القياس (قوله ما عرف حكمه الخ) أى بناء على أن الأصل محل الحكم وهو الأصح (قوله ما عرف به الخ) أى بناء على أن الأصل دليل حكم المحل

 

     (فصل) واعلم ان الأصل قد يعرف  بالنص، وقد يعرف بالإجماع. فما عرف بالنص فضربان: ضرب يعقل معناه وضرب لايعقل معناه. فما لايعقل  معناه كعدد  الصلوات والصيام وما اشبههما لايجوز القياس عليه لأن القياس لايجوز الا بمعنى <175> يقتضى الحكم فإذا لم يعقل ذلك المعنى لم يصح القياس. وأما مايعقل معناه فضربان: ضرب يوجد معناه فى غيره، وضرب لايوجد معناه فى غيره. فمالايوجد معناه فى غيره لايجوز قياس غيره عليه، ومايوجد كعناه فى غيره جاز القياس عليه  سواء كان ماورد به النص مجمعا على تعليله او مختلفا فيه مخالفا لقياس الأصول او موافقا له. وقال بعض الناس لايجوز  القياس الا على اصل مجمع على تعليله. وقال الكرخى وغيره من اصحاب ابى حنيفة لايجوز القياس على اصل مخالف للقياس الا  ان يثبت تعليله بنص اواجماع اوهناك اصل آخر يوافقه، ويسمون ذلك القياس على موضع  الإستحسان. فالدليل على جواز القياس على الأصل وان لم يكن مجمعا على تعليله  هو انه لايخلو إما ان يعتبر اجماع الأمة كلها فهذا يوجب إبطال القياس لأن نفاة القياس من الأمة وأكثرهم على ان الأصول غير معللة او يعتبر اجماع مثبتى القياس، فذلك لامعنى له لأن اجماعهم  ليس بحجة على الإنفراد،  فكان القياس  إلى ما اجمعوا عليه كالقياس على ما اختلفوا فيه. وأما الدليل على الكرخى ومن  قال بقوله هو ان ما ورد به النص مخالفا للقياس اصل  ثابت كما ان ماورد  به النص  موافقا للقياس اصل ثابت، فإذا جاز القياس على ما كان موافقا  للقياس جاز على ما كان مخالفا. <176> 

———————

(قوله الأصل) أى المقيس عليه (قوله بالنص) أى مجرد الكتاب والسنة (قوله وما أشبهها) أى كمقادير الزكوات والأنصباء (قوله الا بمعنى) أى بعلة. (قوله الحكم) أى فى الفرع (قوله وما يوجد الخ) أى كالخمر (قوله مجمعا على تعليله) أى على أنه معلل (قوله على أصل) أى مقيس عليه (قوله الكرخى) أى معروف الكرخى (قوله تعليله) أى تعليل ذلك الأصل المقيس عليه (قوله إلا أن يثبت الخ) أى لأن على العلة تنصيص على وجوب القياس لأن كل فرد وجدت فيه تلك العلة يصير كالمنصوص والإجماع كالنص (قوله أصل آخر) أى غير الأصل الذى يراد القياس عليه (قوله ذلك) أى القياس (قوله إما أن  يعتبر الخ) أى على تعليل الأصل (قوله فهذا) أى اعتبار اجماع الامة (قوله فذلك) أى اعتبار اجماع مثبتى القياس (قوله مخالفا) أى للقياس

 

      (فصل) واما ماعرف بالإجماع فحكمه حكم ماثبت بالنص فى جواز القياس عليه  وعلى التفصيل الذى قدمته فى النص. ومن اصحابنا من قال لايجوز القياس عليه مالم يعرف النص الذى اجمعوا  لأجله. وهذا غير صحيح لأن الإجماع اصل فى اثبات الأحكام كالنص، فإذا جاز القياس على ماثبت بالنص جاز على ما ثبت بالإجماع.

———————-

(قوله فى النص) أى الأصل الذى عرف بالنص (قوله عليه) أى ما عرف بالإجماع (قوله لايجوز الخ)  أى لاحتمال كون الإجماع منعقدا من قياس فيكون مانعا 

 

     (فصل) و اما ماثبت بالقياس على غيره فلاخلاف انه يجوز ان يستنبط منه المعنى الذى ثبت به ويقاس عليه غيره، وهل يجوز ان يستنبط منه معنى غير المعنى الذى قيس به على غيره ويقاس عليه  غيره، مثل ان يقاس الأرز على البر فى الربا بعلة انه مطعوم ثم يستنبط من الأرز انه نبت لايقطع الماء عنه  ثم  يقاس  عليه النيلوفر فيه وجهان: من اصحابنا من قال يجوز، ومن اصحابنا من قال لايجوز، وهو قول ابى الحسن الكرخى. وقد نصرت فى التبصرة جواز ذلك، والذى يصح عندى انه لايجوز لأنه اثبات حكم فى الفرع بغير علة الأصل وذلك ان علة الأصل هى الطعم، <177> فمتى قسنا النيلوفر عليه بماذكرناه رددنا  الفرع الى الأصل بغير علة وهذا  لايجوز  

———————–

(قوله ماثبت الخ) أى الفرع الذى ثبت بالقياس على أصل ثبت حكمه بنص أو اجماع (قوله غيره) أى الأصل لذى ثبت حكمه بالنص (قوله ويقاس عليه الخ) أى بذلك المعنى الثانى المستنبط (قوله النيلوفر) بفتح النون وكسرها نبت فى المياه الراكدة له أصل كالجزر وساق أملس يطول بحسب عمق الماء (قوله فيه) أى فى استنباط المعنى الثانى مما ثبت بالقياس بالمعنى الأول (قوله من أصحابنا) أى كالحنابلة (قوله يجوز) أى لأنه لايجب المساواة فى العلة (قوله لايجوز) أى لعدم مساواة الفرع للأصل فى العلة (قوله جواز ذلك) أى استنباط المعنى الثانى وهو نبت لاينقطع الماء عنه (قوله أنه) أى القياس بالمعنى الثانى (قوله علة الأصل) أى وهو الأرز (قوله بما ذكرناه) أى بأنه نبت لاينقطع الماء عنه (قوله لايجوز) أى لعدم مساواة الأصل الفرع فى العلة

 

     (فصل) اما مالم يثبت من الأصول بأحد هذه الطرق، او كان قد ثبت ثم نسخ فلايجوز القياس عليه، لأن الفرع انما يثبت بأصل ثابت فإذا  كان الأصل غير ثابت لم يجز اثبات الفرع من جهته

————————

(قوله بأحد هذه الطرق) أى بنص أو اجماع أو قياس على وجه كما سبق  (قوله فلا يجوز القياس عليه) أى اتفاقا

 

(باب القول فى بيان العلة ومايجوز ان يعلل به ومالايجوز)

     واعلم ان العلة فى الشرع هى المعنى الذى يقتضى  الحكم. واما المعلول ففيه وجهان: من اصحابنا من قال هوالعين التى تحلها العلة كالخمر والبر. ومنهم من يقول هو الحكم. واما المعلل فهو الأصل. واما المعلل له فهو الحكم. واما المعلل فهو الناصب للعلة. واما المعتل فهو المستدل بالعلة

———————–

(قوله يقتضى الحكم) أى يطلب الحكم عند المجتهد (قوله العين الخ) يعنى محل الحكم لا نفس الحكم (قوله تحلها) مثلث الحاء اذا كان بمعنى النزول وضمها اذا كان بمعنى الفتك وكسرها اذا كان بمعنى ضد الحرام (قوله هو الحكم) أى على حسب اختلافهم فى الأصل (قوله وأما المعلل فهو الأصل) أى وهو إما المحل وإما الحكم (قوله الناصب) أى الذى نصب نفسه لتعليل الحكم بعلة

 

     (فصل) واعلم ان العلة الشرعية أمارة على الحكم ودلالة عليه. ومن اصحابنا من  قال موجبة للحكم بعد ما جعلت علة، ألا ترى انه يجب إيجاد الحكم بوجودها. ومنهم من قال ليست بموجبة لأنها لو كانت موجبة لما جاز ان توجد فى <178> حال ولاتوجب كالعلل العقلية ونحن نعلم ان هذه العلل كانت موجودة قبل الشرعولم تكن موجبة للحكم فدل على انه غير موجبة

———————–

 [قوله أمارة] أى علامة يعرف بها الحكم (قوله ودلالة) أى لا تأثير لها أصلا لأن المؤثر فى الأشياء كلها هو الله تعالى (قوله من قال) وهو الغزالى (قوله موجبة) أى مؤثرة (قوله لاتوجب) أى العلة الحكم (قوله كالعلل العقلية) أى فإن التخلف فيها ممتنع (قوله هذه العلل) أى الشرعية (قوله فدل) أى كونها موجبة للحكم

 

     (فصل) ولاتدل العلة الاعلى الحكم الذى نصبت له فإن نصبت للإثبات لم تدل على النفى، او إن نصبت للنفى لم تدل على الإثبات، وإن نصبت للنفى والإثبات وهى العلة الموضوعة لجنس الحكم دلت على النفى والإثبات، فيجب ان يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها. ومن الناس من قال ان كل علة تدل على حكمين على الإثبات والنفى، فإذا نصبت للإثبات اقتضت الإثبات عند وجودها والنفى عند عدمها، وان نصبت للنفى اقتضت النفى عند وجودها والإثبات عند عدمها. وهذا خطأ لأن العلة الشرعية دليل، ولهذا كان يجوز ان لايوجب ماعلق عليها من الحكم، والدليل العقلى الذى يدل بنفسه يجوز ان  يدل على وجود الحكم فى الموضع الذى وجد فيه ثم يعدم ويثبت الحكم بدليل آخر والدليل الشرعى الذى صار دليلا بجعل جاعل اولى بذلك.     

———————-

(قوله للاثبات) أى إثبات الحكم عند وجودها (قوله على النفى) أى انتفاء الحكم عند انتفائها (قوله للنفى) أى لانتفاء الحكم عند وجودها (قوله على الإثبات) أى عند انتفائها (قوله للنفى والإثبات) أى انتفاء الحكم عند انتفائها واثبات الحكم عند وجودها (قوله لأن العلل الشرعية دليل) أى ولأن العدم لايصح للتأثير (قوله دليل) أى أمارة على الحكم لاموجبة له (قوله يدل بنفسه) أى لا بجعل جاعل (قوله بذلك) أى بالدلالة على وجود الحكم ثم يعدم الحكم ويثبت بدليل آخر

 

     (فصل) ويجوز ان يثبت الحكم الواحد بعلتين وثلاثة واكثر كالقتل يجب بالقتل والزنا والردة، وتحريم الوطء  يثبت بالحيض والاحرام والصوم والإعتكاف والعدة

———————–

(قوله ويجوز الخ) أى سواء كان واحدا بالنوع اتفاقا كتعليل اباحة قتل عمرو بردته وزيد بالزنا وخالد بالقتل أو واحدا بالشخص بالإختلاف كتعليل قتل زيد بكونه قتل وزنى

 

     (فصل) وكذلك يجوزان يثبت بعلة واحدة احكام متماثلة، كالإحرام يوجب نحريم الوطء والطيب واللباس وغير ذلك. وكذلك يجوز ان يثبت بالعلة احكام مختلفة، كالحيض يوجب تحريم الوطء وإحلال ترك الصلاة ولكن لايجوز ان يثبت بالعلة الواحدة احكام متضادة كتحريم الوطء وتحليله لتنافيهما

———————–

[قوله كالإحرام الخ] أى وكغروب الشمس علة لجواز الإفطار ووجوب صلاة المغرب (قوله غير ذلك) أى من محرمات الإحرام (قوله واحلال ترك الصلاة) أى والصوم وغيره  (قوله لتنافيهما) أى بالنسبة الى محل واحد

 

     (فصل) وكذلك يجوز ان تكون العلة لإثبات الحكم فى الإبتداء كالعدة فى منع النكاح، وقد تكوم بعلة الإبتداء والإستدامة كالرضاع فى إبطال النكاح <180>

———————–

(قوله وكذلك) أى يجوز ثبوت الاحكام بعلة واحدة (قوله لاثبات الحكم فى الإبتداء) أى بمعنى أنها دافعة للحكم فى الإبتداء غير رافعة له فى الأثناء (قوله كالعلة) لعله كالعدة فى منع النكاح فإنها مانعة من حل النكاح ابتداء من غير الزوج ولاترفع حل النكاح فى الأثناء وكذا الإحرام يمنع ابتداء ولايقطع، فيغتفر فى الدوام مالايغتفر فى الإبتداء (قوله بعلة الإبتداء والاستدامة) أى دافعة ورافعة للحكم معا (قوله كالرضاع) أى فإنه دافع مانع من ابتداء النكاح ورافع من دوامه اذا طرأ وكذا اللعان اذا طرأ قطع ومنع الإبتداء وحرم على التأبيد

 

     (فصل) ولابد فى رد الفرع الى الأصل من علة يجمع بها بينهما. وقال بعض الفقهاء من اهل العراق يكفى فى القياس تشبيه الفرع بالأصل بما يغلب على الظن انه مثله ؛ فإن كان المراد بهذا انه لايحتاج الى علة موجبة للحكم يقطع بصحتها كالعلل العقلية فلا خلاف فى هذا، وإن ارادوا انه يجوز بضرب من الشبه على ما يقول القائلون بقياس الشبه فقد بينا ذلك فى اقسام القياس، وإن ارادوا انه  ليس هاهنا معنى مطلوب يوحي إلحاق الفرع بالأصل فهذا خطأ لأنه لوكان الأمر على هذا لما احتيج الى الإجتهاد  بل كان يجوز رد الفرع الى كل اصل من غير فكر، وهذا مما لايقوله احد فبطل القول به

———————–

(قوله بعض الفقهاء) أى بعض الحنفية (قوله مثله) أى فى الحكم (قوله فلاخلاف) أى بيننا وبينهم (قوله انه) أى رد الفرع الى الأصل (قوله بقياس الشبه) وهو رد الفرع الى أشبه الأصلين به (قوله ها هنا) أى فى التشبيه بما يغلب على الظن انه مثله (قوله فهذا) أى المراد (قوله على هذا) أى على هذا المراد (قوله كان) أى الحال والشأن (قوله وهذا) أى جواز رد الفرع الى كل أصل من غير فكر

 

     (فصل) والعلة التى يجمع بها بين الفرع والأصل ضربان: منصوص عليها ومستنبطة. فالمنصوص عليها مثل ان يقول حرمت الخمر للشدة المطربة، فهذا يجوز ان يجعل علة، والنص عليها يغنى عن طلب الدليل على صحتها من جهة الإستنباط والتأثير. ومن الناس من قال لايجوز ان يجعل المنصوص عليه علة، وهو قول بعض نفاة القياس. ومن الناس من قال هو علة فى العين المنصوص عليها ولايكون علة فى غيرها الا بأمر ثان. فالدليل على انه علة هو انه اذا جاز ان يعرف  بالإستنباط ان الشدة المطربة علة للتحريم فى الخمر ويقاس غيرها عليها جاز بالنص ويقاس غيرها <181> عليها. واما الدليل على من قال انه علة فى العين التى وجد فيها دون غيرها هو انه اذا لم يصر علة فيها وفى غيرها الا بالنص عليها سقط النظر والإجتهاد لأنه اذا نص على انه علة فيها وفى غيرها استغنينا بالنص عن الطلب والإجتهاد            

————————

(قوله ومستنبطة) وهى الحاصلة عن رأى المجتهد (قوله ان يقول) أى الشارع (قوله بعض نفاة القياس) ومنهم ابن حزم (قوله جاز) أى جاز أن يعرف بالنص بالأولى  (قوله إنه) أى الوصف المنصوص عليه (قوله عليها) أى على عليتها فى العين وغيرها (قوله عن الطلب) أى النظر

 

     (فصل) واما المستنبطة فهو كالشدة المطربة فى الخمر، فإنها عرفت بالإستنباط، فهذا يجوز ان يكون علة. ومن الناس من قال لايجوز ان تكون العلة الا ماثبت بالنص او الإجماع. وهذا خطأ لما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال لمعاذ رحمه الله:  بم تحكم ؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فإن لم تجد قال اجتهد رأيى. فلو كان لايجوز التعليل الا بما ثبت بنص او اجماع لم يبق بعد الكتاب والسنة مايجتهد فيه

————————

[قوله وأما المستنبطة] أى الحاصلة عن رأى المجتهد (قوله أو الاجماع) أى كالاجماع على ان العلة فى حديث ” لايحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان ” تشويش الفكر فيقاس بالغضب غيره نحو الجوع والعطش المفرطين وكالإجماع على ان العلة فى تقديم الأخ الشقيق فى الإرث على الأخ لأب اختلاط النسبين فقيس به تقديمه عليه فى ولاية النكاح وصلاة الجنازة (قوله لمعاذ) أى معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس رحمه الله (قوله فإن لم تجد) أى الحكم من الكتاب (قوله فإن لم تجد) أى الحكم من السنة (قوله فلو كان لا يجوز الخ) أى وبهذا بطل تخصيصهم القياس بما كانت علته منصوصة

 

     (فصل) وقد تكون العلة معنى مؤثرا فى الحكم يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله، كالشدة المطربة فى تحريم الخمر والإحرام بالصلاة فى تحريم الكلام. وقد تكون دليلا ولاتكون نفس العلة كقولنا فى ابطال النكاح الموقوف، <182> انه نكاح لايملك الزوج المكلف ايقاع الطلاق فيه، وفى ظهار الذمى انه يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم. وهل يجوز ان يكون شبها لايزول الحكم بزواله ولايدل على الحكم، كقولنا فى الترتيب فى الوضوء انه عبادة يبطلها النوم فوجب فيها الترتيب كالصلاة على ماذكرناه من الوجهين فى قياس الشبه.

———————–

(قوله دليلا) أى على الحكم ولاتكون مقتضية له (قوله النكاح الموقوف) وهو نكاح الفضولى وهو من ليس له وليا ولاوكيلا. قيل لهذا النكاح النكاح الموقوف لأنه ينعقد عند الحنفية موقوفا على اجازة من عقد له وهو الولى، واما عند الشافعية فباطل كبيع الفضولى وهو بيع مال الغير (قوله إنه نكاح الخ) هذا فى الحقيقة استدلال بحكم شرعى وكذا ما بعده (قوله من الوجهين) أحدهما وهو الأصح أنه لايصح لأنه ليس علة الحكم ولا يدل عليه، والثانى أنه يصح إلا أنه أضعف مراتب القياس

 

     (فصل) وقد يكون وصف العلة معنى يعرف به وجه الحكمة فى تعلق الحكم به كالشدة المطربة فى الخمر. وقد يكون معنى لايعرف وجه الحكمة فى تعلق الحكم به كالطعم فى البر    

———————–

(قوله الحكمة) وهى الأمر المناسب لشرع الحكم (قوله كالشدة المطربة فى الخمر) أى فإن هذا الوصف يناسب ان يحرم به الخمر لأجله لأن به ذهاب العقل الذى هو مناط التكليف وسبب لفقد السعادتين المعاشية والمعادية (قوله وقد يكون معنى الخ) أى وإنما يصح للمظنة (قوله كالطعم فى البر) أى فى كونه مطعوما وكجواز القصر فى السفر فى لحظة بلا مشقة

 

      (فصل) وقد يكون وصف العلة صفة كقولنا فى البر انه مطعوم. وقد يكون اسما كقولنا  تراب وماء. وقد يكون حكما شرعيا كقولنا يصح وضوءه او تصح <183> صلاته. ومن الناس من قال لايجوز ان يكون الإسم علة. وهذا خطأ لأن كل معنى جاز ان يعلق الحكم عليه من جهة النص جاز ان يستنبط من الأصل ويعلق الحكم عليه كالصفات والأحكام  

———————

(قوله صفة) أي لا حكمة غير منضبطة كالمشقة في السفر (قوله اسما) أى جامدا غير مشتق وهو المعبر باسم اللقب كتعليل نجاسة بول ما يؤكل لحمه بأنه بول كبول الآدمى وكتعليل الخمر بأنه خمر. وقيل لايجوز اذ معلوم بالضرورة أنه لا اثر فى تحريم الخمر لتسميته خمرا (قوله وقد يكون حكما شرعيا) أى سواء كان المعلول كذلك كما هنا أم لا كتعليل ثبوت الحياة للشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح كاليد (قوله لايجوز الخ) أى لأن التعليل بالأسماء الجامدة يشبه التعليل بالطرد وهو ما علم من الشارع الغاؤه كالطول والذكورة فى العتق وهو فاسد بخلاف الأسماء المشتقة فإن التعليل بها تعليل بما منه اشتقاقها

 

     (فصل) ويجوز ان يكون الوصف نفيا او اثباتا، فالإثبات كقولنا لأنه وارث، والنفى كقولنا لأنه ليس بوارث وليس بتراب. ومن الناس من قال لايجوز ان يجعل النفى علة. والدليل على ماقلناه ان ما جاز ان يعلل به نصا جاز ان يعلل به استنباطا كالإثبات    .  

———————–

(قوله الوصف) أى وصف العلة (قوله نفيا) أى فى الحكم العدمى اتفاقا كتعليل عدم صحة التصرف لعدم العقل وكذا الوجودى على ما عليه المصنف كما يقال يجب قتل المرتد لعدم اسلامه (قوله وليس بتراب) أى الجص مثلا (قوله علة) أى للحكم الثبوتى لأن العلة لابد ان تكون أجلى من المعلول والنفى أخفى من الثبوت

 

     (فصل) ويجوز ان تكون العلة ذات وصف ووصفين واكثر وليس لها عدد محصور. وحكى عن بعض الفقهاء انه قال لايزاد على خمسة اوصاف. وهذا لاوجه له، لأن العلل شرعية فإذا جاز ان يعلق الحكم فى الشرع على خمسة اوصاف جاز ان يعلق على مافوقها

———————–

(قوله ذات وصف) أي لأن المركب مناسب للحكم ودائر معه والمناسبة والدور يفيدان العلية (قوله وأكثر) أى من الوصفين كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد عدوانا لمكافئ لأن المركب مناسب للحكم ودائر معه والمناسبة والدور يفيدان العلية (قوله لها) أى الأوصاف (قوله لايزاد الخ) أى فإن زاد عليها لم يجز التعليل به

 

     (فصل) ويجوز ان تكون العلة واقفة، <184> كعلة اصحابنا فى الذهب والفضة. وقال بعض اصحاب أبى حنيفة رحمه الله لايجوز ان تكون الواقفة علة. وهذا غير صحيح لما بينا ان العلل أمارات شرعية، فيجوز ان تجعل الأمارة معنى لايتعدى كما يجوز ان تجعل معنى لايتعدى

———————–

(قوله واقفة) أى قاصرة غير متعدية لكونها محل الحكم كتعليل حرمة الربا فى الذهب بكونه ذهبا أو جزءه كتعليل نقض الوضوء بالخارج من السبيلين بالخروج أو وصفه الخاص كما هنا (قوله كعلة أصحابنا الخ) أى فإنهم عللوا الربا فيهما بكونهما جوهرى الأثمان أى كونهما مخلوقين للثمنية وهذه العلة قاصرة (قوله بعض أصحاب ابى حنيفة) وهو أبو الحسن الكرخى من المتقدمين وأبو زيد الدبوسى من المتأخرين رحمهما الله (قوله لايجوز الخ) أى لعدم فائدتها (قوله أمارات شرعية) أى ومن فوائدها معرفة المناسبة فيكون أدعى للقبول من التعبد المحض اذ النفس الى قبول ما تعرف علته أميل  منها الى قبول ما تجهل علته

 

(باب بيان الحكم)

     اعلم ان الحكم هو الذى تعلق على العلة من التحليل والتحريم والإستنباط. وهو على ضربين: مصرح به ومبهم. فالمصرح به ان نقول فجاز ان يجب او فوجب ان يجب وما اشبه ذلك. والمبهم على اضرب: منها ان نقول فأشبه كذا. فمن الناس من قال ان ذلك لايصح لأنه حكم مبهم. ومنهم من قال انه يصح. وهو الأصح لأن المراد به فأشبه كذا فى الحكم الذى وقع السؤال عنه، وذلك حكم معلوم بين السائل والمسئول، فيجوز ان يمسك عن بيانه اكتفاء بالعرف القائم بينهما. ومنها ان يعلق عليها التسوية بين حكمين كقولنا فى ايجاب النية فى الوضوء انه طهارة فاستوى جامدها ومائعها  فى النية كإزالة النجاسة. ومن اصحابنا من قال ان ذلك لايصح لأنه يريد به التسوية بين المائع والجامد فى الأصل فى اسقاط <185> النية وفى الفرع فى ايجاب النية وهما حكمان متضادان، والقياس ان يشتق حكم الشيء من نظيره لامن ضده ونقيضه. ومنهم من قال ان ذلك يصح. وهو الصحيح لأن حكم العلة هو التسوية بين المائع والجامد فى اصل النية، والتسوية بين المائع والجامد فى النية موجود فى الأصل والفرع من غير اختلاف، وإنما يظهر الإختلاف بينهما فى التفصيل وليس ذلك حكم علته.ومنها ان يكون حكم العلة اثبات تأثير لمعنى، مثل قولنا فى السواك للصائم انه تطهير يتعلق بالفم من غير نجاسة فوجب ان يكون للصوم تأثير فيه  كالمضمضة، فهذا يصح لأن للصوم تأثيرا فى المضمضة وهو منع المبالغة، كما ان للصوم تأثيرا فى السواك وهو فى المنع منه بعد الزوال، وإن كان تأثيرهما مختلفا واختلافهما فى كيفية التأثير لايمنع صحة الجمع لأن الغرض اثبات تأثير الصوم فى كل واحد منهما، وقد استويا فى التأثير فلايضر اختلافهما فى التفصيل <186>

———————

(قوله فأشبه) أى الأمر (قوله إن ذلك) أى قولنا فأشبه كذا (قوله كإزالة النجاسة) أى وهو الأصل المقيس عليه أى فإنها طهارة استوى جامدها ومائعها فى النية (قوله ان ذلك) أى تعليق التسوية على العلة (قوله فى الأصل) وهو ازالة النجاسة (قوله فى الفرع)  وهو الوضوء والتيمم.(قوله وهما) أى الإسقاط والإيجاب (قوله ان ذلك) أى تعليق التسوية عليها (قوله والتسوية الى قوله اختلاف) أى فيقال مثلا الجامد والمائع فى ازالة النجاسة مستويان فى سقوط النية وفى الوضوء والتيمم مستويان فى وجوب النية (قوله فى التفصيل) أى بين السقوط والوجوب (قوله من غير نجاسة) أى فى الفم (قوله فيه) أى فى السواك أى بالمنع منه بعد الزوال للصائم (قوله منع المبالغة) أى لخشية بطلان الصوم (قوله تأثيرهما) أى تأثير السواك والمضمضة (قوله مختلفا) أى فإن تأثير الصوم فى منع المبالغة فى المضمضة لخشية فساد الصوم فإن ذلك يمنع من أول النهار الى آخره وتأثير الصوم فى منع السواك لئلا تزول الرائحة الكريهة من فم الصائم فإنها عند الله أطيب من رائحة المسك فلذا اختص المنع بعد الزوال لأنه وقت حصولها (قوله فى التأثير) أى بالمنع عن كل واحد منهما (قوله فى التفصيل) أى بين خشية البطلان فى المضمضة وبين زوال الرائحة فى السواك

 

(باب بيان مايدل على صحة العلة)

     وجملته ان العلة لابد من الدلالة على صحتها لأن العلة شرعية كما ان الحكم شرعى، فكما لابد من الدلالة على الحكم فكذلك لابد من الدلالة على صحة العلة

——————-

(قوله وجملته) أى جملة الكلام على ذلك (قوله شرعية) أى لأن طريق معرفتها شرع (قوله فكما لابد الخ) أى لايجوز القول فى الشرع من غير دليل

 

     (فصل) والذى يدل على صحة العلة شيئان: اصل واستنباط.فأما الأصل فهو قول الله عز وجل وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وافعاله والإجماع. فأما قول الله تعالى وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فدلالتهما من احد وجهين: احدهما من جهة النطق  والثانى من جهة الفحوى والمفهوم. فأما دلالتهما من جهة النطق فمن وجوه بعضها اجلى من بعض. فأجلاها ماصرح فيه بلفظ التعليل كقوله تعالى: ” من اجل ذلك كتبنا على بنى اسرائيل ” وكقوله صلى الله عليه وسلم: ” انما نهيتكم لأجل الدافة ” وقوله: ” انما جعل الإستئذان من اجل البصر ” وقوله: ” أينقص الرطب اذا يبس ؟ فقيل نعم فقال فلا اذن ” أى من اجله، فهذا صريح فى التعليل. ويليه فى البيان والوضوح ان يذكر صفة لايفيد ذكرها غير التعليل كقوله <187> تعالى فى الخمر:”  انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء ” الآية وكقوله صلى الله  عليه وسلم  فى دم الإستحاضة ” انه دم عرق: ” وكقوله فى الهرة ” انها من الطوافين عليكم والطوافات ” وقوله صلى الله عليه وسلم حين قيل له ان فى دار فلان هرة فقال ” الهرة سبع ” وفى بعضها ” الهرة ليست بنجسة ” فهذه الصفات وان لم يصرح فيها بلفظ التعليل الا انها خارجة مخرج التعليل اذ لافائدة فى ذكرها سوى التعليل. ويليه فى البيان ان يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة، فالظاهر ان تلك الصفة علة وقد يكون هذا بلفظه الشرط كقوله تعالى: ” وان كن اولات حمل فأنفقوا عليهن ” وكقوله صلى الله عليه وسلم: ” من باع نخلا بعد ان يؤبر فثمرتها للبائع الا ان يشترطها المبتاع ” فالظاهر ان الحمل علة لوجوب النفقة والتأبير علة لكون الثمرة للبائع وقد تكون بغير لفظ الشرط كقوله تعالى: ” والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ” وكقوله صلى الله عليه وسلم: ” لاتبيعوا الطعام بالطعام الا مثلا بمثل ” فالظاهر ان السرقة علة لوجوب القطع والطعم علة لتحريم التفاضل. وأما دلالتهما من جهة الفحوى والمفهوم فبعضها ايضا اجلى من بعض. فأجلاها ما دل عليه التنبيه كقولع تعالى: ” فلاتقل لهما اف ” وكنهيه صلى الله عليه وسلم عن التضحية بالعوراء، فيدل بالتنبيه عند سماعه ان الضرب اولى بالمنع <188> وان العمياء اولى بالمنع ويليه فى البيان ان يذكر صفة فيفهم من ذكرها المعنى التى تتضمنه تلك الصفة من غير جهة التنبيه كقوله صلى الله عليه وسلم: ” لايقضى القاضى وهو غضبان ” وكقوله صلى الله عليه وسلم فى الفأرة تقع فى السمن:” ان كان جامدا فألقوها وما حولها وان كان مائعا فأريقوه ” فيفهم بضرب من الفكر انه انما منع الغضبان من القضاء لاشتغال  قلبه وان الجائع والعطشان مثله، وانما امر بإلقاء ماحول الفأرة من السمن ان كان جامدا وإراقته ان كان مائعا لكونه جامدا او مائعا وان الشيرج والزيت مثله 

———————

(قوله واستنباط) أى استنباط الفقهاء (قوله والإجماع) أى اجماع الفقهاء على كون الوصف علة (قوله من جهة الفحوى) أى فحوى الخطاب (قوله والمفهوم) أى مفهوم الموافقة (قوله ماصرح الخ) أى بلفظ يدل على العلية بالوضع من غير احتياج الى نظرواستدلال (قوله لاجل الدافة) أى لأجل توسعة على القافة التى قدمت المدينة أيام التشريق (قوله أينقص الخ) أى حينما سئل عن بيع الرطب بالتمر (قوله إذن) أى ينقص اذا يبس (قوله من أجله) أى من أجل نقصانه اذا يبس (قوله ان يذكر) أى الشارع (قوله غير التعليل) أى تعليل الحكم الذى اقترنت به تلك الصفة (قوله فى الخمر) أى فى تحريمها (قوله انه دم عرق) تتمته: وليس بالحيضة (قوله فى الهرة) أى فى عدم نجاستها (قوله وفى بعضها) أى الروايات (قوله اذ لافائدة الخ) أى فلو لم يكن للتعليل لكان بعيدا عن الشارع  (قوله ويليه) أى ذكر صفة لايفيد ذكرها غير التعليل (قوله وقد يكون) أى تعليق الحكم على عين موصوفة بصفة (قوله المبتاع) أى المشترى (قوله إلا مثلا بمثل) أى متماثلا (قوله واما دلالتهما) أى دلالة قول الله ورسوله (قوله والمفهوم) أى مفهوم الموافقة الأولى والمساوى (قوله التنبيه) أى بالأدنى على الأعلى أو بالأعلى على الأدنى (قوله بالتنبيه) أى بالأدنى على الأعلى (قوله المعنى) أى الحكمة (قوله جامدا) وهو ما لو اغترف منه لايتراد سريعا (قوله وان الجائع والعطشان) أى وغيريهما ممن قام به ما يشوش قلبه (قوله مثله) أى فى الإلقاء ان كان جامدا والإراقة ان كان مائعا

 

    (فصل) وأما دلالة افعال الرسول صلى الله عليه وسلم فهو ان يفعل شيئا عند وقوع معنى من جهته او من جهة غيره، فيعلم انه لم  يفعل ذلك الا لما ظهر من المعنى فيصير ذلك علة فيه وهذا مثل ماروى: ” انه سهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد ” فيعلم ان السهو علة للسجود ” وان اعرابيا جامع فى رمضان فأوجب عليه عتق رقبة ” فيعلم ان الجماع علة لإيجاب الكفارة

——————–

(قوله دلالة افعال الخ) أى على علية الشيء (قوله من المعنى) أى العلة (قوله ذلك) أى ما ظهر من المعنى (قوله فيه) أى فعل الرسول (قوله فسجد) أى للسهو (قوله وأن أعرابيا الخ) مثال ثان لفعله من جهة الغير (قوله لإيجاب الكفارة) أى كفارة الجماع فى نهار رمضان، وإلا لخلا السؤال عن الجواب

 

     (فصل) واما دلالة الإجماع فهو ان تجمع الأمة على التعليل به كما روى <189> عن عمر رضى الله عنه انه قال فى قسمة السواد: لوقسمت بينكم لصارت دولة بين اغنيائكم ولم يخالفوه. وكما قال على كرم الله وجهه فى شارب الخمر: انه اذا شرب سكر واذا سكر هذى واذا هذى افترى  فأرى ان يحد حد المفترى، فلم يخالفه احد فى هذا التعليل

———————

(قوله دلالة الاجماع) أى على علية الشيء. وهو إما إجماع على علة معينة كتعليل ولاية المال بالصغر وإما اجماع على اصل التعليل دون العلة كإجماعهم على أن الربا فى الأصناف معلل واختلافهم فى العلة (قوله به) أى بالوصف (قوله السواد) أى قرى العراق (قوله دولة) أى أمرا يتداوله الأغنياء بينهم (قوله أحد) أى من الصحابة (قوله هذا التعليل) أى وكتعليل ولاية المال على الصغار

 

     (فصل) واما الضرب الثانى من الدليل على صحة العلة فهو الإستنباط وذلك من وجهين: احدهما التأثير والثانى شهادة الأصول.فأما التأثير فهو ان يوجد الحكم بوجود معنى فيغلب على الظن انه لأجله ثبت الحكم، ويعرف ذلك من وجهين: احدهما بالسلب والوجود وهو ان يوجد الحكم بوجوده ويزول بزواله وذلك مثل قوله فى الخمر انه شراب فيه شدة مطربة، فإنه قبل حدوث الشدة كان حلالا ثم حدثت الشدة فحرم ثم زالت الشدة فحل، فعلم انه هو العلة. والثانى بالتقسيم وهو ان يبطل كل معنى فى الأصل الاواحدا، فيعلم انه هو العلة، وذلك مثل ان يقول فى الخبر انه يحرم فيه الربا فلايخلو إما ان يكون للكيل او للطعم او للوزن ثم يبطل ان يكون للكيل والوزن فيعلم انه للطعم

———————

(قوله الحكم) وهو الدائر (قوله معنى) وهو المدار (قوله بالسلب) أى اذا وجد الوصف وجد الحكم واذا انتفى انتفى (قوله هو) أى ذلك المعنى (قوله ان يوجد الحكم) أى بعد ان كان معدوما (قوله ويزول) أى التأثير بالسلب والوجود (قوله مطربة) أى مسكرة أو مزيلة للعقل (قوله ثم زالت) أى كما اذا تخللت الخمر (قوله ان يبطل) أى بعد حصره (قوله الا واحدا) أى وصفا واحدا  يصلح للعلية (قوله ان يكون) أى حرمة الربا فى الخبز (قوله يبطل) أى بطريق من طرق الإبطال

 

     (فصل) واما شهادة الأصول فيختص بقياس الدلالة، وهو ان يدل على صحة العلة شهادة الأصول، <190> وذلك ان يقول فى القهقهة ان مالاينقض الطهر خارج الصلاة لم ينقض داخل الصلاة كالكلام، فيدل عليها بأن الأصول تشهد بالتسوية بين داخل الصلاة وخارجها، ألا ترى ان ماينقض الوضوء داخل الصلاة ينقض خارجها كالأحداث كلها، وما لاينقض خارج الصلاة لاينقض داخلها، فيجب ان تكون القهقهة مثلها

———————

(قوله وذلك) أى شهادة الأصول (قوله فى القهقهة) أى داخل الصلاة (قوله كالكلام) أى فإنه ينقض الطهر داخل الصلاة وخارجها باتفاق بيننا وبين الحنفية (قوله بالتسوية) أى تسوية القهقهة فى عدم نقض الوضوء (قوله مثلها) أى مثل الأحداث فى التسوية بين داخل الصلاة وخارجها

 

 (فصل) وما سوى هذه الطرق فلا يدل على صحة العلة. وقال بعض الفقهاء اذا لم يجد مايعارضها ولامايفسدها دل على صحتها. وقال ابو بكر الصيرفى فى طردها يدل على صحتها. فأما الدليل على ماقال ان عدم مايفسدها دليل صحتها فهو انه لوجاز ان يجعل هذا دليلا على صحتها لوجب اذا استدل بخبر لايعرف صحته ان يقال عدم ما يعارضه وما يفسده يدل على صحته، وهذا لايقوله احد <191>  واما الدليل على الصيرفى فهو ان الطرد فعل القائس، وفعل القائس ليس بحجة فى الشرع، ولأن قوله انها مطردة معناه انه ليس ها هنا نقض يفسدها، وقد بينا ان عدم مايفسدها لايدل على الصحة  

———————-

(قوله هذه الطرق) أى طرق الدلالة على العلة من الطرد والدوران ونحوهما (قوله اذا لم يجد الخ) أى اذا سلمت العلة عن علة تعارضها تقتضى نقيض حكمها كقول الشافعية فى مسح الرأس فى الوضوء مسح فيسن التثليث كالإستجمار فيقال مسح فلايسن كالخف إجماعا (قوله دل) أى عدم الوجدان  (قوله طردها يدل على صحتها) أى اطرادها بأن يثبت الحكم مع الوصف الذى لم يعلم كونه مناسبا ولا مستلزما للمناسب ولا الغاؤه كقول بعضهم فى عدم صحة التطهر بالخل: مائع لاتبنى القنطرة على جنسه عادة فلا تزال به النجاسة كالدهن بخلاف الماء، فبناء القنطرة وعدمه لا مناسبة فيهما للحكم وان كان مطردا  لا نقض عليه (قوله هذا) أى عدم مايفسدها (قوله اذا استدل) أى المستدل (قوله وهذا) أى عدم مايعارضها وما يفسدها يدل على صحتها (قوله الصيرفى) أى الإمام أبو بكرالصيرفى (قوله ان الطرد فعل القائس) فيه نظر فالمراد بالطرد كونه مطردا لا فعل القائس، والأولى ان يحتج بانتفاء المناسبة فى الطرد (قوله على الصحة) أى صحة الخبر أو العلة

   

(باب بيان مايفسد العلة)

     قال الشيخ الإمام الأوحد رحمه الله ورضى الله عنه قد ذكرت فى الملخص فى الجدل فيما يفسد العلة خمسة عشر نوعا، وانا اذكر ههنا مايليق بهذا الكتاب ان  شاء الله تعالى، فأقول: ان الذى يفسد العلة عشرة اشياء. احدها ان لايكون على صحتها دليل، فيدل ذلك على فسادها لأنى قد  بينت فى الباب قبله ان العلة شرعية فاذا لم يكن على صحتها دليل من جهة الشرع دل  على انها ليست  بعلة، فوجب الحكم بفسادها

———————

(قوله على صحتها) أى فيما اذا كانت العلة شرعية (قوله دليل) أى شرعى (قوله فى الباب) أى فى بيان ما يدل على ما يفسد العلة (قوله ان العلة شرعية) أى لأن طريق معرفتها شرع

       (فصل) والثانى ان تكون العلة منصوبة لما لايثبت بالقياس كأقل الحيض واكثره واثبات الأسماء واللغات على قول من لايجيز اثباتها  بالقياس  وغير ذلك من الأحكام التى لامدخل للقياس فيها على ما تقدم شرحها، فيدل ذلك على فسادها.

———————-

(قوله لما لايثبت بالقياس) أى مما طريقه الخلقة والعادة (قوله وغيرذلك) أى كأعداد الركعات ومقادير الزكوات وما طريقه الرواية والسماع

      (فصل) والثالث ان تكون العلة منتزعة من اصل لايجوزانتزاع العلة منه، مثل ان يقيس على اصل  غير ثابت كأصل منسوخ او اصل لم يثبت الحكم فيه، <192> لأن الفرع لايثبت الا بالأصل، فإذا لم يثبت الأصل لم يجز اثبات الفرع من جهته  وهكذا لو كان الأصل قد رود الشرع بتخصيصه ومنع القياس عليه، مثل قياس اصحاب ابى حنيفة رحمه الله غير رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جواز النكاح بلفظ الهبة، وقد ورد الشرع بتخصيصه بذلك. فهذا  ايضا لايجوز القياس عليه لأن القياس انما يجوز على ما لم يرد الشرع بالمنع منه. فأما اذا ورد الشرع بالمنع منه فلايجوز، ولهذا لايجوز القياس اذا منع منه نص او اجماع

———————

(قوله أن يقيس) أى القائس (قوله لأن الفرع الخ) أى فثبوته تابع لثبوت الأصل (قوله بلفظ الهبة) أى كوهبتك نفسى يا فلان (قوله بتخصيصه) أى تخصيص النكاح بانعقاده بلفظ الهبة وذلك لقوله تعالى ” وامرأة مؤمنة وهبت نفسها للنبى ان اراد النبى ان يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين ” (قوله فهذا) أى الأصل الوارد بتخصيصه الشرع

      (فصل) والرابع ان يكون الوصف الذى جعل علة لا يجوز التعليل به، مثل ان تجعل العلة اسم لقب او نفى صفة على قول من لا يجيز ذلك اوشبها على قول من لايجيز قياس الشبه او وصفا لم يثبت وجوده فى الأصل  وفى الفرع، فدل على فسادها، لأن الحكم تابع للعلة واذا كانت العلة لاتفيد الحكم او لم تثبت <193> لم يجز اثبات الحكم من جهتها

———————

(قوله أن تجعل) اى أنت (قوله اسم لقب) المراد به الإسم الجامد لأن اللقب ليس فيه رائحة التعليل ولعدم اشتماله على الحكمة التى يترتب عليها الحكم (قوله على قول من لايجيز ذلك) كلمة لا النافية ليست موجودة فى غالب النسخ أى التمثيل بما ذكر لا يجوز على قول من قال لايجوز ان يكون وصف العلة اسما وعلى قول من قال لايجوز ان يكون النفى علة وقد تقدم جوازهما وهو الأصح كتعليل الشافعى نجاسة بول ما يؤكل لحمه بأنه بول كبول الآدمى (قوله لايجيز قياس الشبه) وقد تقدم أنه يجوز الا أنه اضعف مراتب القياس  (قوله فيدل) أى ما ذكر من كون العلة اسم لقب أو نفى صفة أو شبها أو وصفا لم يثبت وجوده فى الأصل والفرع 

      (فصل) والخامس ان لاتكون العلة مؤثرة فى الحكم، فيدل ذلك على فسادها. ومن اصحابنا من قال ان ذلك لايوجب فسادها، وهى طريقة من قال ان طردها يدل على صحتها، وقد دللت على فساده. ومن اصحابنا من  قال ان دفعه للنقض تأثير صحيح، وهذا خطأ لأن المؤثر ماتعلق الحكم به فى الشرع، ودفع النقض عن مذهب المعلل ليس بدليل على تعلق الحكم به فى الشرع، وإنما يدل على تعلق الحكم به   عنده، وليس المطلوب علة المعلل وانما المطلوب علة الشرع، فسقط هذا القول وفى أى موضع يعتبر تأثير العلة فيه وجهان: من اصحابنا من يطلب تأثيرها فى الأصل لأن العلة تتفرع من الأصل اولا ثم يقاس الفرع عليه، فإذا لم يؤثر فى الأصل لم تثبت العلة فيه فكأنه رد الفرع الى الأصل بغير علة الاصل. ومنهم من قال يكفى ان يؤثر فى وضع من الأصول، وهو اختيار شيخنا القاضى ابى الطيب الطبرى رحمه الله، وهو الصحيح عندى لأنها اذا  أثرت فى موضع من الأصول دل على صحتها واذا  صحت فى موضع وجب تعليق الحكم عليها حيث وجدت <194>

———————-

(قوله ان لاتكون العلة الخ) أى بأن لايكون فيها مناسبة لإثبات الحكم ولانفيه ككونها وصفا طرديا كطول شيء (قوله ذلك) أى عدم كون العلة مؤثرة فى الحكم (قوله وهى) أى هذه الطريقة (قوله من قال) وهو أبو بكر الصيرفى (قوله ان طردها) أى مقارنة الوصف للحكم من غير مناسبة (قوله دللت) أى أقمت دليلا (قوله النقض) أى تخلف الحكم عن العلة (قوله المعلل) أى من نصب نفسه لإثبات الحكم (قوله تأثير العلة) أى تأثير فى كون الوصف علة بمعنى أن الطرد يدل على تأثير الوصف فيه باندفاع النقض عنه (قوله عنده) أى عند المعلل (قوله تأثيرها) أى بأن وجد الحكم فيه بوجودها (قوله تتفرع) أى تتولد (قوله دل) أى تأثير ها فيه

      (فصل) والسادس ان تكون منقضة، وهى ان توجد ولاحكم معها. وقال اصحاب ابى حنيفة وجود العلة من غير حكم ليس بنقض لها، بل هو تخصيص لها وليس بنقض. والدليل على فساد ذلك هو انها علة مستنبطة، فإذا وجدت من  غير حكم وجب الحكم بفسادها، دليله العلل العقلية. واما وجود معنى العلة ولاحكم، وهو الذى سمته المتفقهة الكسر والنقض من طريق المعنى، وهو ان تبدل العلة او بعض اوصافها بما هو فى معناه ثم  يوجد ذلك من غير حكم، فهذا ينظر فيه ؛ فإن كان الوصف الذى ابدله غير مؤثر فى الحكم دل على فساد العلة لأنه اذا   لم يكن مؤثرا وجب اسقاطه واذا سقط لم يبق شيء فإما ان لايبقى شيء فيسقط الدليل او يبقى شيء فينتقض فيكون الفساد راجعا الى عدم التأثير  او النقض  وقد بيناهما. وان كان  الوصف الذى ابدله مؤثرا فى الحكم لم تفسد العلة لأن المؤثر فى الحكم  لايجوز اسقاطه فلايتوجه على العلة من جهته فساد. فأما وجود الحكم من غير علة فينظر فيه ؛ <195> فإن كانت العلة لجنس الحكم فهو نقض، وذلك مثل ان نقول العلة فى وجوب النفقة التمكين فى الإستمتاع فأى موضع وجبت النفقة من غير تمكين فهو نقض، وأى موضع وجد التمكين من غير نفقة فهو نقض، لأنه زعم ان التمكين علة هذا الحكم أجمع لاعلة له سواه، فكأنه قال أى موضع وجد وجب وأى موضع فقد سقط، فإذا وجد ولم يجب او فقد ولم يسقط فقد انتقض التعليل. وان كانت العلة للحكم فى أعيان لالجنس  الحكم لم يكن ذلك نقضا لأنه يجوز ان يكون فى الموضع الذى وجدت العلة يثبت الحكم بوجود هذه العلة وفى الموضع الذى عدمت يثبت لعلة أخرى، كقولنا فى الحائض يحرم وطؤها للحيض ثم يعدم  الحيض فى المحرمة والمعتدة ويثبت التحريم لعلة أخرى

———————–

(قوله والسادس) أى مما يدل على فساد العلة (قوله أن توجد) أى العلة (قوله تخصيصلها) أى كتعليل نقض الوضوء فى قوله تعالى ” أو لامستم النساء ” بأن اللمس مظنة التمتع فيخرج به من النساء المحارم فلا ينقض لمسهن الوضو ء (قوله دليله العلل العقلية) أى دليل فسادها العلل العقلية، فإنها يمتنع تخلفها عن معلولها الا لمانع كالإحراق بالنار فإنه تخلف عن ابراهيم (قوله فإما ان لا يبقى الخ) أى بعد سقوط ذلك الوصف الذى لاتأثير فيه (قوله فينتقض) أى الشيء الباقى كما يقال فى المثال: ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه بدليل الحائض أى صومه (قوله الفساد) أى فساد العلة (قوله عدم التأثير) أى عدم وجود بقاء شيء بعد  اسقاط الوصف غير المؤثر (قوله النقض) أى بقاء شيء بعد اسقاط الوصف غير المؤثر (قوله فأما وجود الحكم من غير علة) وقد يقال لهذا تخلف العلة عن الحكم (قوله العلة) وهى العلة المنصوبة للنفى عند انتفائها والإثبات عند وجودها كالسكر فى عصير العنب علة للحرمة(قوله وجوب النفقة) أى للزوجة (قوله التمكين) أى تمكين نفسها للإستمتاع (قوله ذلك) أى وجود الحكم من غير العلة (قوله وفى الموضع الذى الخ) أى بناء على جواز تعدد العلل على معلول واحد (قوله لعلة أخرى) وهى الإحرام فى المحرمة والعدة فى المعتدة 

      (فصل) والسابع ان يمكن قلب العلة، وهو ان يعلق عليها نقيض ذلك الحكم ويقاس على الأصل. فهذا قد يكون بحكم مصرح، وقد يكون بحكم مبهم. <196> فأما المصرح فهو ان تقول عضو من اعضاء الوضوء فلا يتقدر فرضه بالربع كالوجه، فيقول المخالف عضومن اعضاء الوضوء فلايجزى فيه مايقع عليه الإسم كالوجه، فهذا يفسد العلة. ومن اصحابنا من قال ان ذلك لايفسد العلة ولايقدح فيها  لأنه فرض مسئلة على العلل. ومنهم من قال ان ذلك كالمعارضة بعلة اخرى، فيصار فيهما الى الترجيح. والصحيح انه يوجب الفساد. والدليل على انه يقدح انه عارضه بما لايمكن الجمع بينه وبين علته، فصار كما لو عارضه بعلة مبتدأة. والدليل على انه يوجب الفساد انه يمكن ان يعلق عليها حكمان متنافيان، فوجب الحكم بالفساد. وأما القلب بحكم مبهم فهو قلب التسوية، وذلك مثل ان يقول الحنفى  <197> طهارة بمائع فلم يفتقر الىالنية كإالة النجاسة، فيقول الشافعى رحمه الله طهارة بمائع فكان مائعها كجامدها فى وجوب النية كازالة النجاسة، فمن اصحابنا من قال ان ذلك لايصح لأنه يريد التسوية بين المائع والجامد فى الأصل فى اسقاط النية وفى الفرع فى ايجاب النية. ومنهم من قال ان ذلك يصح، وهو الأصح لأن التسوية بين المائع والجامد لاتنافى علة المستدل فى اسقاط النية فصار كالحكم المصرح به

———————–

(قوله والسابع) أى من مفسدات العلة (قوله قلب العلة) أي وهو إما لإبطال مذهب المستدل فقط كما فى مثال المصنف وإمالتصحيح مذهب المعترض وإبطال مذهب المستدل كما يقال فى بيع الفضولى: عقد بلا ولاية فلا يصح كشراء الفضولى فيقال: عقد فيصح كشراء الفضولى (قوله أن تقول) أى أنت أيها الشافعى مستدلا على مسح الرأس (قوله فرضه) أى وهو المسح (قوله بالربع) أى كما عليه الحنفية (قوله المخالف) وهو الحنفى (قوله الاسم) أى اسم المسح (قوله كالوجه) أى فإنه لايكفى فى غسله ذلك. فهذا قد نفى مذهب المستدل صريحا من غير تعرض لمذهب المعترض لجواز ان يكون الحق فى الإستيعاب كما قاله الإمام مالك (قوله فهذا) أى القلب بحكم مصرح (قوله ذلك) أى القلب بحكم مصرح (قوله على المعلل) أى لا له (قوله كالمعارضة) أى والمعارضة لاتفسد العلة بل تمنع من التعلق بها (قوله فيهما) أى علتى المعترض والمستدل (قوله الترجيح) أى من دليل خارج (قوله بقدح) أى فى العلة (قوله علته) أى المستدل (قوله انه) أى المعترض (قوله فصار) أى المعارضة (قوله قلب التسوية) وهو أن يكون فى جهة الأصل حكمان أحدهما منتف عن جهة الفرع باتفاق الخصمين والآخر متنازع فيه بينهما، ففى المثال احد الحكمين عدم وجوب النية فى الطهارة بالجامد وهو منتف من جهة الفرع اتفاقا، والآخر عدم وجوبها فى الطهارة بمائع وهو المختلف فيه (قوله ان يقول الخ) أى مستدلا على عدم وجوب النية فى الوضوء والغسل (قوله طهارة) أى كل من الوضوء والغسل طهارة (قوله كإزالة النجاسة) أى فإنها لاتفتقر الى النية بخلاف التيمم فإنه يفتقر اليها لأنه بتراب (قوله فيقول الشافعى) أى معترضا بطريق قلب التسوية (قوله فكان مائها كجامدها) المراد بمائعها فى الفرع الوضوء والغسل وبجامدها فيه التيمم وبمائعها فى الأصل ازالة النجاسة بالماء وبجامدها فيه الاستنجاء (قوله فكان مائعها كجامدها) أى ويلزم من التسوية فى الفرع انتفاء مذهب المستدل (قوله فى وجوب النية) أى وقد وجبت النية فى التيمم فتجب فى الوضوء والغسل عملا بمقتضى التسوية (قوله كإزالة النجاسة) أى يستوى جامدها ومائعها فى سقوط النية (قوله فى الأصل) وهو إزالة النجاسة (قوله وفى الفرع) وهو الوضوء والغسل (قوله يريد الخ) أى فالتسوية فى جهة الفرع غير التسوية فى جهة الأصل، والقياس لا بد منه من مساواة الفرع للأصل فى الحكم لعلة جامعة بينهما وهنا لامساواة فيه لأن الحاصل فيه نفى واثبات (قوله من قال) وهو الإمام الأستاذ ابو اسحاق الاسفرائينى (قوله لأن التسوية) أى فى الوصف الذى جعل جامعا وهو الطهارة (قوله لاتنافى الخ) أى فلا يضر اختلاف حكم الأصل والفرع فى النفى والإثبات (قوله فصار) أى الحكم المبهم

     (فصل) والثامن ان  لايوجب العلة حكمها فى  الأصل، وذلك على ضربين: احدهما ان يفيد الحكم فى الفرع بزيادة اونقصان عما يفيدها فى الأصل ويدل على <198> فسادها، وذلك مثل ان يقول الحنفى فى اسقاط تعيين النية فى صوم رمضان  لأنه مستحق العين فلايفتقر الى التعيين كرد الوديعة، فهذا لايصح لأنه يفيد فى الفرع غير حكم الأصل لأنه يفيد فى الأصل اسقاط التعيين مع النية رأسا وفى الفرع يفيد اسقاط التعيين، ومن حكم العلة ان يثبت الحكم فى الأصل ثم يتعدى الى الفرع فينقل حكم الأصل اليه، فإذا لم ينقل ذلك الحكم اليه دل على بطلانها. والثانى ان لايفيد الحكم فى نظائره على الوجه الذى افاد فى الأصل، وذلك مثل ان يقول الحنفى فى اسقاط الزكاة فى مال الصبى انه غير معتقد للإيمان فلا تجب الزكاة فى ماله كالكافر، فإن هذا فاسد لأنه لايوجب الحكم فى النظائر على الوجه الذى يوجب فى الأصل، ألاترى انه لايوجب اسقاط العشر فى زرعه ولا زكاة الفطر فى ماله كما يوجب فى الأصل، <199> فدل على فسادها لأنها لو كانت توجب الحكم فى الفرع لأوجبت الحكم فى نظائره على الوجه الذى أوجب فى الأصل

————————

(قوله والثامن) أى من مفسدات العلة (قوله وذلك) أى ان لاتوجب العلة حكمها فى الأصل (قوله ان يفيد) اى وصف العلة (قوله ويدل) أى إفادته فى الفرع بزيادة أو نقصان (قوله وذلك) أى هذا الضرب (قوله ان يقول الخ) أى فإن صوم رمضان يصح عند الحنفية بمطلق النية وعندنا يشترط فيه التعيين لأنه يفتقر الى نية الفرضية وقد ثبتت القاعدة ان ما يفتقر الى نية الفرضية يجب فيه التعيين كما قال:

فنية التعيين فيه معتبر >< وكل ما لنية الفرض افتقر

(قوله لأنه مستحق العين) بمعنى أنه معين فلا يحتاج الى تعيينه لأنه تحصيل الحاصل

(قوله كرد الوديعة) أى فانها معينة فلا تحتاج الى تعيين (قوله غير حكم الأصل) أى بنقصان عما يفيده فى الأصل من الحكم (قوله رأسا) أى أصلا لأنه لايشترط لرد الوديعة النية فى الخروج عن عهدة الوجوب  بل ترتب الثواب (قوله اسقاط التعيين) أى دون مطلق النية (قوله ان يثبت) أى بها (قوله اذا لم ينقل) وفى نسخة اذا لم ينتقل (قوله دل) أى عدم الإنتقال (قوله وذلك) أى الضرب الثانى (قوله فان هذا) أى القول (قوله لأنه) أى وصف العلة (قوله يوجب) أى الحكم  وهو عدم وجوب الزكاة فى ماله (قوله ولا زكاة الفطر فى ماله) أى ولا اسقاطها (قوله يوجب) أى الإسقاط (قوله فدل) أى عدم ايجاب الحكم فى نظائره على ما ذكر (قوله الحكم) أى وهو عدم وجوب الزكاة (قوله نظائره) أى كالعشر فى زرعه وزكاة الفطر فى ماله

      (فصل) والتاسع ان يعتبر حكما بحكم مع اختلافهما فى الموضع، وهو الذى تسميه المتفقهة فساد الإعتبار. ويعرف ذلك من طريقين: عن جهة النطق، بأن يرد الشرع بالتفرقة بينهما، فيدل ذلك على بطلان الجمع بينهما، مثل ان يعتبر الطلاق بالعدة فى ان الإعتبار فيه فى رق المرأة وحريتها، فهذا فاسد لأن النبى صلى الله عليه وسلم فرق بينهما فى ذلك <200> ” الطلاق بالرجال والعدة بالنساء ” فيكون الجمع باطلا بالنص. ويعرف بالأصول، وهو ان يعتبر مابنى على التخفيف فى ايجاب التخفيف كاعتبار العمد بالسهو والضمان بالحد، أو بما بنى على التأكيد فى الإسقاط بما بنى على التضعيف كاعتبار العتق بالرق والضمان بالحد، او بما بنى على التخفيف فى التغليظ كاعتبار السهو بالعمد، او مابنى على التغليظ بما بنى على التخفيف، او مابنى على التضعيف بما بنى على التأكيد فى الإيجاب كاعتبار الرق <201> بالحرية والحد بالضمان، فيدل ذلك على فسادها لأن اختلافهما فى الوضع يدل على اختلاف علتهما.وقد قيل ان ذلك لايدل علىالفساد  اذا دلت الدلالة على صحة العلة

————————

(قوله التاسع) أى من مفسدات العلة (قوله أن يعتبر) أى المجتهد (قوله مع اختلافهما) أى بالضدية أو النقيضية (قوله المتفقهة) أى الجماعة المتأهلة للفقه (قوله ذلك) أى اعتبار حكم بحكم مع اختلافهما فى الموضع (قوله من طريقين) الأولى منهما تسمى فساد الإعتبار وهو أن يخالف الدليل نصا أو اجماعا والثانية تسمى فساد الوضع وهو أن يكون الدليل على هيئة صالحة لأن يترتب عليه الحكم المطلوب اثباته كأن يكون صالحا  لضد ذلك الحكم أو نقيضه (قوله عن جهة النطق) أى النص (قوله بأن يرد الخ) الباء للتصوير لا للإستقصاء أى وكأن يرد الإجماع بخلافه كما يقال لايجوز للزوج تغسيل زوجته الميتة لحرمة النظر اليها كالأجنبية فهذا مخالف للإجماع السكوتى على تغسيل على فاطمة فإنه لاينكر عليه أحد من الصحابة (قوله بينهما) أى الحكمين (قوله ذلك) أى ورود الشرع بالتفرقة (قوله أن يعتبر) أى المجتهد وهو الشافعى (قوله الطلاق) أى عدد الطلاق (قوله فى رق المرأة) أى  لارق الزوج وحريته أى فعدة الأمة حيضتان ولزوجها وان كان حرا طلقتان وعدة الحرة ثلاثة أطهار ولزوجها وإن كان عبدا  ثلاث تطليقات (قوله بينهما) أى الطلاق  والعدة (قوله فهذا) أى الجمع (قوله فاسد) أى فاسد الإعتبار(قوله فى ذلك) أى ذلك العدد (قوله الطلاق بالرجال) أى من حيث العدد (قوله والعدة بالنساء) أى من حيث العدد (قوله ويعرف) أى فساد الإعتبار (قوله أن يعتبر الخ) بمعنى أنه أثبت حكما على وجه التخفيف بدليل يقتضى التغليظ (قوله كاعتبار العمد بالسهو) أى كما استدل الشافعى فى حل ذبيحة الشخص المسلم بدون التسمية مطلقا. وعند الحنفية لاتحل اذا كان ترك التسمية عمدا وهذا فاسد لأن مناسبة العمد التغليظ ومناسبة السهو التخفيف فلا يجوز تسويتهما (قوله فالضمان بالحد) أى لأن الضمان من حقوق الآدمى مبنى على التغليظ والحد من حقوق الله مبنى على التخفيف (قوله والضمان بالحد) أى مثل أن يقول المستدل الحنفى لايجب على السارق ضمان المال المسروق بعد ما تلف فى يده وبعد القطع لوجود الشبهة كما لايجب الحد عند وجود الشبهة، فيقول المعترض الشافعى هذا قياس فاسد الوضع لأن الضمان لحق العبد وحقوق العباد مبنية على المشاحة وعدم المسامحة فيناسب التغليظ، وحقوق الله فى الحدود مبنية على المسامحة فيناسب التخفيف (قوله كاعتبار العتق  بالرق) أى كاعتبار الحكم فى الحر بحكم الرقيق فإن الحرية تناسب التأكيد كاعتبار الحر بما فى الرقيق فى اسقاط القصاص بقتله (قوله كاعتبار السهو) أى كاعتبار الكلام سهوا بالكلام عمدا فى كون كل منهما يفسد الصلاة (قوله ما بنى على التغليظ الخ) أى كاعتبار الكلام عمدا بالكلام سهوا فى عدم بطلان الصلاة بهما (قوله كاعتبارالرق بالحرية) أى كاعتبار الرقيق بالحر فى ان كلا منهما له ثلاث تطليقات (قوله ذلك) أى ما ذكر من الإعتبارات المتضادة (قوله اختلافهما) أى الإعتبارين كالتخفيف والتغليظ فى شرع الحكم فيهما (قوله إن ذلك) أى فساد الوضع (قوله على الفساد) أى فساد العلة

      (فصل) والعاشر ان يعارضها ماهو اقوى منها من نص كتاب أو سنة أو اجماع، فيدل ذلك على فسادها لأن هذه الأدلة مقطوع بصحتها فلايثبت القياس معها.

————————

[قوله معها] أى مع معارضتها

 

(باب القول فى تعارض العلتين)

     إذا تعارضت العلتان لم يخل إما ان  يكونا من اصل واحد او من اصلين. فإن كانتا من اصلين، وذلك مثل علتنا فى ايجاب النية والقياس على التيمم وعلتهم فى اسقاط النية والقياس على ازالة النجاسة، وجب اسقاط احداهما بما ذكرناه من وجوه الإفساد اوترجيح احداهما على الأخرى بما نذكره ان شاء الله تعالى. وإن كانتا من اصل واحد لم يخل إما ان تكون احداهما داخلة فى الأخرى او تتعدى احداهما الى ما لاتتعدى اليه الأخرى، فإن كانت احداهما داخلة فى الأخرى نظرت ؛  فإن اجمعوا على انه ليس له الا علة واحدة، وذلك مثل ان يعلل الشافعى رضى الله عنه البر بأنه مطعوم جنسى ويعلل المالكى بأنه مقتات مدخر لم يجز القول <202> بالعلتين بل يصار الى الإبطال او الترجيح، وإن لم يجمعوا على ان له علة واحدة مثل ان يعلل الشافعى رضى الله عنه فى مسئلة ظهار الذمى بأنه يصح طلاقه فصح ظهاره كالمسلم، ويعلل الحنفى فى المسلم بأنه يصح تكفيره، فقد اختلف اصحابنا فيه على وجهين. فمنهم من قال نقول بالعلتين لأنهما لايتنافيان بل هما متفقان على اثبات حكم واحد. ومنهم من قال لانقول بهما بل يصار الى الترجيح. والأول اصح لأنه يجوز ان يكون للحكم علتان وثلاثة وبعضها يتعدى وبعضها لايتعدى. وإن كانت كل واحدة منهما تتعدى الى فروع لاتتعدى اليها الأخرى، مثل ان يعلل الشافعى البر بأنه مطعوم جنس  ويعلل الحنفى بأنه مكيل جنس، فهاتان مختلفتان فى فروعهما فلا يمكن  القول بهما فيكون حكمهما حكم العلتين من اصلين، فإما ان يفسد احداهما وإما ان ترجح احداهما على الأخرى 

————————

(قوله لم يخل) أى تعارضهما (قوله وذلك) أى كونهما من أصلين (قوله فى ايجاب النية) أى فى الوضوء والغسل (قوله وعلتهم) أى الحنفية (قوله بما ذكرناه) أى كقلب المساواة هنا (قوله أنه) أى الحكم المعلول (قوله وذلك) أى اجماعهم على انه ليس له الا علة واحدة (قوله الى الابطال) أى بما ذكر من المفسدات. (قوله بأنه يصح تكفيره) أى فيصح ظهاره بخلاف الذمى فلا يصح تكفيره لعدم صحة نيته (قوله لأنهما لايتنافيان) أى لإمكان الذمى من التكفير ايضا بما عدا الصوم حالا وبه بعد اسلامه (قوله فهاتان مختلفتان الخ) أى فالتفاح مثلا يتعدى اليه الطعم ولا يتعدى اليه الكيل (قوله أن تفسد) أى بإحدى المفسدات (قوله ترجح) أى بإحدى المرجحات الآتية

 

(باب القول فى ترجيح احدى العلتين على الأخرى)

      واعلم ان الترجيح لايقع بين دليلين موجبين للعلم ولابين علتين موجبتين للعلم لأن العلم لايتزايد وإن كان بعضه اقوى من بعض، وكذلك لايقع الترجيح بين دليل موجب للعلم او علة موجبة للعلم، وبين دليل او علة موجبة للظن لما ذكرناه ولأن المقتضى للظن لايبلغ رتبة  الموجب للعلم، <203> ولو رجح بما رجح لكان الموجب للعلم مقدما عليه فلامعنى للترجيح

————————-

(قوله ان الترجيح) أى تقوية أحد الدليلين (قوله دليلين موجبين للعلم) أى علم اليقين سواء كانا نقليين أو عقليين  كدال على حدوث العالم ودال على قدمه (قوله لأن العلم لايتزايد) أى ولامتناع التعارض بينهما (قوله لما ذكرناه) أى من أن العلم لايتزايد (قوله ولو رجح) أى أحدهما (قوله لكان الموجب الخ) أى لانتفاء الظن عند القطع بالنقيض فلا تعارض (قوله فلا معنى للترجيح) أى إذ الترجيح فيما فيه تعارض ولاتعارض بين الموجب للعلم والموجب للظن

      (فصل) ومتى تعارضت علتان احتيج فيهما الى الترجيح رجح احداهما على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح، وذلك من وجوه: احدها ان تكون احداهما منتزعة من اصل مقطوع به والأخرى من اصل غير مقطوع به، فالمنتزعة من المقطوع به اولى لأن اصلها اقوى. والثانى ان يكون اصل احداهما مع الإجماع عليه قد عرف دليله على التفصيل فيكون اقوى مما اجمعوا عليه ولم يعرف دليله على التفصيل، لأن ما عرف دليله يمكن النظر فى معناه وترجيحه على غيره. والثالث ان يكون اصل احداهما قد عرف بنطق الأصل واصل الأخرى بمفهوم او استنباط، فما عرف بالنطق اقوى والمنتزع منه اقوى. والرابع ان يكون اصل احداهما عموما لم يخص واصل الأخرى عموم دخله التخصيص، فالمنتزع مما لم يدخله التخصيص اولى لأن ما دخله التخصيص اضعف لأن من الناس من قال قد صار مجازا بدخول التخصيص فيه. والخامس ان يكون اصل احداهما قد نص على القياس عليه واصل الأخرى لم ينص على القياس عليه، فما ورد النص بالقياس عليه اقوى. <204> والسادس ان يكون اصل احداهما من جنس الفرع فقياسه عليه اولى على ما ليس من جنسه. والسابع ان تكون احداهما مردودة الى اصل والأخرى الى اصول، فما وردت الى اصول اولى. ومن اصحابنا من قال هما سواء. والأول اظهر لأن ما كثرت اصوله اقوى. والثامن ان تكون احدى العلتين صفة ذاتية والأخرى صفة حكمية، فالحكمية اولى. ومن اصحابنا من قال الذاتية اولى لأنها اقوى. والأول اصح لأن الحكم بالحكم اشبه، فهو بالدلالة عليه اولى. والتاسع ان  تكون احداهما منصوصا عليها والأخرى غير منصوص عليها، فالعلة المنصوص عليها اولى لأن النص اقوى من الإستنباط. <205> والعاشر ان تكون احداهما نفيا والأخرى اثباتا، فالإثبات اولى لأن النفى مختلف فى كونه علة، او تكون احداهما صفة والأخرى اسما  فالصفة اولى لأن من الناس من قال الإسم لايجوز ان يكون علة. والحادى عشر ان تكون احداهما اقل اوصافا والأخرى اكثر اوصافا، فمن اصحابنا من قال القليلة الأوصاف اولى لأنها اسلم. ومنهم من قال ماكثرت اوصافه اولى لأنها اكثر مشابهة للأصل. والثانى عشر ان تكون احداهما اكثر فروعا من الأخرى، فمن اصحابنا من قال ماكثرت فروعه اولى لأنها اكثر فائدة. ومنهم من قال هما سواء. والثالث عشر ان تكون احداهما متعدية والأخرى واقفة، فالمتعدية اولى لأنها مجمع على صحتها والواقفة مختلف فى صحتها. <206> والرابع عشر ان تكون احداهما تطرد وتنعكس والأخرى تطرد ولاتنعكس، فالتى تطرد وتنعكس اولى لأن العكس دليل على الصحة بلا خلاف والطرد ليس بدليل على قول الأكثر. والخامس عشر ان تكون احداهما تقتضى  احتياطا فى فرض والأخرى لاتقتضى الإحتياط، فالتى تقتضى الإحتياط اولى لأنها اسلم فى الموجب. والسادس عشر ان تكون احداهما تقتضى الحظر والأخرى تقتضى الإباحة فمن اصحابنا من قال  هما سواء.ومنهم من قال التى تقتضى الحظر اولى لأنها احوط. <207> والسابع عشر ان تكون احداهما تقتضى النقل عن الأصل الى شرع والأخرى تقتضى  البقاء على الأصل، فالناقلة اولى. ومن اصحابنا من قال المبقية اولى. والأول اصح لأن الناقلة تفيد حكما شرعيا. والثامن عشر ان تكون احداهما توجب حدا والأخرى تسقطه، او احداهما توجب العتق والأخرى تسقطه، فمن الناس من قال ان ذلك يرجح لأن الحد مبنى على الدرء والعتق على الإيقاع والتكميل. ومنهم من قال انه لايرجح لأن ايجاب الحد واسقاطه والعتق والرق فى حكم الشرع سواء. والتاسع عشر ان تكون احداهما يوافقها عموم والأخرى لايوافقها، فما يوافقها العموم اولى. ومن الناس من قال التى توجب التخصيص اولى. والأول اصح لأن العموم دليل بنفسه، فإذا انضم الى  القياس قواه. والعشرون ان يكون مع احداهما قول صحابى، فهو اولى لأن قول الصحابى حجة فى قول بعض العلماء، فإذا انضم الى القياس قواه.

———————–

(قوله علتان) أى ظنيتان (قوله من أصل مقطوع به) أى كأن يكون متواترا مجمعا عليه (قوله من أصل غير مقطوع به) أى كأن يكون خبر آحاد (قوله فالمنتزعة من المقطوع به) المقطوع هنا الأصل لا العلة أما هى فمظنونة فوقع الترجيح (قوله أولى) أى بالتقديم (قوله فيكون) أى الأصل الذى قد عرف دليله (قوله بنطق الأصل) أى بمنطوقه (قوله فما عرف بالنطق اقوى) أى مما عرف بالمفهوم والإستنباط (قوله من الناس) أى وهم المعتزلة (قوله قد صار) أى ما دخله التخصيص (قوله مجازا) أى والمجاز دون الحقيقة فى الدلالة (قوله أقوى) أى مما لم يرد النص بالقياس عليه (قوله أصل إحداهما الخ) أى والأصل الآخر ليس من جنس الفرع (قوله فقياسه عليه أولى الخ) أى فقياسه على ما هو من جنسه أولى من قياسه على  ما ليس من جنسه مثل قياس الشافعى ما دون أرش الموضحة من الجروح التى ليس لها أرش مقدر كالدامية  على أرشها وهو نصف دية صاحبها فى تحمل العاقلة فيما اذا كانت الجناية خطأ مثلا أولى لكون فرعه من جنس اصله الذى هو الجناية على البدن من قياس الحنفى ذلك على ضمان الأموال فى عدم تحملها وانما كان أولى لأن فرد الجنس بفرد الجنس  أشبه (قوله الى أصول) أى بأن عللت بها (قوله أولى) أى فى التقديم لأن شهادة كل واحد من الأصول دليل على اعتبار تلك العلة (قوله هما) أى العلة المردودة الى أصل والعلة المردودة الى أصول (قوله سواء) أى لاترجيح بينهما (قوله أقوى) أى مما قلت أصوله (قوله صفة ذاتية) أى صفة قائمة فى الذات كالإسكار فإنه وصف قائم بذات الخمر (قوله حكمية) أى صفة ثبت تعلقها بالذات شرعا كالنجاسة والحل والحرمة فإنها لاتعلم الا من الشرع (قوله ومن أصحابنا) ومنهم صاحب لب الأصول تبعا لأصله (قوله أقوى) أى من الحكمية لأنها لايعرفها الا حملة الشرع كقياس النبيذ على الخمر لعلة الإسكار فإنه أولى من قياسه عليه لعلة النجاسة (قوله منصوص عليها) أى بكتاب او سنة (قوله أقوى) أى  فى الدلالة (قوله أولى) أى بناء على قاعدة: اذا تعارض المثبت والنافى قدم المثبت (قوله علة) أى فى الحكم الثبوتى وأما فى الحكم العدمى فمحل وفاق كما ان الإثبات مطلقا كذاك (قوله اسما) أى جامدا (قوله أولى) أى من الإسم الجامد المسمى باسم اللقب (قوله لا يجوز ان يكون علة) أى لعدم اشتماله على الحكمة التى يترتب عليها الحكم (قوله من قال القليلة الخ) أى وعليه صاحب لب الأصول (قوله أسلم) أى لقلة الإعتراض عليها فأقلها أوصافا أقلها اعتراضا (قوله أكثر مشابهة للاصل) أى مثل تعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان لمكافئ لغير والد ويقول الحنفى بالقتل العمد العدوان فقط  (قوله ما كثرت فروعه) أى بأن توجد فى أكثر جزئياتها (قوله أكثر فائدة) أى مما قلت فروعه كالطعم الذى هو علة عندنا فى باب الربا فإنه موجود فى البر مثلا قليله وكثيره بخلاف الكيل الذى هو علة عند الحنفية فلا يوجد فى قليله فجوزوا بيع الحفنة منه بالحفنتين (قوله واقفة) أى قاصرة (قوله على صحتها) أى لأنها أفيد بالإلحاق بها بخلاف القاصرة فانها لاتلحق بها (قوله مختلف فى صحتها) أى بيننا وبين أصحاب أبى حنيفة فعندنا يجوز التعليل بها كما مر ومن فوائده معرفة المناسبة فيكون أدعى للقبول من التعبد المحض (قوله تطرد وتنعكس) المطردة هى التى استلزم وجودها وجود الحكم والمنعكسة هى التى استلزم عدمها عدم الحكم (قوله أولى) أى من المطردة فقط وكذا المطردة فقط أولى من المنعكسة فقط لأنها أشد ضعفا لعدم اطرادها (قوله لأن العكس) أى والطرد معا (قوله على الصحة) أى صحة العلة (قوله والطرد) أى فقط (قوله ليس بدليل) أى بناء على اشتراط الإنعكاس فى العلة (قوله على قول الأكثر) أى خلافا لأبى بكر الصيرفى فإنه قال طردها يدل على صحتها كما مر (قوله احتياطا) الإحتياط هو الأخذ بأوثق الوجوه وطلب الأحظ (قوله فى فرض) خص الفرض بالذكر لأنه محل احتياط اذ لا يحتاط فى الندب (قوله أولى) أى مما لاتقتضى الإحتياط مثل تعليل نقض الوضوء بلمس المرأة فقط سواء بشهوة أو بدونها فإنه أحوط من تعليله باللمس بشهوة لعدم الإحتياط فيه للغرض وهو الطهارة (قوله الإباحة) أى جواز الفعل، فدخل المكروه والمندوب والمباح (قوله هما) أى المقتضيةللحظر والمقتضية للإباحة (قوله سواء) أى لتساوى مرجحهما من أن الإباحة اعتضدت بالأصل العدمى وفى الحظر الإحتياط (قوله لأنها أحوط) أى لأن الحظر لدفع مفسدة واعتناء الشارع به أشد (قوله النقل) أى نقل الحكم (قوله عن الأصل) أى البراءة الأصلية كالإباحة (قوله الى شرع) أى حكم شرعى كالحرمة (قوله فالناقلة أولى) أى لأن فيها زيادة على الأصل (قوله المبقية أولى) أى للأصل لأنها تعتضد بحكم العقل الذى يستقل بالنفى لولا هذه العلة (قوله تفيد حكما شرعيا) أى الذى لم يكن فى الأصل (قوله ذلك) أى ما يوجب حدا أو عتقا (قوله يرجح) أى يرجح كل واحدة من الأربع على مقابلها. وفى اللب الأصح تقديم مسقط الحد لما فيه من اليسر الموافق لقوله تعالى ” يريد الله بكم اليسر ” ولخبر ” ادرؤوا الحدود بالشبهات ” (قوله سواء) أى فلا أرجحية لشيء منها (قوله أولى) أى مما لا يوافقها (قوله أولى) أى مما لاتوجب التخصيص لأنها عرفت ما لم يعرف العموم فكانت كالمتعدية (قوله قواه) أى حتى يصير القياس به قويا (قوله حجة) أى على غيره ممن بعده وأما على الآخرمن الصحابة فغير حجة قطعا (قوله قواه) أى حتى يصير القياس به قويا

 

(باب القول فى الاستحسان)

     الإستحسان المحكى عن ابى حنيفة رحمه الله هو الحكم بما يستحسنه من غير دليل. واختلف المتأخرون من اصحابه فى معناه: فقال بعضهم هو تخصيص العلة بمعنى  يوجب التخصيص. وقال بعضهم تخصيص بعض الجملة من الجملة بدليل يخصها. وقال بعضهم هو قول بأقوى الدليلين، وقد يكون هذا الدليل اجماعا وقد يكون نصا، وقد يكون قياسا، وقد يكون استدلالا، فالنص مثل قولهم ان القياس ان لايثبت الخيار فى البيع لأنه غرر ولكن استحسناه للخبر، والإجماع مثل قولهم ان القياس لايجوز دخول الحمام الا بأجرة معلومة لأنه انتفاع مكان ولا الجلوس فيه الا قدرا معلوما، ولكن استحسناه للاجماع، والقياس مثل قولهم فيمن حلف انه لايصلى، ان القياس انه يحنث بالدخول فى الصلاة لأنه لايسمى مصليا <209> ولكن استحسناه انه لايحنث الا ان يأتى بأكثر الركعة لأن ما دون اكثر الركعة  لايعتد به فهو بمنزلة ما لو لم يكبر. والإستدلال مثل قولهم ان القياس ان من قال ان فعلت كذا فأنا يهودى او نصرانى انه لايكون حالفا لأنه لم يحلف بالله تعالى، ولكن استحسنا انه يحنث بضرب من الإستدلال، وهو ان الهاتك للحرمة بهذا القول بمنزلة الهاتك لحرمة قوله والله، وهذا ايضا قياس الا انهم يزعمون ان هذا الإستدلال ويفرقون بين القياس والاستدلال. فإن كان الإستحسان هو الحكم بما يهجس فى نفسه ويستحسنه من غير دليل فهذا ظاهر الفساد لأن ذلك حكم بالهوى واتباع للشهوة والأحكام مأخوذة من ادلة الشرع  لا مما يقع فى النفس. وان كان الإستحسان مايقوله اصحابه من انه تخصيص العلة، فقد مضى القول فى ذلك ودللنا على فساده. وان كان تخصيص بعض الجملة من الجملة بدليل يخصها او الحكم بأقوى الدليلين فهذا مما لاينكره احد، فيسقط الخلاف فى المسئلة ويحصل الخلاف فى أعيان الأدلة التى يزعمون انها ادلة خصوا بها الجملة او دليل اقوى من دليل. <210>

———————

(قوله بما يستحسنه] أى يستحسنه المجتهد بعقله (قوله تخصيص العلة الخ) وهو المعبر عنه بالنقض (قوله تخصيص العلة) أى علة القياس الجلى (قوله بمعنى) أى بدليل يوجب تخصيصها من نص الكتاب أو السنة والإجماع على خلاف القياس الجلى (قوله بعض الجملة) أى جملة العلة (قوله بدليل يخصها) أى من قياس خفى أو نص أو اجماع جاء على خلاف الجلى وهذا بمعنى الأول (قوله هو قول بأقوى الدليلين) قريب من تفسير اللب فإنه عدول من قياس الى قياس أقوى فهذا لاخلاف فيه لأن أقوى الدليللين مقدم على غيره قطعا (قوله هذا الدليل) أى الدليل الأقوى من القياس الجلى (قوله لأنه غرر)  أى وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر. ولأن شرط الخيار يخالف مقتضى العقد وهو اللزوم (قوله قدرا معلوما) أى من الزمان لأن ذلك اجارة وهى لابد لها من تعيين أجرة ومنفعتها (قوله استحسناه) أى جواز دخوله بلا أجرة معلومة وتعيين زمان الجلوس فيه (قوله بالدخول فى الصلاة) أى بالتحرم بها اعتبارا فيه بالصوم (قوله لايحنث) أى بالتحرم بها (قوله بأكثر الركعة) المراد بأكثر الركعة الركعة بتمامها وتمامها بالسجدة (قوله لايعتد به) اى لأن الصلاة عبارة عن الأركان المختلفة فإذا لم يؤت بجميعها لاتسمى صلاة والركعة اشتملت على الأركان كلها وبعدها تكرار بخلاف الصوم لأن الإمساك ركن واحد (قوله فهو) أى الدخول فى الصلاة (قوله للحرمة) أى الحاصلة بهذا القول (قوله قياس) أى والمقيس عليه تحريم المباح (قوله والإستدلال) أى بدلالة النصوص وهو المسمى عندنا بمفهوم الموافقة (قوله فى نفسه) أى نفس المجتهد (قوله من غير دليل) أى شرعى (قوله فى ذلك) أى وهو المسمى عندنا بالنقض (قوله وإن كان) أى الإستحسان (قوله فهذا) أى الإستحسان بهذا المعنى (قوله أحد) أى منا ومنهم (قوله ويحصل الخلاف الخ) وأما استحسان الشافعى التحليف بالمصحف فليس.فهو بمعناه اللغوى وهو عده حسنا لما قام عنده من أدلة فقهية (قوله يزعمون) أى الحنفية (قوله الجملة) أى جملة العلة.

 

(باب القول فى بيان الأشياء قبل الشرع واستصحاب الحال والقول

بأقل ما قيل وايجاب الدليل على الباقى)

     واختلف اصحابنا فى الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع. فمنهم من قال انها إلى الوقف لايقضى فيها بحظر ولااباحة، وهو قول ابى على الطبرى، وهو مذهب الأشعرية.ومن اصحابنا من قال هو على الإباحة، وهو قول ابى العباس وأبى اسحق فإذا رأى شيئا جاز له تملكه وتناوله، وهو قول المعتزلة البصريين. ومنهم من قال هو على الحظر فلايحل له الإنتفاع بها ولاالتصرف فيها، وهو قول ابى على بن أيى هريرة، وهو قول المعنزلة البغداديين. والأول اصح لأنه لو كان العقل يوجب فى هذه الأعيان حكما من حظر او اباحة لما ورد الشرع فيها <211> بخلاف ذلك ولما جاز ورود الشرع بالإباحة مرة وبالحظر مرة اخرى، دل على ان العقل لايوجب فى ذلك حظرا ولا اباحة

——————–

(قوله قبل ورود الشرع) أى قبل بعثة الرسول. وأما بعدها فأصل المنافع الحل وأصل المضار الحظر (قوله على الوقف) أى هى موقوفة على ورود الشرع (قوله لايقضى فيها بحظر ولا اباحة) أى ولا بغيرهما من الأحكام الشرعية لانتفاء لازم الحكم من ترتب الثواب والعقاب بقوله تعالى ” وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ” (قوله هو) أى المذكور من الأعيان المنتفع بها (قوله على الإباحة) أى لأن الله تعالى خلق العبد وما ينتفع به حيث قال تعالى ” خلق لكم ما فى الأرض جميعا ” فلو لم يبح له كان خلقهما عبثا (قوله وأبى العباس) أى بن سريج (قوله وأبى إسحاق) وهو أبو اسحاق الاسفرائينى (قوله شيئا) أى مما لم يملكه احد (قوله على الحظر) أى الحرمة لأن الإنتفاع  بالأعيان تصرف فى ملك الغير بغير اذن المالك فيحرم (قوله والأول) وهو الوقف (قوله هذه الأعيان) أى المنتفع بها قبل ورود الشرع   (قوله بخلاف ذلك) أى ما يوجبه العقل واقتضاه (قوله دل) أى جواز ورود الشرع بالإباحة مرة وبالحظر مرة أخرى                     


     (فصل) واما استصحاب الحال فضربان: استصحاب حال العقل واستصحاب الإجماع. فأما استصحاب حال العقل  فهو الرجوع الى براءة الذمة فى الأصل، وذلك طريق يفزع اليه المجتهد عند عدم ادلة الشرع، ولاينتقل عنها الا بدليل شرعى ينقله عنه ؛ فإن وجد دليلا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان الدليل نطقا او مفهوما او نصا او ظاهرا، لأن هذه الحال انما استصحبها لعدم دليل شرعى فأى دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه  استصحاب الحال بعده

———————–

(قوله استصحاب الحال) أى لأمر وجودى أو عدمى عقلى أو شرعى. وهو ثبوت أمر فى زمان ثان لثبوته فى الزمان الأول لفقد تغيير ما فى الثانى من الأول (قوله استصحاب حال العقل) وهو نفى ما نفاه العقل ولم يثبته الشرع كصوم رجب (قوله براءة الذمة) أى من التكاليف الشرعية وهو المسمى باستصحاب العدم الأصلى(قوله أو نصا) أى لايحتمل غيره (قوله ظاهرا) أى يحتمل التأويل (قوله بعده) أى بعد ظهور الدليل من جهة الشرع

      (فصل) والضرب الثانى استصحاب حال الإجماع، وذلك مثل ان يقول الشافعى رضى الله عنه فى المتيمم اذا رأى الماء فى اثناء صلاته انه يمضى فيها لأنهم اجمعوا قبل رؤية الماء على انعقاد صلاته، فيجب ان تستصحب هذه الحال بعد <212> رؤية الماء حتى يقوم دليل ينقله عنه، فهذا اختلف اصحابنا فيه: فمنهم من قال ان ذلك دليل وهو قول ابى بكر الصيرفى من اصحابنا ومنهم من قال ان ذلك ليس بدليل، وهو الصحيح لأن الدليل هو الإجماع، والاجماع انما حصل قبل رؤية الماء واذا رأى الماء فقد زال الإجماع فلايجوز ان يستصحب حكم الإجماع فى موضع الخلاف من غير علة تجمع بينهما        

———————–

(قوله استصحاب حال الإجماع) أى استصحاب الصورة التى وقع فيها الإجماع فيما اذا أجمع على حكم فى حال ثم اختلف فيه فى حال آخر فلا يحتج باستصحاب ذلك الحال فى هذا الحال (قوله فى المتيمم) أى لفقد الماء (قوله فيجب ان تستصحب الخ) فهذا أيضا من فروع قاعدة: يغتفر فى الدوام مالايغتفر فى الإبتداء. (قوله دليل) أى على أن الرؤية قاطعة (قوله عنه) أى عن الإستصحاب (قوله من قال) أى كالإمام المزنى والإمام أبى ثور (قوله هو الإجماع) أى السابق على انعقاد صلاة المتيمم (قوله بينهما) أى بين حكم الإجماع وموضع الخلاف

      (فصل) فأما القول بأقل ماقيل فهو ان يختلف الناس فى حادثة على قولين او ثلاثة قضى بعضهم فيها بقدر وقضى بعضهم فيها بأقل من ذلك القدر، وذلك مثل اختلافهم فى دية اليهودى والنصرانى ؛ فمنهم من قال تجب فيه  دية مسلم. ومنهم من قال تجب فيه نصف دية مسلم. ومنهم من قال تجب فيه ثلث دية مسلم. فهذا الإستدلال به من وجهين: احدهما من جهة استصحاب الحال فى <213> براءة الذمة، وهو ان يقول الأصل براءة الذمة الا فيما دل الدليل عليه من جهة الشرع، وقد دل الدليل على  اشتغال ذمته بثلث الدية  وهو الإجماع وما زاد عليه باق على براءة الذمة. والثانى ان يقول هذا القول متيقن وما زاد مشكوك فيه، فلايجوز ايجابه بالشك. فهذا لايصح لأنه لايجوز ايجاب الزيادة بالشك، فلايجوز ايضا اسقاط الزيادة بالشك 

———————-

(قوله وأما القول بأقل ما قيل) أى التمسك بأقل ما قيل من أقوال العلماء حيث لا دليل سواه حق لأنه تمسك بما أجمع عليه على أن الأصل عدم وجوب ما زاد عليه. فإن دل دليل من نص او كتاب على وجوب الأكثر أخذ به  كغسلات ولوغ الكلب قيل انها ثلاث وقيل إنها سبع فأخذ بسبع لخبر النبى صلى الله عليه وسلم ” طهور إناء احدكم اذا ولغ الكلب ان يغسل سبع مرات احداهن بالتراب ” (قوله فهو) أى القول بأقل ما قيل (قوله فى دية اليهودى والنصرانى) أى بخلاف المجوسى الذمى فديته ثلثا عشر دية المسلم (قوله به) أى بالقول بأقل ما قيل. (قوله فى براءة الذمة) أى التى تقتضى عدم الوجوب (قوله أن يقول) أى المستدل (قوله عليه) أى على وجوبه (قوله ذمته) أى ذمة القاتل (قوله وهو الإجماع) أى لأن كل قول من الأقوال الثلاثة يوجب ثلث الدية فإن ايجاب الأكثر من الدية الكاملة أو نصفها يستلزم إيجاب الأقل (قوله باق على على براءة الذمة) أى إذ الأصل عدم وجوبه (قوله ايجابه) أى إيجاب ما زاد عليه (قوله فهذا) أى استصحاب الحال فى براءة الذمة (قوله ما زاد) أى من النصف والكل (قوله مشكوك فيه) أى لأنه لم يقم عليه دليل

      (فصل) واما النافى للحكم فهو كالمثبت فى وجوب الدليل عليه ومن اصحابنا من قال النافى لادليل  عليه ومن  الناس من قال ان كان ذلك فى العقليات فعليه الدليل، وان كان فى الشرعيات لم  يكن عليه دليل.والدليل على ماقلناه هو  ان القطع بالنفى لايعلم الا عن دليل كما ان  القطع بالإثبات لايعلم <214> الا عن دليل، وكما لايقبل الإثبات الا بدليل فكذلك  النفى

————————-

(قوله كالمثبت الخ) أى اذا لم يعلم النفى ضرورة لأن غير الضرورى قد يشتبه فيطلب دليله لينظر فيه هل هو صحيح أو لا بخلاف الضرورى فإنه لايشتبه اشتباها يحوج الى الدليل (قوله النافى لا دليل فيه) أى لايجب الدليل عليه لأن الأصل فى الأشياء النفى وهو غير محتاج الى دليل فمن نفى الحكم له أن ينفى بالإستصحاب (قوله ذلك) أى نفى الحكم (قوله على ما قلناه) أى من أن النافى كالمثبت فى وجوب  الدليل (قوله هو أن القطع الخ) أى وان حكم كون الشيء حلالا مثلا حكم من أحكام الدين كالإثبات والأحكام لاتثبت الا بدليلها (قوله الا عن دليل) أى يقتضى النفى

 

(باب فى بيان ترتيب استعمال الأدلة واستخراجها)

     واعلم انه اذا نزلت بالعالم نازلة وجب عليه طلبها فى النصوص والظواهر فى منطوقها ومفهومها وفى افعال الرسول صلى الله عليه وسلم وإقراره وفى اجماع علماء الأمصار. فإن وجد فى شيء من ذلك ما يدل عليه قضى به. وان لم يجد طلبه فى الأصول والقياس عليها، وبدأ فى طلب العلة بالنص. فإن وجد التعليل منصوصا عليه عمل به. وان لم يجد المنصوص عليه يسلم ضم  اليه  غيره من الأوصاف التى دل الدليل عليها. فإن لم  يجد فى النص عدل الى المفهوم،  فإن لم يجد فى ذلك نظر فى الأوصاف المؤثرة فى الأصول من ذلك الحكم واختبرها منفردة، فما سلم منها منفردا  او مجتمعا علق الحكم عليه. وإن لم يجد علل بالأشباه الدالة على الحكم على ما قدمناه. فإن لم يجد علل بالأشبه وان كان ممن يرى مجرد الشبه وإن لم تسلم له علة فى الأصل علم ان الحكم مقصور على الأصل لايتعداه. فإن لم يجد فى الحادثة دليلا يدله عليها من جهة الشرع لانصا ولا استنباطا <215> أبقاه على حكم الأصل فى العقل على ما قدمناه.           

———————–

(قوله نازلة) أى مسئلة حادثة (قوله عليه) أى المستدل (قوله فإن وجد) أى المستدل (قوله عليه) أى على حكم تلك النازلة (قوله به) أى بما يدل عليه (قوله طلبه) أى طلب المستدل حكم تلك النازلة (قوله عليها) أى على عليتها (قوله فإن لم يجد) أى العلة (قوله الى المفهوم) أى وصف العلة المفهوم (قوله الأوصاف المؤثرة) أى التى اذا وجدت وجد الحكم واذا انتفت انتفى (قوله وإن لم يجد) أى الأوصاف المؤثرة (قوله بالأشباه) اى العلل المشبهة (قوله الدالة على الحكم) أى لا المقتضية له (قوله على ما قدمناه) أى فى فصل قياس الدلالة (قوله بالأشبه) أى بأشبه الوصفين الذى لايزول الحكم بزواله ولا يدل على الحكم (قوله لايتعداه) أى الى الفرع المطلوب حكمه (قوله أبقاه) أى المذكور من الحادثة (قوله على حكم الأصل) أى استصحاب العدم الأصلى  (قوله على ما قدمناه) أى فى فصل استصحاب الحال

 

(القول فى التقليد)

 (باب بيان مايسوغ فيه التقليد وما لايسوغ ومن يسوغ له التقليد ومن لايسوغ)

     قد بينا الأدلة التى يرجع اليها المجتهد فى معرفة الحكم، وبقى الكلام فى بيان مايرجع اليه العامل فى العمل وهو التقليد. وجملته ان التقليد قبول القول من غير دليل. والأحكام على ضربين: عقلى وشرعى. فأما العقلى فلايجوز فيه التقليد كمعرفة الصانع وصفاته ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من  الأحكام العقلية. وحكى عن عبيد  الله بن الحسن العنبرى انه قال يجوز التقليد فى اصول الدين، وهذا خطأ لقول الله تعالى: ” انا وجدنا آباءنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون ” فذم قوما اتبعوا آباءهم فى الدين، فدل على ان ذلك لايجوز <216> لأن طريق هذه الأحكام العقل، والناس كلهم يشتركون فى العقل فلامعنى للتقليد فيه

———————

(قوله وجملته) أى جملة الكلام فى ما ذكر (قوله التقليد) هو لغة وضع الشيء فى العنق مع الإحاطة فيه (قوله أن التقليد قبول الخ) أى اصطلاحا (قوله قبول القول) أى قول الغير  وخرج به اخذ قول لايختص بالغير كالمعلوم من الدين بالضرورة (قوله من غير دليل) أى من غير معرفة دليله على وجه الإستنباط فخرج الإجتهاد لأنه معرفة الدليل على وجه الإستنباط و دخل فيه قبوله مع دليله لا على وجه الإستنباط (قوله فأما العقلى) أى الإعتقادى (قوله فلا يجوز الخ) أى فيجب النظر فيه لأن المطلوب فيه اليقين ولايقين مع التقليد (قوله الصانع) أى صانع كل شيء (قوله يجوز الخ) أى اكتفاء بالعقد الجازم (قوله فى أصول الدين) هو علم يبجث فيه عما يجب اعتقاده(قوله لقوله تعالى ” إنا الخ) أى ولقوله تعالى ” واعلم انه لا اله الا الله ” فقد أمر بالعلم دون التقليد وقيس بالوحدانية غيرها(قوله فدل) أى ذمهم (قوله ان ذلك) أى التقليد فى أصول الدين (قوله العقل) أى والنظر                                                                                            

  (فصل) وأما الشرعى فضربان: ضرب يعلم ضرورة من دين رسول الله  كالصلوات الخمس والزكوات وصوم رمضان والحج وتحريم الزنا وشرب الخمر وما اشبه ذلك. فهذا لايجوزالتقليد فيه لأن الناس كلهم يشتركون فى ادراكه والعلم به، فلا معنى للتقليد فيه. وضرب لا يعلم الا بالنظر والإستدلال كفروع العبادات والمعاملات والفروج والمناكحات وغير ذلك من الأحكام، فهذا يسوغ فيه التقليد. وحكى عن ابى على الجبائى انه قال ان كان ذلك مما يسوغ فيه الإجتهاد جاز، وان كان مما لايجوز فيه الإجتهاد لم يجز. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ” فاسئلوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ” ولأنا لو منعنا التقليد فيه لاحتاج كل احد ان يتعلم ذلك، وفى ايجاب ذلك قطع عن المعاش وهلاك الحرث والزرع فوجب ان يسقط <217>

————————

(قوله ضرب يعلم ضرورة الخ) أى بأن لا يتوقف علمه على نظر واستدلال ويشترك فى معرفته الخواص والعوام من غير قبول للتشكيك (قوله وما أشبه ذلك) أى مما يعلم من الدين بالضرورة (قوله فهذا) أى هذا الضرب (قوله من الأحكام) أى النظرية (قوله يسوغ فيه التقليد) أى بل يجب لمن لم يبلغ درجة الإجتهاد (قوله أبى على الجبائى) أى المعتزلى (قوله جاز) أى التقليد فيه (قوله مما لايجوز الخ) أى من الأمور التى طريقها القطع لا الإكتساب (قوله والدليل على ما قلناه الخ) وأما ما قال له الأممة أصحاب المذاهب من منع التقليد إن صح فإنما هو لحث أصحابهم على النظر فى أقوالهم والبحث عن مأخذهم ليتثبتوا فى أمرها تمام التثبت (قوله إن كنتم لا تعلمون) أى فإنها عامة فى جميع من لا يعلم العلم (قوله على ما قلناه) أى جواز التقليد فى غير ما يعلم من الدين بالضرورة(قوله فيه) أى فى هذا الضرب الذى لايعلم الا بالنظر والإستدلال (قوله ذلك) أى ذلك الضرب (قوله ان يسقط) أى القول بمنع التقليد فيه

      (فصل) وأما من يسوغ له التقليد فهو العامى وهو الذى لايعرف طرق الأحكام الشرعية. فيجوز له ان يقلد عالما ويعمل بقوله. وقال بعض الناس لايجوز حتى  يعرف علة الحكم. والدليل على ما قلناه هو أنا لوألزمناه معرفة العلة أدى الى ماذكرناه من الإنقطاع عن المعيشة، وفى ذلك خراب الدنيا فوجب ان لايجب.

———————–

(قوله وأما من الخ) أى ممن ليس مجتهدا مطلقا (قوله فهو العامى) أى وكذا العالم الذى لم يبلغ رتبة الإجتهاد مطلقا (قوله فيجوز الخ) أى بل يجب عليه وإن كان مجتهدا فى بعض المسائل (قوله عالما) أى ولو ميتا لقول الشافعى رحمه الله تعالى ” المذاهب لاتموت بموت أربابها ” (قوله لايجوز الخ) أى لأن القول بوجوب التقليد مطلقا يؤدى الى وجوب اتباع الخطأ لجواز الخطأ عليهم (قوله علة الحكم) أى ومستنده (قوله على ما قلناه) أى من أنه  يجوز للعامى تقليد عالم (قوله أدى) أى إلزامه

      (فصل) وأما العالم فينظر فيه ؛ فإن كان الوقت واسعا يمكنه الإجتهاد لزمه طلب الحكم بالإجتهاد. ومن الناس من قال يجوز له تقليد العالم، وهو قول أحمد واسحق وسفيان الثورى. وقال محمد بن الحسن يجوز له تقليد من هو اعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله. ومن الناس من قال إن كان فى حادثة نزلت به جاز له ان يقلد ليعمل به، وان كان فى حادثة نزلت بغيره لم يجز ان يقلد ليحكم به او يفتى <218>  فالدليل على ما قلناه هو ان معه آلة يتوصل بها الى الحكم المطلوب، فلايجوز له تقليد غيره كما قلنا فى العقليات

———————

(قوله العالم) أى المجتهد(قوله لزمه الخ) أى فيحرم عليه التقليد لتمكنه من الإجتهاد الذى هو أصل للتقليد ولا يجوز العدول عن الأصل الممكن الى بدله (قوله يجوز له الخ) أى لعدم علمه حينئذ  والمعتبر الظن وهو حاصل باجتهاد غيره (قوله محمد بن حسن) هو أبو عبد الله محمد بن حسن الشيبانى ولد سنة 132 هـ وتوفى سنة 189 هـ (قوله تقليد من هو أعلم منه) أى لرجحانه عليه (قوله تقليد مثله أى وكذا دونه بالأولى (قوله ومن الناس) أى وهم أهل العراق (قوله وإن كان) أى الحكم (قوله ليعمل به) أى فى حق نفسه خاصة (قوله ليحكم به) أى بالحكم الذى قلده فيه (قوله على ما قلناه) أى من أنه لزم الإجتهاد

      (فصل) وان كان قد ضاق عليه الوقت وخشى فوت العبادة ان اشتغل بالإجتهاد ففيه وجهان: احدهما لايجوز، وهو قول ابى اسحق. والثانى يجوز، وهو قول ابى العباس. والأول اصح لأن معه آلة يتوصل بها الى الإجتهاد، فأشبه اذا كان الوقت واسعا.

———————–

(قوله يجوز) أى له التقليد (قوله أبى العباس) أى بن سريج (قوله فأشبه) أى هذا الإجتهاد عند الضيق

 

(باب صفة المفتى و المستفتى)

     وينبغى ان يكون المفتى عارفا بطرق الأحكام  وهى الكتاب، والذى يجب ان يعرف من ذلك ما يتعلق بذكر الأحكام والحلال والحرام دون ما فيه من القصص والأمثال والمواعظ والأخبار. ويحيط بالسنن المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيان الأحكام ويعرف الطرق التى يعرف بها مايحتاج اليه من الكتاب والسنة من احكام الخطاب وموارد الكلام ومصادره من الحقيقة والمجاز والعام والخاص والمجمل والمفصل والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم. ويعرف من اللغة والنحو مايعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم فى <219> خطابهما. ويعرف احكام افعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وماتقتضيه. ويعرف الناسخ من ذلك من المنسوخ واحكام النسخ ومايتعلق به. ويعرف اجماع السلف وخلافهم ويعرف مايعتد به من ذلك وما لايعتد به. ويعرف القياس والإجتهاد والأصول التى يجوز تعليلها وما لايجوز والأوصاف النى يجوز ان يعلل بها ومالايجوز وكيفية انتزاع العلل. ويعرف ترتيب الأدلة بعضها على بعض وتقديم الأولى منها ووجوه الترجيح. ويجب ان يكون ثقة مأمونا لايتساهل فى امر الدين

———————-

(قوله وينبغى) أى يجب كما أقول فى الثمرات الحاجينية:

وينبغى الأغلب للمندوب><وربما يطلق للوجوب

(قوله المفتى) أى العالم الفقيه المجتهد (قوله عارفا) أى معرفة متوسطة (قوله الكتاب) أى وإن لم يحفظه على ظهر قلب (قوله ما يتعلق بذكر الأحكام) أى بدلالته عليها (قوله دون ما فيه من القصص الخ) أى مما لاتعلق له بالأحكام فلا تلزمه معرفته (قوله ويحيط) أى إحاطة متوسطة (قوله من أحكام الخ) بيان للطرق (قوله ويعرف من اللغة الخ) أى بحيث يميز العبارة الصحيحة من الفاسدة والراجحة من المرجوحة. ومثل النحوالصرف والمعانى والبيان (قوله أحكام أفعال الخ) أى من وجوب وغيره (قوله وما تقتضيه) أى من تخصيص لعموم أوبيان لمجمل أو غير ذلك (قوله وما يتعلق به) أى من شروط وغيرها مما مر فى باب النسخ (قوله ويعرف إجماع السلف الخ) أى لئلا يخرقه لأنه حرام (قوله والأصول) أى المقيس عليها (قوله وما لايجوز) أى التعليل بها (قوله وتقديم الأعلى منها) أى على الأدنى

      (فصل) ويجب عليه ان يفتى من استفتاه ويعلم من طلب منه التعليم، فإن لم  يكن فى الإقليم الذى هو فيه غيره يتعين عليه التعليم والفتيا، وان كان هناك غيره لم يتعين عليه بل كان ذلك من  فروض الكفاية، اذا قام به بعضهم سقط الفرض عن الباقين. ويجب ان يبين الجواب، فإن كان الذى نزلت به النازلة حاضرا وعرف منه النازلة على جهتها جاز ان يجيب على حسب ماعلم من حال المسئلة، وان لم  يكن  حاضرا واحتملت المسئلة تفصيلا فصل الجواب وبين، <220> وان لم يعرف المستفتى  لسان المفتى قبل فيه ترجمة عدل. وان اجتهد فى حادثة مرة فأجاب فيها ثم نزلت تلك الحادثة مرة اخرى فهل يجب عليه اعادة الاجتهاد ام لا ؟ فيه وجهان: من اصحابنا من قال يفتى بالإحتهاد الأول. ومنهم من  قال يحتاج ان يجدد الإجتهاد. والأول اصح

———————

(قوله عليه) أى على المفتى (قوله أن يفتى الخ) أى لأنه قائم مقام النبى صلى الله عليع وسلم لقوله  صلى الله عليه وسلم ” العلماء ورثة الأنبياء ” فوجب التبليغ قاله الشاطبى (قوله فيه) أى فى هذا الإقليم (قوله يتعين) أى صار فرضا عينيا عليه (قوله هناك) أى فى إقليم هو فيه (قوله غيره) أى ممن يتأهل للإفتاء (قوله ذلك) أى الإفتاء والتعليم (قوله بعضهم) أى بعض أهل الاجتهاد (قوله وبين) أى تبيينا يزول به الإشكال. (قوله لسان المفتى) أى لغته (قوله فيه) أى فى جواب المفتى  (قوله ثم نزلت تلك الحادثة الخ) أى ولم يذكر الدليل الأول. وأما اذا ذكره فلايحتاج الى الإعادة قطعا اذ لاحاجة  اليه (قوله فيه) أى فى جواب هذا الإستفهام (قوله يفتى الخ) أى بناء على قوة الظن السابق (قوله يحتاج الخ) أى لأنه لو أفتى بالأول وقد نسى دليله لكان اخذا بشيء من غير دليل وذلك غير جائز       

      (فصل) واما المستفتى فلا يجوز ان يستفتى من  شاء على الإطلاق لأنه ربما استفتى من لايعرف الفقه، بل يجب ان يتعرف حال الفقيه فى الفقه والأمانة، ويكفيه فى معرفة ذلك خبر العدل الواحد. فإذا عرف انه فقيه نظر، فإن كان وحده قلده، وان كان هناك غيره فهل يجب عليه الإجتهاد ؟ فيه وجهان: من  اصحابنا من قال يقلد من شاء منهم. وقال ابو العباس والقفال يلزمه الإجتهاد فى اعيان المفتين، فيقلد اعلمهم واورعهم. والأول اصح لأن الذى يجب عليه ان يرحع  الى قول عالم  ثقة، وقد فعل ذلك فيجب ان يكفيه

————————

(قوله غيره) أى من المجتهدين (قوله الإجتهاد) لعل المراد به هنا الترجيح (قوله يقلد الخ) أى بلا بحث عن الأرجح منهم لأن الجميع أهل (قوله يلزمه الخ) أى لأن أقوال المجتهدين فى حق المقلد بمنزلة الأدلة فى حق المجتهد، فكما يجب الأخذ بالراجح من الأدلة كذلك يجب الأخذ بالراجح من الأقوال  (فيقلد الخ) وعلى هذا القول فلا يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل (قوله عليه) أى المستفتى (قوله ذلك) أى الرجوع الى قول عالم ثقة

     (فصل) فإن استفتى رجلين نظرت ؛ فإن اتفقا فى الجواب عمل بما قالا وان <221> اختلفا فأفتاه احدهما بالحظر والآخر بالإباحة فاختلف اصحابنا فيه على ثلاثة اوجه: منهم من قال يأخذ بما شاء منهما. ومنهم من  قال يجتهد فيمن يأخذ بقوله منهما. ومنهم من قال يأخذ بأغلظ الجوابين لأن الحق ثقيل. والصحيح هو الأول لأنا قد بينا انه  لايلزمه الإجتهاد والحق ايضا لايختص بأغلظ الجوابين بل قد يكون الحق فى الأخف كيف وقد قال الله تعالى: ” يريد الله بكم اليسر ولايريد   بكم العسر ” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” بعثت بالحنيفية السهلة ولم ابعث بالرهبانية المبتدعة ”

———————–

(قوله فيه) أى فى اختلاف الرجلين (قوله يأخذ بما شاء) أى سواء كان بالأخف أم بالأغلظ بقول الفاضل أم بقول المفضول(قوله يجتهد الخ) أى فيأخذ بفتوى الأعلم والأورع (قوله بأغلظ الجوابين) أى لأنه أكثر ثوابا وأحوط (قوله الإجتهاد) أى الترجيح (قوله وقال رسول الله الخ) أى ولخبر ” يسروا ولاتعسروا ” (قوله الحنيفية) أى الملة الإبراهيمية المائلة الى الحق

 

((القول فى الاجتهاد))

(باب القول فى اقوال المجتهدين  وان الحق منهما فى واحد او كل مجتهد مصيب)

     الإجتهاد فى عرف الفقهاء استفراغ الوسع وبذل المجهود فى طلب الحكم الشرعى. والأحكام ضربان: عقلى وشرعى. فأما العقلى فهو كحدوث العالم واثبات الصانع واثبات النبوة وغير ذلك من اصول الديانات. والحق فى هذه المسائل فى واحد وما عداه باطل. وحكى عن عبيد  الله بن الحسن العنبرى انه قال كل مجتهد فى الأصول مصيب. ومن الناس من حمل هذا القول منه على انه إنما اراد <222> فى اصول الديانات التى يختلف فيها اهل القبلة ويرجع المخالفون فيها الى آيات وآثار محتملة للتأويل، كالرؤية وخلق الأفعال والتجسيم وما أشبه ذلك، دون مايرجع الى الإختلاف بين المسلمين وغيرهم من اهل الأديان. والدليل على فساد قوله هو ان هذه الأقوال المخالفة للحق من التجسيم ونفى الصفات لايجوز ورود الشرع بها، فلا يجوز ان يكون المخالف فيها مصيبا، كالقول بالتثليث وتكذيب الرسل

———————

(قوله استفراغ الوسع الخ) أى استقصاء الطاقة فى نظر الأدلة بحيث تحس النفس بالعجز عن المزيد (قوله فى طلب الحكم الشرعى) أى فى تحصيل الظن بالحكم الشرعى (قوله عقلى) أى وهو ما لايتوقف على سمع (قوله والحق الخ) أى والمخطئ فيها آثم (قوله فى واحد) أى وهو الذى صادف الحق (قوله وما عداه باطل) أى اذ لايمكن اجتماع النقيضين فى نفس الأمر (قوله كل مجتهد الخ) و فيه مع خرقه الإجماع تصويب لضلالات الفلاسفة (قوله أهل القبلة) أى المسلمون (قوله كالرؤية) أى رؤية الله (قوله وخلق الأفعال) أى أفعال عباده الإختيارية (قوله والتجسيم) أى تجسيم الله تعالى (قوله دون ما يرجع الخ) أى كالتثليث. ودون كفريات الفلاسفة ايضا (قوله ونفى الصفات) أى صفاته تعالى الذاتية كالحياة وهى ثمان ثابتة عند أهل السنة (قوله كالقول بالتثليث) أى كالقول بأن الله ثالث ثلاثة 

      (فصل) واما الشرعية فضربان: ضرب يسوغ فيه الإجتهاد، وضرب لايسوغ فيه الاجتهاد. فأما مالايسوغ فيه الإجتهاد فعلى ضربين: احدهما ماعلم من دين الرسول صلى الله  عليه وسلم  ضرورة، كالصلوات المفروضة والزكوات الواجبة وتحريم الزنا واللواط وشرب الخمر وغيرذلك. فمن خالف فى شيء من ذلك بعد العلم فهو كافر لأن ذلك معلوم من دين الله تعالى ضرورة، فمن  خالف فيه فقد كذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فى خبرهما، فحكم بكفره. والثانى مالم يعلم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة، كالأحكام التى تثبت بإجماع الصحابة وفقهاء الأعصار، ولكنها لم نعلم من دين الرسول صلى الله عليه وسلم ضرورة، فالحق من ذلك واحد وهو ما اجمع  الناس عليه. فمن خالف <223> فى شيء من ذلك بعد العلم به فهو فاسق. وأما مايسوغ فيه الإجتهاد وهو المسائل التى اختلف فيها فقهاء الأمصار على قولين واكثر فقد اختلف اصحابنا فيه ؛ فمنهم من قال الحق من ذلك فى واحد وما عداه باطل الا  ان الإثم موضوع عن المخطئ فيه. وذكر هذا القائل ان هذا مذهب الشافعى رحمه الله تعالى لا قول له غيره. ومن اصحابنا من قال فيه  قولان: احدهما ماقلناه. والثانى ان كل مجتهد مصيب، وهو ظاهر قول مالك رحمه الله وابى حنيفة رحمه الله، وهو مذهب المعتزلة وابى الحسن الأشعرى، وحكى القاضى ابو بكر الأشعرى عن ابى على بن ابى هريرة من اصحابنا انه كان يقول بآخرة ان الحق من هذه الأقاويل فى واحد مقطوع به عند الله تعالى وان مخطئه مأثوم والحكم بخلافه منقوض، وهو قول الأصم بن علية وبشر المريسى. واختلف القائلون من اصحابنا ان الحق فى واحد  فى هل الكل مصيب فى اجتهاده أم لا ؟ فقال بعضهم ان المخطئ فى الحكم مخطئ فى الإجتهاد. <224> وقال بعضهم ان الكل مصيب فى الإجتهاد وان جاز ان يخطئ فى الحكم، وحكى ذلك عن ابى العباس. واختلف القائلون بأن كل مجتهد مصيب ؛ فقال بعض اصحاب ابى حنيفة رحمه  الله ان عند الله عز وجل أشبه مطلوب،  ربما اصابه المجتهد وربما اخطأه. ومنهم من أنكر ذلك.والقائلون بالأشبه اختلفوا فى تفسيره. فمنهم من أبى تفسيره بأكثر من  انه أشبه. وحكى عن بعضهم انه قال الأشبه عند الله فى حكم الحادثة قوة الشبه بقوة الأمارة. وهذا تصريح بأن الحق فى واحد يجب طلبه. وقال بعضهم الأشبه عند الله تعالى ان عنده فى هذه الحادثة حكما لو نص  عليه وبينه لم ينص الا عليه. والصحيح من مذهب اصحابنا هو الأول، وان الحق فى واحد وما سواه باطل، وان الإثم مرفوع عن المخطئ. والدليل على ذلك قوله صلى الله   عليه وسلم: ” اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران وان اجتهد فأخطأ فله اجر واحد ” ولأنه لو كان الجميع حقا وصوابا لم يكن للنظر والبحث معنى. واما الدليل على وضع المأثم عن المخطئ فما ذكرناه من الخبر، ولأن  الصحابة رضى الله  عنه اجمعت على تسويغ الحكم بكل واحد من الأقاويل المختلف فيها <225> وإقرار المخالفين على ما ذهبوا اليه من الأقاويل، فدل على انه لامأثم على واحد منهم

———————-

(قوله ماعلم) أى علما ضروريا بأن يشترك فى معرفته الخواص والعوام من غير قبول للتشكيك (قوله واللواط) أى الوطء فى الدبر (قوله وغيرذلك) أى كوجوب الحج (قوله من ذلك) أى مما علم من الدين بالضرورة (قوله والثانى) أى مما لايسوغ فيه الإجتهاد (قوله الأعصار) جمع عصر (قوله ولكنها لا تعلم الخ) أى بحيث لايشترك فى معرفتها الخواص والعوام ويقبل التشكيك (قوله الأمصار) جمع مصر أى بلد (قوله وأكثر) أى من القولين (قوله فيه) أى فيما يسوغ فيه الإجتهاد (قوله الحق الخ) أى لأن النبى صلى الله عليه وسلم صوب مجتهدا  تارة وخطئه أخرى كما فى الحديث (قوله موضوع) أى مرفوع مالم يقصر (قوله فيه) أى الإجتهاد فى ذلك بخلافه فى العقليات فإنه آثم قطعا (قوله ان هذا) أى هذا القول (قوله فيه) أى فيما يسوغ فيه الإجتهاد (قوله ما قلناه) أى من أن المصيب فى واحد وما سواه مخطئ (قوله ان كل مجتهد مصيب) أى فى الفروع (قوله ظاهر قول مالك) أى لقوله صلى الله عليه وسلم ” أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ” (قوله بآخرة) أى بمرة آخرة (قوله مقطوع به) أى معين به عنده قبل الإجتهاد (قوله وأن مخطئه) أى بحيث لايصيب ذلك المقطوع به (قوله مأثوم) أى لأنه مقصر (قوله فى اجتهاده) أى لا فى مصادفته الحق (قوله فى الحكم) أى فى إصابته الحكم الحق (قوله مخطئ فى الإجتهاد) أى والمصيب فى الحكم مصيب أيضا فى الإجتهاد (قوله ان يخطئ فى الحكم) أى بأن لايصادف الحكم الحق  فهو مصيب ابتداء ومخطئ انتهاء (قوله عند الله) أى قبل الإجتهاد اذ لابد للطلب من المطلوب (قوله مطلوب) أى معين (قوله ربما أصابه الخ) أى فإن أصابه فهو مصيب وإن أخطأه فهو مخطئ (قوله من أنكر ذلك) أى بل عنده أن حكم الله تابع تعينه لظن المجتهد فما ظنه من الحكم فهو حكم الله (قوله أبى الخ) أى اذ ما من مسئلة الا ولها مشابهة ومناسبة بحكم معين بحيث لو اراد الله الحكم على التعيين لحكم (قوله بقوة الأمارة) أى بقوة الدليل (قوله ذلك) أى وما الحق فى واحد سواه باطل وان الإثم مرفوع عن المخطئ (قوله فله أجران) أى على اجتهاده و اصابته (قوله فله أجر واحد) أى على اجتهاده (قوله للنظر) أى الإجتهاد (قوله بتسويغ الحكم) أى تجويزه (قوله فدل) أى اجماعهم

     (فصل) لايجوز ان تتكافأ الأدلة فى الحادثة، بل لابد من ترجيح احد القولين على الآخر. وقال ابو على وابو هاشم يجوز ان تتكافأ الأدلة فيتخير المجتهد عند ذلك من القولين المختلفين، فيعمل بما شاء منهما. والدليل على ما قلناه انه اذا كان الحق فى واحد على مابيناه لم يجز ان تتكافأ الأدلة فيه كالعقليات

————————

(قوله ان تتكافأ الأدلة) أى بأن دل كل منهما على منافى ما يدل عليه الآخر (قوله فى الحادثة) أى الواحدة (قوله أبو على وأبو هاشم) أى الجبائيان المعتزليان (قوله فيتخير المجتهد) وقيل يتساقطان فيرجع المجتهد الى البراءة الأصلية وقيل الوقف (قوله عند ذلك) أى عند تكافئ الأدلة (قوله فى واحد) أى من الأقوال المختلفة (قوله كالعقليات) أى فى أن المصيب فيها واحد قطعا فيمتنع التعادل فيها

 

(باب القول فى تخريج المسئلة على قولين)

     يجوز للمجتهد ان يخرج المسألة على قولين، وهو ان يقول هذه المسألة تحتمل قولين، على معنى ان كل قول سواهما باطل. وذهب قوم لايعتد بهم الى انه لايجوز ذلك. وهذا خطأ لأنه ان كان المراد بالمنع من تخريج القولين ان يكون له قولان على وجه الجمع، مثل ان يقول هذا الشيء حلال وحرام على سبيل الجمع، فهذا لايجوز ايضا عندنا، وان كان المراد ان يكون له قولان فى الشيء انه حلال او حرام على سبيل التخيير فيأخذ بما  شاء منهما، فهذا ايضا لايجوز. وان كان المراد <225> ان يقول هذه المسئلة تحتمل قولين ليبطل ما سواهما، فهذا جائز. والدليل عليه ان المجتهد قد يقوم له الدليل على ابطال كل قول سوى قولين ولايظهر له الدليل فى تقديم احد القولين فى الحال، فيخرج على قولين ليدل به على ان ما سواهما باطل. وهذا كما فعل عمر كرم الله وجهه فى الشورى، فإنه قال: الخليفة بعدى احد هؤلاء الستة، ليدل على انه لايجوز ان تكون الخلافة فيمن سواهم. واما تخريج الشافعى رحمه الله تعالى المسائل على قولين فعلى اضرب: منها ما قال فيها قولين فى وقتين فقال فى القديم فيها  بحكم وفى الجديد رجع عنه، فهذا جائز بلا كلام لما روى عن على كرم الله وجهه انه قال كان رأيى ورأى امير المؤمنين عمر ان لاتباع امهات الأولاد ورأيى الآن ان يبعن، وعلى الروايات التى عن ابى حنيفة رحمه الله تعالى ومالك رحمه الله تعالى، فإنه روى عنهما روايات ثم رجعوا عنها الى غيرها. ومنها ما قال فى وقت واحد هذه المسئلة على قولين ثم بين الصحيح منهما، <227> بأن يقول الا ان احدهما مدخول او منكسر وغير ذلك من الوجوه التى يعرف بها الصحيح من الفاسد، فهذا ايضا جائز لتبيين طرق الإجتهاد أنه احتمل هذين القولين الا ان احدهما يلزم عليه كذا وكذا فتركته، فيفيد بذلك تعلم طرق الإجتهاد كما قال ابوحنيفة رحمه الله تعالى: القياس يقتضى كذا وكذا الا أنى تركته للخبر. ومنها مانص على قولين فى موضعين فيكون ذلك على اختلاف حالين، فلايكون هذا اختلاف قول فى مسئلة، بل هذا فى مسئلتين، فيصير كالقولين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى موضعين على معنيين مختلفين. ومنها مانص فيه على قولين ولم  يبين الصحيح منهما حتى مات رحمه الله تعالى، ويقال ان هذا  لم يوجد الا فى سبعة عشر مسئلة، وهذا جائز لأنه يجوز ان يكون قد دل الدليل عنده  على إبطال كل قول سوى القولين وبقى له النظر فى القولين  فمات قبل يبين كما رويناه فى قصة عمر كرم الله وجهه فى امر الشورى وكما قال ابو حنيفة رحمه الله تعالى فى الشك فى سؤر الحمار

————————-

(قوله أن يخرج المسئلة) أى يستنبطها (قوله ذلك) أى تخريج المسئلة على قولين (قوله لأنه) أى الشأن (قوله فهذا) أى أن يكون له قولان على وجه الجمع (قوله أيضا) أى كما لايجوز عندهم (قوله عندنا) أى معاشر أصحاب القول الأول (قوله فهذا) أى ان يكون له قولان فى الشيء على وجه التخيير (قوله ليبطل الخ) أى بمعنى أنه لايجوز العمل بغيرهما (قوله عليه) أى على هذا المراد (قوله احد القولين) أى المذكورين (قوله ليدل) أى المجتهد (قوله به) أى بالتخريج على قولين (قوله وهذا) أى التخريج (قوله كما فعل عمر) أى ابن الخطاب لما أحس بقرب وفاته (قوله بعدى) أى بعد موتى (قوله هؤلاء الستة) وهم على بن أبى طالب وعثمان بن عفان وزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله رضى الله عنهم (قوله ليدل) أى قول عمر رضى الله عنه (قوله فى القديم) وهو ما قاله الشافعى بالعراق قبل دخوله المصر  (قوله وفى الجديد)  وهو ما قاله الشافعى رحمه الله تعالى بعد دخوله المصر (قوله رجع عنه) أى فالقديم حينئذ فى معنى المنسوخ لايعمل به ما لم يعضده حديث لامعارض له وإلا فهو معمول  اذ قد صح انه قال: اذا صح الحديث فهو مذهبى  (قوله فهذا) أى الضرب (قوله جائز) أى وواقع (قوله وعليه) أى هذا الضرب (قوله فهذا) أى الضرب (قوله أيضا) أى كما يجوز الضرب الأول (قوله كذا وكذا) كناية عن الإشكال (قوله بذلك) أى بقوله (قوله ذلك) أى النص على قولين فى موضعين (قوله ما نص) أى فى وقت واحد (قوله ولم يبين الخ) فهذا لا بد من ترجيح فقيل مخالف أبى حنيفة أرجح من موافقه وقيل عكسه والأصح أن الترجيح بالنظر الى الدليل، ومن تبحر وتمكن من ترجيح يقال له مجتهد الفتوى كالشيخين (قوله عنده) أى عند الشافعى (قوله فى قصة عمر الخ) أى فإنه توفى قبل أن يبين احد الستة على التعيين

 

     (فصل) فأما  اذا ذكر المجتهد قولا ثم ذكر آخر بعد ذلك كان ذلك رجوعا عن الأول. ومن اصحابنا من قال ليس ذلك برجوع بل تخريج للمسئلة على قولين. وهذا غير صحيح لأن الثانى من القولين يناقض الأول، فكان ذلك رجوعا عن الأول كالنصين فى الحادثة

———————–

(قوله فأما اذا ذكر الخ) هذا مثل ما تقدم للشافعى من الضرب الأول (قوله بعد ذلك) أى بعد ذكر القول (قوله رجوعا عن الأول) أى ونسخا (قوله تخريج الخ) أى فى وقت واحد ففيه ماتقدم فى الضرب الثانى والرابع للشافعى (قوله كالنصين) أى اذا تعارضا ولم يمكن الجمع وعلم تأخر واحد منهما عن الآخر فإنه يترك المتقدم ويعمل المتأخر

 

     (فصل) فأما اذا نص على قولين ثم اعاد المسئلة فأعاد احد القولين كان ذلك اختيارا للقول المعاد. ومن اصحابنا من قال ليس ذلك باختيار. والأول اصح لأن الثانى يضاد القول الاول، فصار كما لو نص فى الإبتداء على احد القولين ثم نص على القول الآخر      

———————–

(قوله فأما اذا نص على قولين) أى فى وقت واحد ولم يرجح أحدهما  (قوله اختيارا للقول المعاد) أى وترجيحا له  (قوله ليس الخ) أى فيبقى القولان على حالهما (قوله باختيار) أى للقول المعاد (قوله لأن الثانى) أى المعاد (قوله فصار) أى الأمر (قوله ثم نص الخ) أى بعد ذلك فكان رجوعا عن الأول كالنص على القولين فى وقتين

      (فصل) فأما اذا قال المجتهد فى الحادثة بقول ثم قال ولو قال قائل كذا وكذا كان مذهبا لم يجز ان يجعل ذلك قولا له. ومن اصحابنا من قال يجعل ذلك قولا آخر. وهذا غير صحيح لأن هذا إخبار عن احتمال المسئلة قولا آخر، فلايجوز ذلك مذهبا له

———————–

(قوله كذا وكذا) كناية عن قول مخالف لقوله المذكور (قوله له) أى لذلك المجتهد

(قوله قولا آخر) أى له

 

      (فصل) وأما ما يقتضيه قياس قول المجتهد فلايجوز ان يجعل قولا له. ومن اصحابنا من قال يجوز ان يجعل ذلك قولا له. وهذا غير صحيح لأن القول مانص <229> عليه، وهذا لم ينص عليه فلايجوز ان يجعل قولا له

———————–

(قوله وأما ما يقتضيه الخ) أى مما لم ينص عليه (قوله قولا له) أى لا مطلقا ولا مخرجا (قوله يجوز الخ) أى وعليه صاحب اللب (قوله قولا له) أى مخرجا خرجه الأصحاب على ذلك القول المنصوص عليه 

      (فصل) اذا نص فى حادثة على حكم ونص فى مثلها على ضد ذلك الحكم لم يجز نقل القول فى احد المسئلتين الى الأخرى. ومن اصحابنا من قال يجوز نقل الجواب فى كل واحدة من المسئلتين الى الأخرى وتخريجهما على قولين. وهذا غير صحيح لأنه لم ينص فى كل واحدة منهما الا على قول، فلا يجوز ان ينسب اليه مالم ينص عليه، ولأن الظاهر انه قصد الفرق بين المسئلتين، فمن جمع بينهما فقد خالفه

————————

(قوله ونص فى مثلها) أى ولم يظهر ما يصلح للفرق بين الحادثتين (قوله لم يجز الخ) أى لاحتمال أن يذكر فرقا بينهما لو روجع فى ذلك (قوله نقل القول الخ) أى ونقل القول فى الأخرى الى الإحدى (قوله يجوز نقل الخ) أى فيحكم على الأولى بجواب الثانية وعلى الثانية بجواب الأولى (قوله وتخريجهماعلى قولين) أى فيحصل فى كل من المسئلتين قولان منصوص ومخرج فالمنصوص فى الأولى مخرج فى الثانية والمنصوص فى الثانية مخرج فى الأولى

(باب القول فى اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم)

     يجوز الإجتهاد بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن اصحابنا من قال لايجوز. دليلنا ان النبى صلى الله عليه وسلم أمر  سعدا ان يحكم فى بنى قريظة <230> فاجتهد بحضرته، ولأن ما جاز الحكم به فى غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الحكم به فى حضرته  كالنص    

———————-

(قوله ويجوز) أى ويقع والوقوع أقوى ادلة الجواز (قوله لايجوز) أى الإجتهاد بحضرة الرسول للقدرة على اليقين فى الحكم بالرجوع الى النبى صلى الله عليه وسلم وتلقينه منه فلا يجوز ارتكاب الظن وهو الإجتهاد مع إمكان اليقين. ورد هذا القول بأنه لو كان عنده وحى فى ذلك لبلغه للناس  وقيل جائز بإذنه وقيل جائز للبعيد عنه وقيل جائز للولاة. (قوله سعدا) أى بن معاذ الأوسى (قوله فاجتهد) أى وحكم بقتلهم وسبى ذراريهم فقال النبى ” لقد حكمت بحكم الله “.

      (فصل) وقد كان يجوز لرسول الله صلى الله عليه سلم ان يحكم فى الحوادث بالإجتهاد. ومن اصحابنا من قال ما كان له ذلك. لنا هو انه اذا جاز لغيره من العلماء الحكم بالإجتهاد فلأن يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم وهو اكمل اجتهادا اولى

———————–

(قوله يجوز الخ) أى لقوله تعالى ” ما كان للنبى ان يكون له اسرى حتى يثخن فى الأرض ” عوتب على استبقاء اسرى بدر بالفداء، والعتاب لايكون فيما صدر عن وحى فيدل على ان ذلك عن اجتهاد (قوله من قال) وهو أبو على الجبائى (قوله ما كان له ذلك) أى الحكم فى الحوادث بالإجتهاد لقدرته على اليقين بانتظار الوحى وقال تعالى ” ان هو الا وحى يوحى “. ورد بأن انزال الوحى ليس على قدرته (قوله لنا هو أنه الخ) أى لنا دليل على ذلك هو انه الخ

      (فصل) وقد كان الخطأ جائزا عليه الا انه لايقر عليه. ومن اصحابنا  من قال ما كان يجوز عليه الخطأ. وهذا خطأ لقوله تعالى: ” عفا الله عنك لم اذنت لهم ” فدل على انه اخطأ ولأن من جاز عليه السهو والنسيان جاز عليه الخطأ كغيره <231>

———————–

(قوله عليه) أى على اجتهاد رسول الله صلى الله علي وسلم (قوله لايقر عليه) أى على هذا الخطأ بل ينبهه الله تعالى سريعا كقوله تعالى ” ما كان للنبى ان يكون له اسرى حتى يثخن الأرض” (قوله ما كان الخ) أى تنزيها لمنصب النبوة عن الخطأ فى الإجتهاد (قوله لهم) أى لمن ظهر نفاقهم حتى استأذنوك واعتلوا بأكاذيب وهلا توقفت. ورد بأن التنبيه فى هذه الآية ليس على الخطأ بل على ترك الأولى  (قوله السهو) وقد سهى النبى مرارا فى صلواته

      (فصل) ويجوز ان يتعبد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بوضع الشرع فيقول له افرض وسن ما ترى انه مصلحة  للخلق. وقال اكثر القدرية لايجوز. وهذا خطأ لأنه ليس فى ذلك تجويز احالة ولا فساد، فوجب ان يكون جائزا والله اعلم

———————–

(قوله ويجوز الخ) والأصح على الجواز أنه لايقع لقوله صلى الله عليه وسلم ” لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ” (قوله ان  يتعبد الخ) وهذا هو المسمى بالتفويض (قوله فى ذلك) أى فى تعبد الله نبيه بوضع الشرع.

     هذا ما تيسر لي جمعه من تعليقات قصيرة على ألفاظ اللمع أخذتها من الشروح والحواشى في أصول الفقه حسب الميسور على أني في ذلك قليل البضاعة وضعيف الإستطاعة فالمرجو ممن اطلع على عيب أو خلل في هذه التعليقات التصويب والتصحيح مع الإنصاف على إعطاء كل ذي حق حقه كما أرجو الله تعالى أن ينفع بها كما نفع بمتنها لكل طالب ويبارك له فيها وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.